; المنهج الإسلامي في النقد الأدبي (2من3) «مقوماته وخصائصه» | مجلة المجتمع

العنوان المنهج الإسلامي في النقد الأدبي (2من3) «مقوماته وخصائصه»

الكاتب علي الغزيوي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1994

مشاهدات 82

نشر في العدد 1118

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 27-سبتمبر-1994

  • المنهج الإسلامي في النقد يستمد مقوماته وأصوله من القرآن الكريم والسنة النبوية.
  • حين يتم التكيف الشعوري في النفس البشرية بالتصور الإسلامي الإبداعي القائم على فكرة التوحيد، فإن أثره يبدو في كل ما يصدر عن النفس.

على الرغم من أن المنهج الإسلامي في النقد الأدبي مشروع كبير، وموضوع متعدد الجوانب، لا يمكن الإحاطة به في وقت محدود، فإننا نلجأ إلى الاختصار، فنقتصر على أبرز مقوماته، وأهم خصائصه. هناك مقومات عديدة تمثل أسس هذا المنهج، وتحدد طبيعته، أبرزها:

أولاً: ارتباط المنهج بالعقيدة في النظرية الإسلامية:

ذلك بأن الارتباط بالعقيدة يمثل العامل الجوهري في التجربة الشعورية التي تجيش بها أعماق الأديب، وهي عنصر أساسي في النظرية النقدية التي تنصب على النصوص الأدبية النابعة من تلك التجربة.

غير أن هذا الارتباط لا يجعله من قبيل النقد الأيديولوجي السائد في التصورات الأخرى؛ لأن المنهج الإسلامي في النقد يستمد مقوماته وأصوله من القرآن الكريم والسنة النبوية، أما الأيديولوجيات الأخرى فوضعية، نابعة من الفكر البشري المحض الذي يخضع للنسبية، وإن كان هنالك نوع من التشابه بين النقد الإسلامي والنقد الأيديولوجي، فهو تشابه شكلي فقط، لا يتجاوز المظهر الخارجي، ولا يتأتى إدراك ذلك إلا بفهم طبيعة "الإسلامية" وخصائصها ومقوماتها (1).

ولكن كيف يتم في العملية الإبداعية الأدبية التوفيق بين التجربة الشعورية التي يعبر عنها الأديب - بما تتطلبه من حرية - وبين العقيدة التي تقوم على مجموعة من الضوابط، وترسم الحدود لحركة الإنسان؟ ألا يعني ذلك حداً من حرية الأديب وإلزاماً له بتلك الضوابط والحدود؟

العقيدة وأثرها الإبداعي:

إن الإجابة عن مثل هذه التساؤلات مرتبطة بفهم طبيعة الفعالية الأدبية في علاقتها بالعقيدة من جهة، وفي ما ينتج عن العقيدة والتصور الإسلامي من فعاليات من جهة أخرى، إن هذه الفعاليات جميعها - مهما تعددت وتنوعت - تقوم على أساس واحد، هو فكرة التوحيد بمفهومها الصحيح، باعتبارها ركيزة الكون وما فيه، وحين يتم التكيف الشعوري في النفس البشرية بالتصور الإسلامي الإبداعي للحياة القائم على فكرة التوحيد في قطبيها الكبيرين: "الألوهية"، و"العبودية"، وما يصل بينهما من فعاليات، فإن أثر هذا التكيف يبدو في كل ما يصدر عن هذه النفس، لا على وجه الإلزام والإرغام، ولكن على وجه التعبير الذاتي "التلقائي" عن حقيقة هذه النفس "المؤمنة"، يستوي في هذا التعبير أن يكون صلاة في المحراب، أو سلوكاً مع الناس، أو عملاً فنياً... (2).

وبناءً على ذلك فحين نقول: إن الأدب الإسلامي أدب موجه؛ لأنه يرتبط بالعقيدة التي ترسم حدوده، وتحدد ضوابطه ومعاييره، وحين نتحدث عن منهج له يلتزمه، ويصدر عن هديه وتوجيهه، فلا نعني بذلك التوجيه الإجباري على نحو ما يفرضه أصحاب مذهب التفسير المادي للتاريخ، وإنما يعني ذلك - بكل بساطة - أن تتكيف النفس البشرية بالتصور الإسلامي للحياة، وهو وحده سيلهمها - كما يقول سيد قطب - صوراً من الفنون غير التي يلهمها إياها التصور المادي أو أي تصور آخر؛ لأن التعبير الفني لا يخرج عن كونه تعبيراً عن النفس كتعبيرها بالصلاة أو السلوك في واقع الحياة (3).

وانطلاقاً من طبيعة التعبير الفني هذه يلاحظ بعض الأدباء الإسلاميين أن الأدب الإسلامي من هذا المنظور، تعبير عن الذات ومشاعرها بطريقة لا يتعارض فيها ما يصدر عن الذات الداخلية للإنسان، وما يصدر عن العالم الخارجي الموضوعي؛ لأنه تعبير متأثر بلحظات النور والإشراق التي تغمر النفس؛ فتعمق انتماءها لعقيدتها الإسلامية، وتقوي الوعي الكوني بالوجود المحيط بالذات (4).

