العنوان المنهج المعكوس
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 16-ديسمبر-2006
مشاهدات 122
نشر في العدد 1731
نشر في الصفحة 66
السبت 16-ديسمبر-2006
قد يكون من الضروري أن نقف قليلًا للتحدث عن المنهج المعكوس الذي يعتمده بعض الباحثين من المستشرقين والمتأثرين بهم، من أمثال الدكتور فيليب حتي وزملائه في الكتاب المعروف بـ«تاريخ العرب المطول» والذي يبدأ من الحديث عن اقتباسات المسلمين عن الآخرين، ثم يستنتج، أو يوحي بأن الحضارة الإسلامية لا تعدو أن تكون مجموعة من قطع الغيار استعيرت من الحضارات والثقافات الأخرى وشكلت بها حضارة الإسلام، وكأن المسلمين خرجوا من جزيرتهم لا يحملون بذرة التحضر أو أي شيء يمت إليها بصلة!
والخطأ الذي يقوم عليه هذا الافتراض هو أن أولئك الباحثين يغفلون حقيقة في غاية الأهمية، وهي أن المسلمين خرجوا وهم يحملون رؤية جديدة قادرة أن تصنع حضارة متميزة أصيلة تعرف كيف تفيد من الآخر، ولكن بعد أن تخضع عناصر الأخذ للرؤية المتفردة بمواصفاتها الإيجابية التي لم تجتمع بهذا القدر من الغنى والتوافق في أية حضارة أخرى على الإطلاق.
لقد تأسست حضارة الإسلام في المجال الذي يعكس الشخصية الحضارية، والذي يبدأ بالعقيدة ويمضي إلى الشريعة والنشاط المعرفي والثقافي عمومًا «ولهذا -على سبيل المثال- ترجمت فلسفة اليونان كأداة للجدل وليست كهدف معرفي، وفي المقابل فإن أدب اليونان القائم على الميثولوجيا الوثنية، لم يلق إقبالًا على ترجمته إلى العربية وما ترجم منه لم يلق رواجًا، وظل معزولًا إلى حد كبير عن ذاكرة المسلمين ووجدانهم».
أما على مستوى العلوم الصرفة كالفلك والرياضيات والطبيعة والطب وعلوم الحياة، الخ، فإن الحضارات تنحو بشكل عام إلى اعتماد قانون تراكم الخبرة، والإضافة على ما قدمه الآخرون، وكان على الحضارة الإسلامية أن تعتمد القانون نفسه، فحققت قفزات نوعية، بل إنها قدمت إضافة ذات قيمة بالغة في سياق مناهج العلوم وهي المختبر، ومن ثم فإنها لم تكن مجرد «عالة» على الحضارات الأخرى بأي معيار من المعايير.
والحالة نفسها تنطبق على النظم الإدارية؛ حيث تجد الحضارات الناشئة -في البداية- ليس لديها وقت لتسيير المؤسسات، فتقتبس عن الآخرين، لكنها ما تلبث أن تبدل وتحور وتنقص وتزيد ، وتؤصل -في نهاية الأمر- نظمها الخاصة بها «ولنتذكر -على سبيل المثال- ما حدث بالنسبة لنمو الدواوين وتوزيع تخصصاتها، فضلًا عن حركة التعريب المعروفة التي استهدفت المؤسسة الإدارية بالدرجة الأولى».
إن الباحثين المذكورين يعتمدون منهج الاستدلال بالجزئيات المنقولة عن الآخرين، ويعرضون منها حشودًا توحي للوهلة الأولى بأن حضارة الإسلام لا تعدو أن تكون تجميعًا ميكانيكيا منقولًا عن الحضارات الأخرى.
لكن هذا الأسلوب ما يلبث أن يتعرض للاهتزاز، إذا تذكرنا مرة أخرى كيف أن هؤلاء الباحثين يتعمدون أو يغفلون الانطلاق من نقطة البداية الصحيحة، وهي الرؤية الشمولية للدين الجديد والتي كان بمقدورها دائما أن تخضع الجزئيات المقتبسة، بل تصهرها، من أجل إقامة الكيان الحضاري المتميز الجديد.
إن الذي حدث لم يكن مجرد محاولة ميكانيكية، وإنما كان الأمر أعمق من هذا بكثير، إنه إعادة تركيب الجزئيات المقتبسة في كل حضاري يملك ملامحه المتميزة، ورؤيته المستقلة للكون والعالم والظواهر والأشياء.
إن الإسلام كدين، بخلاف النصرانية، كان تأسيسًا حضاريا بمعنى الكلمة، وبالتالي فإن انتصاره وتفرده في القيادة كان يعني بالضرورة قيام حضارة متفردة جديدة، وإن بمقدور المرء أن يمضي إلى أبعد من هذا، فيرى كيف أن الإسلام نظر إلى الحضارات الأخرى، أو على الأقل إلى أقسام واسعة منها، على أنها امتداد للجاهلية بشكل من الأشكال، وبالتالي فإن التعامل معها لم يكن بصيغة التقبل أو الانبهار، كما حدث للشرق الإسلامي في العصر الحديث، وإنما بصيغة فوقية تحمل أصالتها واعتدادها بالذات، دون أن يمس هذا البعد الإنساني المفتوح للحضارة الإسلامية التي تعاملت مع الإنسان حيثما كان، وكسرت حواجز الجغرافيا والطبقة والعرق واللون، بل إنها تجاوزت حتى حواجز المذاهب والأديان.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل