العنوان المنظمات العنصرية تتجه نحو الأسلحة البيولوجية والكيماوية لفرض سيطرتها
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1998
مشاهدات 54
نشر في العدد 1310
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 28-يوليو-1998
* «جماعة التفوق العنصري» تنتشر في المناطق الريفية وتمنع غير البيض واليهود من دخولها
* «كوكلاس كلان» تدعو لاستعلاء القوة البيضاء. قتلت مالكوم إكس.. وصاحبة تاريخ طويل في الإجرام
في ظل التقدم الحضاري الذي طبع القرن العشرين بطابعه، لم تتغير الأفكار العنصرية كثيرًا في المجتمع الأمريكي، ولكن وسائلها تطورت لتتسق مع معطيات الزمن الحاضر، ولم تقتصر عمليات نشر الغاز على متطرفين يابانيين، كما حدث خلال الأعوام القليلة الماضية في اليابان، بل حاول أعضاء في جمعيات عنصرية أمريكية فعل المثيل في بلادهم.
وخلال شهر فبراير الماضي ألقي القبض على أمريكيين في نيفادا، قيل إنهما من المتطرفين، وذكرت المصادر الصحفية انتماءهما لجماعة التفوق العنصري «الشعوب الآرية» وأنهما كانا يخططان لعملية إرهابية في قطار الأنفاق في نيويورك باستخدام غاز الإنثراكس، وعلى الرغم من أن المتهمين أطلق سراحهما بعد احتجاز قصير وبرئت ساحتهما من الجرم إلا أن القضية كانت سببًا وجيهًا آخر لإعادة فتح ملف الإرهاب العنصري في الولايات المتحدة، ولاسيما أن الرجلين اتهما بحيازة عوامل بيولوجية قاتلة خطيرة.
وذكر بيان خطي صادر عن مكتب التحقيقات الفيدرالية «إف بي أي»، في حينه، أنه ألقي القبض على المتطرفين الأمريكيين في بلدة هندرسون القريبة من لاس فيجاس أثناء محاولتهما فحص الكميات الأخيرة من الغاز في مختبر، وعلى الرغم من التطورات السريعة التي شهدتها القضية، فقد تناولت وسائل الإعلام في تغطيتها للحدث تفاصيل أكدت في سياقها على اعتقادات أيديولوجية دفعت المتهمين للتحضير لعملية عنيفة.
فالمتهم الأول في العملية لاري واين هاريس (٦٤) عامًا متخصص في علم الجراثيم من ولاية أوهايو، وكان حسب المصادر «جنرالًا»، سابقًا في جماعات شعوب الأريين العنصرية المتطرفة، وانتمى لفترة من الوقت إلى جماعة «كريستنيان إيدنتيتي» «الهوية الصليبية» التي تعادي السود واليهود والأجانب عمومًا، وكان قد أُطلق سراحه بكفالة بعد أن حصل على مادة جرثومية تسبب الوباء من خلال البريد، وادعى في دفاعه عن ذلك الاتهام أنه اكتشف مؤامرة عراقية للهجوم على الولايات المتحدة باستخدام الأسلحة البيولوجية، وكان يبحث عن طريقة لمواجهة هذه الحرب على حد تعبيره.
وروج «المتطرف» المذكور في نوفمبر من عام ١٩٩٦م بعد اتهامه وقبل إصدار الحكم عليه لكتابه «الحرب الجرثومية»: التهديد الأكبر لشمال أمريكا»، في معرض أوهايو، ودعا السكان إلى الحصول على المضادات الحيوية من أجل حماية أنفسهم من «الطاعون الدبلي»، وهو الوباء الذي يسبب الحرارة والهلوسة وغير ذلك، وقال هاريس: إن الوباء قد ينتشر في أي وقت، أما المتهم الثاني في عملية الشهر الماضي فهو ويليام لايفيت البالغ من العمر ٤٧ عامًا.
شهادة خطية....
«ميليشيا ميتشيجان» منفذة انفجار أوكلاهوما تُعدُّ نفسها حامية للشعب الأمريكي.. وتنظر للحكومة على أنها استبدادية يجب إزالتها بالقوة
وحظيت عملية إلقاء القبض على المتهمين باهتمام كبير، وذكرت مصادر «إف بي أي» أن المخبر بوبي سيللر كتب في شهادة خطية أنه تلقى اتصالًا من شخص موثوق به قبل أيام من إلقاء القبض على المتطرفين، وأخبره أنه باحث علمي ادعى اتصال كل من هاريس ولايفيت به طالبين منه الإذن لاستخدام بعض معداته في فحص عينة إنثراكس الجرثومية التي كانا يحملانها في قارورة مغلفة بكرتون، وأظهر هاريس القارورة له قائلًا: إن في هذه القارورة غاز يستطيع مسح سكان المدينة كلها، على حد تعبيره
وتوجد بكتيريا «إنثراكس» في الحيوانات وفي الإنسان وقد تسبب أعراضًا قاتلة، وتعد المجموعة الأمريكية العنصرية التي ينتمي إليها المتطرفان اللذان ألقي القبض عليهما ضعيفة الانتشار على غرار العديد من الجماعات والطوائف الأمريكية، غير أنها تتبنى مواقف عنيفة.