كما يوضح هذا الدارس نفسه تلك العلاقة بين الذات والموضوع في العملية البلاغية، فيؤكد أن مصطلح "الانتماء" يعني الارتباط بالعقيدة، وما يصدر عنها من مكونات التراث الإسلامي من صدور الفرع عن الأصل، لتتغلغل في الوجدان، أما مصطلح "الوعي" فإنه يحتل أقصى الطرف المقابل للانتماء، وهو صفة يملكها الجميع، ولكن لا يستطيع التعبير عنها إلا قلة نادرة، إنه الزر الذي يبعث الشرارة التي تلهب الأديب المسلم فيتدفق كالنهر، وخلال ذلك تظهر مواهبه وإمكاناته الفنية، فما بين الانتماء والوعي يتدفق العطاء الشعري خصباً متنوعاً.

ويرى الدكتور محمد أحمد حمدون أن الذاتية الإسلامية تكون على المستوى الأول مستوى الانتماء "تذكراً" للارتباطات الأساسية للذات، وعلى المستوى الثاني "وعياً" كونياً للوجود المحيط بالذات، وواضح أن المستوى الأول هو الأكثر وقوعاً واستمراراً، وهو الذي نستطيع على أساس منه - لسهولته - تدريس وتقعيد أوجه التعبير عن الذاتية الإسلامية عند الشعراء والكتاب، فنحددها ونردها إلى أصولها في التراث، أما ذاتية الوعي فإنها ترتبط بالوجدان، تلمع كالبريق حيناً وتخبو في أعماق النفس أحياناً، وغاية ما ندركه منها هو تلك اللمحات الكونية البديعة، واللمع الوجدانية الصافية في أنفس الشعراء (5).

وذلك ما يجب على الناقد الذي يصدر عن منهج إسلامي أن يفصله ويحلله لتأكيد ما يمكن أن يتميز به الأدب الإسلامي من عمق وغنى وتنوع، وإيحاءات دلالية، وبعد عن المباشرة والتقريرية والخطابية.

إن ارتباط المنهج بالعقيدة لا يعدو أن يكون عودة إلى الأصل، إلى المنبع الصافي الذي كان يمتحُّ منه شعراء الدعوة الإسلامية، ويصدر عنه الذين سعوا إلى تأسيس منهج إسلامي في النقد الأدبي، خلال فترة التأسيس، فترة صدر الإسلام.

ويرى الدكتور عبد الباسط بدر أن ارتباط الأدب الإسلامي ونقده بالعقيدة، من شأنه أن يحقق مجموعة من النتائج الهامة، التي تكفي مسوغاً لتعميق هذا الارتباط، وأبرز تلك النتائج (6):

1- تصحيح العلاقة بين الأدب والعقيدة (7): وهي علاقة مشوهة في مختلف المذاهب العقدية الأخرى، أما العقيدة الإسلامية فهي تقدم للأديب التصور الصحيح الذي يسترشد به؛ فيحقق له الأمن الفكري والنفسي الذي عجزت عنه العقائد الأخرى، ويهيئ له التربة المناسبة لنمو أدبه، وتوسيع مجالاته، وملامسته مع الفطرة البشرية.

2- تحقيق الانسجام بين عقيدة الأديب المسلم وحسه الأدبي (8): ذلك بأن الأدب جزء من حياة الفرد الخاصة والعامة، الداخلية والخارجية، والأديب المسلم حين يعيش كل دقائق حياته داخل إطار العقيدة، لا يمكن أن ينتاب تجاربه الشعورية قلق وحيرة وغربة، ولا يمكن أن يعيش الإسلامَ في حياته العادية وسلوكه وعلاقاته، ثم ينفصل عنه في لحظات الصدق الوجداني، وإلا أصيب بالانفصام الذي يجعله مزدوج الشخصية، وحينذاك يفتقد الموازين الدقيقة للقضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية وما يرتبط بها.

3- إنصاف العقيدة الإسلامية (9)، وإبراز موقفها الصحيح من الأدب والفن: ذلك بأن الإسلام لا يحارب الفنون لذاتها، بل يعارض التصورات والقيم المنحرفة في هذه الفنون (10)، ولا يمكن الخلط بين الأمرين؛ لأن العقيدة تكرم الأديب كما تكرم الإنسان أيّاً كان، وتزكي مشاعره، وتنير دروسه، ولكنها تقطع دابر شهواته التي يمكن أن تستعبده، ولذلك كان الأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي لا يهتف للكائن البشري بضعفه ونقصه وهبوطه، ولا يملأ فراغ مشاعره وحياته بأطياف اللذائذ الحسية، أو بالتشهي الذي لا يخلق إلا القلق والحيرة، إنما يهتف لهذا الكائن بأشواق الاستعلاء والطلاقة، ويملأ فراغ حياته ومشاعره النبيلة التي تطور الحياة وترقيها، سواء أتعلق الأمر بضمير الفرد أم بواقع الجماعة (11). والتصور الإسلامي وإن كان لا ينكر ذلك في الواقع، فإن منهجه في معالجته يخضع لمبادئه وضوابطه.

