العنوان المنهج النبوي في الحوار
الكاتب حفيظ الرحمن الأعظمي
تاريخ النشر السبت 11-أكتوبر-2003
مشاهدات 71
نشر في العدد 1572
نشر في الصفحة 56
السبت 11-أكتوبر-2003
كان الرسول صلى الله عليه وسلميجمع في حواره بين القلب والعقل... والترغيب والترهيب.. فلانت له القلوب وتفتحت له العقول
أسس المصطفي صلى الله عليه وسلم مدرسة حوارية قامت تحمل الأذى والدفع بالتي هي أحسن.. فآتت ثمارها في سرعة عجيبة
بات الحوار في الآونة الأخيرة مطلب كل مثقف في العالم الإسلامي وغيره، فهنالك من يطالب بضرورة الحوار بين الأنظمة والشعوب، وآخرون يطالبون بالحوار بين الطوائف والأحزاب الإسلامية المتفرقة ،إضافة إلى من يطالب بالحوار بين الإسلام والغرب أو الحوار بين الأديان..
azami@hotmail.com
ولا شك أن الحوار يعتبر بحق لغة العقل السليم، ولئن كان الحوار أساسًا تبنى عليه لغة الفهم بين المتحاورين، فهو لازم حتمي لمن يريد الوصول إلى الحقيقة الواضحة لا الواهية ودون التطرف لفكرة أو أيديولوجيًا من صنع البشر... والحوار القائم على بدهيات ومسلمات يسمى حوارًا سفسطانيًا لا غاية منه سوى استنزاف الوقت وإتعاب النفس في الحديث دون طائل أو جدوى، وهذا في حالة أن الطرفين يعلمان بالمسلمة والبدهية، أما الحوار على بدهية أو مسلمة يعرفها أحد الطرفين وينكرها الآخر أو يتجاهلها، فهو حوار بناء نتيجته الوصول إلى الحقيقة الساطعة كنور الشمس، والحوار الذي سنتناوله بالحديث هنا هو ما يكون بين بين عاقل وجاهل فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عرف قبل الدعوة وبعدها أن الاصنام لا تضر ولا تنفع فاعتزلها وأخذ يخلو بنفسه متفكرًا في هذا العالم. وكان إبراهيم - عليه السلام- قد أدرك أن الأصنام لا تنفع فحطمها، مؤكدًا على مسلمة اقتنع بها مسبقًا دون الرجوع لمصدر بشري.
والمسلمة التي انطلق منها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هي أن هناك خالقًا ومدبرًا لهذا الكون، ولا يحدث في هذا الكون إلا ما يشاؤه خالق الكون، وكان صلى الله عليه وسلم اللين في حواره حينًا، والصلب حيناً آخر، الموجه رسالته إلى العقل مرة، وإلى القلب مرة أخرى.. وصاحب المسلمة هو الأقوى دائمًا إلا أن قوة الإقناع بها تستلزم إتقان لغة الاستيعاب لا التصادم مادام مؤمنًا تمام الإيمان بمسلماته، فهو على صواب بالبداية والنهاية، وقد أتقن النبيصلى الله عليه وسلم هذه اللغة وهو لا يزال معلمًا لها.
والرسول صلى الله عليه وسلم منذ بداية الدعوة الإسلامية أخذ بأسباب الحوار الحقيقي مع معرفة الكيفية التي يدار بها هذا الحوار. وقد جاءت هذه المعرفة محصلة التوجيه الإلهي الذي حدد للرسول الكريم كيفية الحوار والمجادلة، ومع من تكون؟ فقال جل وعلا: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ﴾ (النحل ١٢٥)، ولذلك نجحت الدعوة الإسلامية في السيطرة على القلوب والعقول معًا، وهذا النجاح الذي تحقق لدعوته صلى الله عليه وسلم لم يكن وليد صدفة، بل تحقق بعد صبر طويل، وسنوات محاورة.
والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كان مدركًا لواقعه وملازمًا له متفاعلًا معه، مما جعله يعرف طبيعته وما عليه نفوس أصحابه والمشاركين فيه، مما هيأ للرسولصلى الله عليه وسلم قواعد ينطلق منها في حواره مع الناس سرًا وجهرًا... والحقيقة أن ما ميز حواره صلى الله عليه وسلم عن باقي الرسل أنه كان موجهًا نحو من يملك الحكم، وهو العقل، ونحو ما تكون فيه التقوى والإيمان وهو القلب، ولعل ذلك السبب من أهم الأسباب التي جعلت الدعوة الإسلامية تحقق كثيرًا من النجاحات على المستوى الديني والإنساني في فترة وجيزة.
ولو أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حاور العقول فقط، لنجت الدعوة الإسلامية لفترة وجيزة، ولكان الإسلام قد ظهر بمظهر الصلف الجاف القائم على أحكام، هي: أفعل كذا ولا تفعل كذا، وهذا الأمر محبوب، وذاك مكروه بما يحول في نهاية المطاف دون استمرارية هذا الدين الذي يعتبر فيه العقل والروح صنوين، فالعاقل قاصر في فهم ما وراء، وهو الغيبيات التي يؤكدها الإيمان عن طريق القلب.
إذا حاور الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في هذين الاتجاهين ليوصل الدين إلى الخلق وينشره بين الناس كما أمره الله جل وعلا بذلك، وهنا لا بد من أن نوضح نقطة مهمة في المنهج الذي اتبعه الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه منذ البداية حمل رسالة يجب إيصالها للناس، وتبليغهم إياها، فإلى جانب الأمر الإلهي بنشر ديانة التوحيد، أراد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تبليغ ما فيه خير للبشرية وخلاص لها من كل ما تعانيه من فساد وجهل بحقائق الأمور.
هكذا حاور الرسول قومه
سبق أن أسلفنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم استند في حواره ودعوته إلى مسلمات ويقينيات، وكانت القاعدة اليقينية الأولى هي أن الله واحد لا شريك له، وهذا هو الأساس الأول في الإسلام، وكان لا بد للدعوة إلى الإسلام من فتح هذا الباب على مصراعيه، منذ بدء الدعوة وانطلاقتها وهو التوحيد، وقد كان العرب آنذاك عبدة أوثان وهو أمر مناف للإيمان بالله الواحد الأحد.
وقد عانت الدعوة الإسلامية في انطلاقتها صعوبات جسامًا كان أهمها ما كان عليه قومه - عليه السلام - من إشراك بالله وممارسة طقوس دينية منافية للعقل والمنطق اللذين كانا غائبين عن المشركين يومئذ... وتتجلى الصعوبة في ذلك أن هؤلاء القوم كانوا يعلمون بوجود خالق للكون ومدبر له، إلا أنهم جعلوا واسطة بينه جل وعلا، وبين أنفسهم وهي تمثلت في الأوثان، اضف إلى ذلك تعصبهم لشركهم ووثنيتهم، فالعقل المادي لا يؤمن إلا بما يشاهده أو يلمسه أو يشعر به بأي شكل من الأشكال، فعندما جاء المشركون للرسول صلى الله عليه وسلم قالوا له: أين إلهك، طالبين منه رؤيته ظنًا منهم أنه كإلهتهم المنحوتة من الأحجار فكيف حاورهم النبي في ذلك؟
أولًا: عرف عن الرسول صلى الله عليه وسلم الصدق والأمانة وحُسن المعشر، وكان هذا المحور أول ما خاطب الرسول الكريمصلى الله عليه وسلم قومه وسألهم به، حين طلب منه أن يجهر بالدعوة ويصدع بالحق، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفاء تطبيقًا لأمر ربه وطفق ينادي: يا بني فهر! يا بني عدي! حتى اجتمعوا فجعل الذي لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما الأمر؟ وبعدما اجتمع أهل مكة خاطبهم النبيصلى الله عليه وسلم قائلًا: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي»؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد...» إلخ. إذن، لقد سأل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قومه عن صدقهم فيه، كيلا يكون حجة لهم في تكذيبه بل حجة عليهم.