ففي عام ١٩٩٣م اعتقل رجال «إف. بي. أي» ثمانية متطرفين من حليقي الرؤوس من هذه الجماعات يطلق عليهم «كوماندوز»، تابعين لمنظمتي «كوكلاس كلان» و«شعوب الآريين» وكان الثمانية يخططون لتفجير كنيسة سوداء واغتيال رودني كينج الشاب الأسود الذي أدى اعتداء شرطيين أمريكيين من البيض عليه في لوس أنجلوس عام ۱۹۹۲م إلى حوادث شغب عنيفة في المدينة من قبل السود الذين شعروا بالغضب العارم بعد التقاط مصور فيديو هاوٍ حادثة الاعتداء وعرضها على شاشات التلفزة.
وتنتشر حركة شعوب الآريين في المناطق الريفية قرب شلالات هادين في أيداهو وتمنع غير البيض أو اليهود من دخول المناطق التي يسكنون فيها التي تنتشر في أوريجون، وواشنطن، وأيداهو، ومونتانا، وويمينج، حيث يقيمون اجتماعات كبيرة واحتفالات غير أن أمثال هذه الجماعة في الولايات المتحدة تنتشر بكثرة، حيث يولع الأمريكيون بالاعتقادات والأيديولوجيات ويعملون لأجلها بشكل جاد وعميق، رغم المظهر العلماني لمجتمعهم.
وتقدر الإحصاءات تبني نحو ۲۰۰ مليون أمريكي من أصل ٢٦٠ مليون نسمة هم سكان الولايات المتحدة أفكارًا ومعتقدات معينة يؤمنون بها، ويعملون لأجلها بشكل جاد وعميق، وتشير دراسة أصدرها مركز قانون الفقر الجنوبي في مونتجمري بولاية ألاباما إلى أن ثمة زيادة في عدد الجماعات والحركات العنصرية ذات الأجندة
المحملة بالكراهية في العام الحالي.
وذكر التقرير ٢٧٤ مجموعة عنصرية موجودة في الولايات المتحدة أي بزيادة ٢٠% على تقرير المركز الذي أصدره عام ١٩٩٦م، واعتبر تقرير المركز جماعة كوكلاكس كلان من أكبر جماعات الحقد العنصري المطالبة بالسيادة البيضاء على أمريكا، بالإضافة لجماعات شعوب الأريان المتمركزة في ولاية أيداهو مع زيادة نسبية أيضًا في حركات النازيين الجدد والتحالف القومي الأمريكي العنصري.
أدبيات عنصرية
علماء أمريكيون: لو تمكنت هذه الجماعات من تعطيل أجهزة الحاسوب ستتحكم في كل شيء وسنتعرض لكوارث بشرية يصعب حصرها
وتعود حركة كوكلاس كلان في تقاليدها إلى الأدبيات العنصرية في القرن التاسع عشر، حيث تشدد هذه الأدبيات على سطوة العنصر الأبيض التي غالبًا ما تؤكد من خلال أوصاف مثل «السحرة العظام»، و«التنين العظيم» و«الإمبراطورية الخفية»، واشتق الاسم من اللفظ اليوناني الذي يعني الدائرة، وحسب أحد المواقع الموجودة على شبكة المعلومات الدولية ، «إنترنت»، التي تعتمد عليها الحركة في تجنيد الأتباع، فإن الدائرة رمز مهم للقوة البيضاء لا سيما العرق الأرياني لأنها تحتوي -كما يقول الموقع - على رموز مهمة عن شخصية هذا العرق.
وتعتمد الحركة في التجنيد على المسيرات والتجمعات الليلية حول النار، وتوزيع أدبها المكتوب، وهي أساليب تقليديه أدت لإنشاء فروع في مختلف أنحاء الولايات المتحدة وبأسماء مختلفة مثل فرع «الفرسان الأمريكيين»، وغير ذلك، وتمتلك الجماعة أكثر من ٣٠ فرعًا لها في المدينة الغربية من منطقة جاسبر مكان الحادث الأخير، واحتج أعضاء الجماعة العام الماضي على محاولة الحكومة الفيدرالية إسكان عائلة سوداء في مشروع إسكاني.
وقد وجدت الحركة في «إنترنت» أداة جيدة للتجنيد ونشر أدبياتها، حيث لها الآن ١٦٣ موقعًا نشطًا، ووفرت على الكثير من المهتمين بأدبياتها أو الانضمام إليها عناء الذهاب إلى مسيراتها، إذ يتم الانضمام إليها الآن عبر الشبكة الدولية، ويؤكد الباحثون أن عدد أفراد الحركة في انحسار متزايد بعد الذروة التي وصلت إليها في الثمانينيات وبلغ عدد الأفراد المجندين فيها ١٢ ألف شخص، ويقدر الأكاديميون الأعضاء في الوقت الحاضر بنحو ٣ - ٥ آلاف شخص.