4- حماية القيم الفنية في الأدب (12): ذلك بأن السائد عند بعض الأدباء المسلمين - وعند غيرهم أيضاً - أن الأدب الإسلامي أدب أخلاقي محض، يهتم بالفكرة والعبرة، ولا يعير الجانب الجمالي والمقومات الفنية قيمة تذكر، وهذا وهم وباطل، ذلك بأن الشروط الفنية التي تحقق أدبية الأدب شيء مفروغ منه، وهذا أمر سيأتي بيانه عند الحديث عن قضية المضمون والشكل في الأدب الإسلامي، وموقف المنهج الإسلامي منها.

ثانياً: خصوصية المصطلح وضرورة مناسبته للتصور الإسلامي:

أما الأمر الثاني الذي يقوم عليه المنهج الإسلامي في النقد الأدبي، فهو ضرورة مناسبة المصطلح النقدي للتصور الإسلامي، وهو ما يضفي عليه خصوصيته، ويجنبه استعمال المصطلح السائد بالرغم من غرابته عنه.

وإذا كان الأصل في المنهج هو التناول الموضوعي للنصوص، فإن أي منهج لا بد أن يستعين بمجموعة من النصوص التي تحدد طبيعته، وتنم عن خلفيته الفكرية، وإذا كان الأدب العربي المعاصر يعاني أزمة في المصطلح، وما يثيره من إشكالات متعددة أبرزها ضبابية المصطلح واضطراب مفاهيمه، وتعدد مصادره التي يستقي منها، وأنه لم يستطع حتى الآن أن يفرز جهازاً مصطلحياً نابعاً من ذاته معبراً عن كيانه، فإن إشكال المصطلح يزداد حدة بالنسبة للأدب الإسلامي، ولا سيما حين يلجأ إلى استعمال المصطلح، مع العلم أن تعدد المدارس النقدية وتنوع المذاهب الأدبية في الغرب من أهم عوامل تسيب المصطلحات واختلاف المفاهيم من مدرسة لأخرى.

ومصطلحات الغرب نتاج للعقل الأوروبي الذي تضافرت على تشكيله وصياغته مجموعة من العوامل مع بدايات العصر الحديث، ومقدمات المرحلة الحضارية الجديدة، انطلاقاً من حركات الإصلاح والنهضة والتنوير، إلى المرحلة الراهنة عبر مسيرة طويلة يتدخل فيها الموروث الفكري للعقل الأوروبي، والعوامل المستجدة، وإذا كنا ننفعل بذلك العقل ونتفاعل معه لما له من تأثير في أجيال المثقفين في العالم الثالث، وضمنهم مثقفو العالم العربي والإسلامي، فإن مما لا شك فيه أن عقلنا بموروثاته ومستجداته غير العقل الأوروبي؛ لأننا لا يمكن أن ننكر خصوصية الجذور الثقافية لفكر كل أمة من الأمم (13).

الهوامش:

(1) انظر عن مصطلح "الإسلامية": الإسلامية والمذاهب الأدبية، د. نجيب الكيلاني، ص 47 وما بعدها، الطبعة الثانية 1401 هـ - 1981 م، مؤسسة الرسالة - بيروت، ومبحث الإسلامية والمذاهب الأدبية ضمن كتاب: مدخل إلى نظرية الأدب الإسلامي، د. عماد الدين خليل، ص 43 وما بعدها، وانظر أيضاً: مفهوم الأدب الإسلامي علي الغزيوي، جريدة "المسلمون"، العدد 148 الجمعة 13 ربيع آخر 1408 هـ، نوفمبر 1987م، ص 9، وعن خصائصها ومقوماتها انظر: خصائص التصور الإسلامي ومقوماته: سيد قطب.

(2) في التاريخ: فكرة ومنهاج: سيد قطب ص 27 الطبعة الرابعة 1400 هـ 1980م، دار الشروق، بيروت.

(3) في التاريخ فكرة ومنهاج ص 27، 28.

(4) نحو نظرية للأدب الإسلامي، د. محمد أحمد حمدون ص 119 - 120، إصدارات المنهل - جدة - السعودية - الطبعة الأولى 1407 هـ 1986م.

(5) المرجع نفسه ص 123.

(6) انظر: كتاب مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي، د. عبد الباسط بدر، ص 44-47 وما بعدها.

(7) المرجع السابق.

(8) المرجع السابق.

(9) المرجع السابق.

(10) في التاريخ: فكرة ومنهاج ص 20.

(11) المرجع نفسه ص 87 - 88.

(12) مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي ص 48.

(13) انظر كتاب تشكيل العقل الحديث تأليف كرين برينتون، ترجمة شوقي جلال سلسلة عالم المعرفة، رقم 82 - الكويت.

 

الرابط المختصر :