العنوان المنهزمون وسياسة تهويد القدس
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1995
مشاهدات 65
نشر في العدد 1151
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 30-مايو-1995
في الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة الإسرائيلية في حركة تكتيكية تجميدها
لقرار مصادرة ثلاثة وخمسين هكتارًا من أراضي العرب في القدس لأسباب داخلية بحتة
تمثلت في تهديد الأحزاب المعارضة في الكنيست الصهيوني بسحب الثقة من الحكومة
الإسرائيلية وإسقاطها، فقد حاول المنهزمون من الزعامات العربية أن يعتبروا هذا
الأمر نصرًا لهم، وغاية مرادهم، في الوقت الذي أعلنت فيه إسرائيل، أن سياستها في
تهويد القدس والسيطرة الكاملة عليها وطرد العرب منها قائمة على قدم وساق، وأن
مصادرة الأراضي العربية هي سياسة إسرائيلية ثابتة وقائمة منذ إعلان قيام إسرائيل
على أرض فلسطين المحتلة في العام 1948م.
فقد أثبتت التقارير أن الصهاينة قد صادروا منذ عام 1948م وحتى الآن ما
يقرب من 80% من مساحة أراضي القدس، وأقاموا عليها المستوطنات اليهودية، وشردوا
سكانها العرب، وقد بلغت مساحة الأراضي التي صادرها اليهود 33% من مساحة القدس حتى
عام 1967م، حيث أقاموا عليها الأحياء اليهودية، وطردوا سكانها العرب منها، ثم
واصلوا سياسة المصادرة منذ عام 1967م وحتى الآن بقوة، حتى بلغت نسبة الأراضي
المصادرة ما يساوي 80% من مساحة القدس، وليس الثلاثة والخمسين هكتارًا التي حاول
المنهزمون أن يجعلوها قضيتهم الأولى والأخيرة، ففي عام 1968م صادر اليهود 3345
هكتارًا من أراضي القدس لصالح إقامة مستوطنات يهودية عليها، وفي عام 1970م صادروا
أحد عشر ألفًا و 780 هكتارًا تحت ستار المصلحة العامة، حيث أقاموا عليها أكبر تجمع
للمستوطنات الإسرائيلية في القدس المحتلة، وفي عام 1980م، قاموا بمصادرة 4400
دونم، وفي عام 1990م قاموا بمصادرة 1850 دونمًا أقاموا عليها 7500 وحدة سكنية
لليهود، وخلاف ذلك فقد كانت سياسة مصادرة مساحات صغيرة قائمة بشكل يكاد يكون
يوميًا، وكان آخرها مصادرة 650 دونمًا في إبريل الماضي، ترك العرب المنهزمون كل
هذا وأقاموا ضجة حول 53 هكتارًا لم تكن سوى حلقة صغيرة من سلسلة المصادرات التي
تقوم بها إسرائيل، منذ عام 1948م.
ولم يقف الكيان الصهيوني عند حد مصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات
عليها، وإنما اتبع سياسة تفريغ القدس من سكانها العرب بالترحيل القسري والطرد وعدم
السماح لهم بالبناء إلا على ما يوازي 56% من مساحة الأرض، فيما يسمح لليهود
بالبناء على ما يوازي 300% من مساحة الأرض أي بالارتفاع على ما يزيد عن ثماني
طوابق، وفيما تم بناء 38 ألف وحدة سكنية للمستوطنين الصهاينة علاوة على عشرين
ألفًا تحت الإنشاء، وعشرين ألفًا أخرى تدخل ضمن نطاق مخطط القدس اليهودية الكبرى
التي يخطط الصهاينة لإعلانها على الأراضي العربية المصادرة، فإنه منذ عام 1967م
وحتى الآن لم يسمح للعرب سكان القدس الأصليين سوى ببناء 600 وحدة فقط ولهذا فقد
تناقص عدد العرب المقيمين في القدس القديمة إلى 155 ألف عربي فقط فيما أصبح عدد
السكان اليهود 160 ألف يهودي في الوقت الذي لم يكن يسكن في القدس العربية القديمة
وحتى عام 1967م يهودي واحد.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما تقوم الدول الموالية للكيان
الصهيوني وعلى رأسها الولايات المتحدة بمنح إسرائيل، مليارات الدولارات لمساعدتها
على تنفيذ سياستها العدوانية الاستيطانية القائمة على نهب أراضي فلسطين ومقدساتها،
مستخدمة في ذلك فوائد مئات المليارات من الدولارات التي أودعها العرب أنفسهم في
بنوك أمريكا والدول الغربية، فتسخر بذلك أموال العرب لصالح "إسرائيل"،
ليحارب بها العرب.
والأسوأ من ذلك أنه في الوقت الذي تحارب فيه بعض الحكومات العربية –
بضغط من أمريكا و"إسرائيل" – اللجان والجمعيات الخيرية الإسلامية التي
تجمع التبرعات وتقيم المشروعات للمسلمين المنكوبين في أنحاء العالم، ومن بينهم
المسلمون في فلسطين، فإن أنصار اليهود في جميع أنحاء العالم خاصة في الولايات
المتحدة يقومون بجمع آلاف الملايين من الدولارات علنًا لصالح الكيان الصهيوني، حتى
أن كل الشركات اليهودية في الولايات المتحدة وأنحاء أخرى متفرقة من العالم، تدفع
نسبة ثابتة من أرباحها لصالح إسرائيل، كما أن الجمعيات اليهودية داخل الكيان
الصهيوني تطوف في شوارع المدن الكبرى لتجمع التبرعات لصالح المستوطنات، وهي ترفع
شعار "ادفع دولارًا تطرد عربيًا"، وقد استطاعت هذه الجمعيات خلال شهر
واحد أن تجمع من المارة في الشوارع 16 مليون شيكل.
إن سياسة الغدر والاستهزاء، وفرض الأمر الواقع والاستهانة بالقرارات
الدولية التي تمارسها "إسرائيل" والتي يقابلها في نفس الوقت انهزام
واستسلام عربي مهين تقتضي من الأمة أن تفيق إلى واقعها، وأن تثوب إلى رشدها، وأن
تدرك حقيقة ما أعلنه شيخ الأزهر في بيانه القوي الذي أصدره يوم الأربعاء الماضي
بأن الولايات المتحدة هي صديق "مقامر"، و"خائن" للعرب وأن
أفعال اليهود هي "خيانة للعهد والوعد يقتلون ويغدرون ويهدمون ثم يجدون
"الفيتو"، الأمريكي نصيرًا لهم".
وأضاف شيخ الأزهر بأن الولايات المتحدة قابلت صداقة العرب حقدًا
وخيانةً وظلمًا ونكرانًا للتكريم الذي تلقاه والتعظيم والكرم الحاتمي الذي يغشاها
به العرب، والتهليل والترحيب الذي تستقبل به مع أنه قادم بالويل والثبور وعظائم
الأمور.
إن مسارات الأحداث كلها وهذه الكلمات القوية التي قالها شيخ الأزهر
والتي وضعت النقاط على الحروف تؤكد على حقيقة واحدة طالما نادينا بها وسنظل ننادي
بها على صفحات المجتمع، وهي أن طريق الجهاد ونصرة المجاهدين هو الطريق الوحيد
لتحرير فلسطين المحتلة، وأن كل ما سوى ذلك هو طريق من طرق الخيانة والمقامرة
(وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) (الشعراء: 227)