ثانيًا: استخدم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لغة الخوف على قومه وعشيرته الأقربين حين جمع حوله ذويه وأهل قرابته وعشيرته، فقال: يا بني كعب بن لؤي انقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب انقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس، انقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف انقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب انقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة انقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًاغير أن لكم رحمًا سأبلها ببلاها.
ففي هذه الدعوة للرسول الكريم خاف عليهم من النار، وقد استخلص الرسول عليه السلام من قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء:214)، «إنقاذ» كي يكون خير مبلغ أسلوبًا ولغة.
ثالثًا: حين تذكرت قريش للدعوة وأدبرت عن الرسول معتذرين له بأنهم لا يستطيعون أن يتركوا الدين الذي ورثوه عن آبائهم، وأصبح من تقاليد حياتهم، نبههم الرسول إلى ضرورة تحرير أفكارهم وعقولهم من عبودية الاتباع والتقليد، وحثهم على استعمال المنطق وإعمال العقل، وأوضح لهم أن آلهتهم التي يعكفون على عبادتها لا تفيدهم كما أنها لا تضرهم شيئًا، وأن توارث آبائهم وأجدادهم على عبادتها ليس مسوغًا أو حجة لهم على ذلك.
وفى هذا فقد أدار الرسول الحوار البناء الذي يقوم فيها الإنسان بإعمال عقله كي يصل إلى الصواب ، فدعوة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لقومه لإعمال العقل فيها كشف عن كثير من الحقائق، ومنها أن الأصنام لا تنفع ولا تضر، وأن ما كان يقوم الأسلاف به ليس صحيحًا بالضرورة، بل قد يكون ذلك عين الخطأ وقد شرح النبي ذلك كله بحواره البناء مع قومه.
رابعًا: استخدم الرسول في حواره ما يجعل قريشًا وصناديدها يشعرون بأن لغتهم وفصاحتهم التي كانوا يتباهون بها ما هي إلا قليل من فصاحة القرآن وبلاغته، وذلك فيما يروى حين جاء واحد من علية القوم إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يعرض عليه الأموال، والملك على أن يتنازل صلى الله عليه وسلم عنه عن دعوته إلى التوحيد لقاء ذلك، فرد عليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: ﴿حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (فصلت:1-3) إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (فصلت:13) فلما عاد الرجل إلى قومه، سألوه، ما وراءك؟ فقال: ورائي أني سمعت قولًا ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش! أطيعوني وخلوا بين هذا الرجل «يقـصـد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم» وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم.
مواصفات الحوار العملي
إن الحوار الحقيقي هو الحوار الذي يؤيد كلامه الفعل، وقد قرن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الكلام بالفعل في حواره، فقد تعرض لكثير من الأذى، وكان رده بالإحسان، والأمثلة بهذا الشأن كثيرة، والحقيقة أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كان مدرسة للحوار البناء الفاعل، ولحسن الدعوة والمعاملة فهو عند فتح مكة قال للمشركين الذين تفننوا في إيذائه وتعذيبه «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
إن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مثل مدرسة حوارية قامت على أسس واضحة وأفكار ويقينيات راسخة جعلته مثالًا يحتذى، وقد علم الله تعالى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كيف يحاور قومه، وذلك من خلال إرشاده الدائم له في آياته الشريفة، فقال ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ﴾ (النحل: ۱۲۵) كما وجهه سبحانه وتعالى عندما يأبون إلا الجدال يعد إظهار الحجة ﴿وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحج:68).
فما أحوج الداعية المسلم إلى التبصر في المنهج النبوي الكريم للحوار إن مما لا شك فيه ولا مبالغة ولا جدال أن الحوار المنطقي سلاح أمضى وأكثر تأثيرًا من السيف، وأنك بالحوار المنطقي الرزين الرصين
يمكنك أن تهزم من هو أقوى منك أضعاف المرات.
ألا فليتبصر العلماء والدعاة، المنهج الحواري النبوي الكريم وليلتزموا به.