إلا أن بعض الباحثين لا يرى في هذا التناقص غيابًا لقوة الحركة، لأنها عادة ما تعاني من انشقاقات بين أفرادها الذين يفضلون الانضمام للحركات المتطرفة والأكثر عنفًا، والتي تضع الحكومة المركزية على رأس أولوياتها أكثر من الجماعات العرقية، كما يقول بعضهم: إن تحول الجماعة لأعمال العنف قد يكون عرضًا من أعراض الانشقاقات داخلها، إذ يجد الأفراد المنشقون أنفسهم بعيدًا عن أوامر القيادة لاسيما أن الحركة تؤكد على ضرورة احترام مبادئ الجماعة وقوانينها، وتعد جريمة جاسبر التي راح ضحيتها الشاب الأسود جيمس بايرون الشهر الماضي على يد ثلاثة عنصريين، إذ ثبت أنها من صنع الحركة «مع أن مركز قانون الفقر الجنوبي يعتقد أن هذا العمل يشير إلى أفراد ذوي نزعة عنصرية تدميرية أقسى من أفراد كوكلاس كلان» الحادث الثاني الكبير الذي يؤجج الجدل حول العلاقات العنصرية بعد اختفاء شخص أسود يدعى مايكل دونالد عام ۱۹۸۱م في منطقة ألاباما حين خرج لشراء علبة سجائر ولم يعد.
وقد قاضي مركز قانون الفقر الجنوبي أعضاء تحالف جماعات كوكلاس كلان آنذاك وحصل منهم على تعويض بلغت قيمته 7 ملايين دولار نيابة عن عائلة الشخص المفقود، ويرى الباحثون أن الحركة قد تلجأ في بعض الأحيان إلى التعاون مع الشرطة لتسريب أسرار عن نشاطات أفراد منشقين عنها، كما حدث العام الماضي عندما ألقي القبض على شخصين عنصريين في تكساس كانا يخططان للقيام بمجموعة من الأعمال الإرهابية كإطلاق الغازات.
أوكلاهوما..
ومن المنظمات المتطرفة الأخرى في الولايات المتحدة «ميليشيا ميتشيجان»، التي ينتمي إليها تيموثي ماكفي منفذ انفجار أوكلاهوما سيتي في شهر أبريل عام ١٩٩٥م الذي اعتبر واحدًا من أسوأ التفجيرات في التاريخ الأمريكي من حيث عدد الخسائر في الأرواح، وينظر أعضاء هذه المنظمة - وهم في الغالب من البيض - إلى أنفسهم على أنهم الحامون لبلادهم وحرية أفراد الشعب الأمريكي، فيما يعتبرون الحكومة الحالية بأنها «استبدادية»، وتتآمر مع جهات خارجية لنزع أسلحة الشعب الأمريكي حتى تحكم سيطرتها عليها.
وأنشئت «ميليشيا ميتشيجان»، عام ۱۹۹۳م على يد نورمان أولسون الكاهن البروتستانتي الذي يملك محلًا لبيع الأسلحة، ويدعي أن عدد أتباعه يبلغ ١٢ ألف شخص، وقال ذات مرة إذا لم تتغير هذه البلاد فإن الصراع المسلح سيكون حتميًّا، فيما قال أحد أتباعه: «إن الحكومة فقدت السيطرة على نفسها.. نحن خلقنا الطفل لكنه مثل مخلوق فرانكشتاين الغريب يريد أن يقضي علينا»، وترتبط جذور المنظمة بجمعية «كوكلاس كلان»، فيما تستمد نظرياتها الروحية من شخصيات مثل كنيسة «الأمم المتحدة» في أيداهو وكنيسة «المعبد» في ميتشيغان، وكنيسة أركنساس المسيحية.
وكان انفجار أوكلاهوما وقع في الذكري الثانية لحادثة «واكو» التي قتل فيها ٨٠ شخصًا من منظمة «أتباع داود» من ضمنهم مؤسس المذهب «ديفيد كورش» الذي ادعى نبوته وحشد أتباعًا وترسانة من الأسلحة واضطرت الحكومة الأمريكية لمواجهته بالقوة، وساهمت حادثة القضاء على جماعته بعد مهاجمة مقرها في انتشار مجموعات متطرفة مدربة على استخدام السلاح، حيث يعتقد أعضاؤها أن هجوم القوات الفيدرالية على «أتباع داود»، يؤكد نية الحكومة الأمريكية فرض نظام حياة محدد على الشعب بالقوة، وحسب بعض الإحصاءات فإن الميليشيات المتطرفة أخذت تنتشر في أكثر من ٢٠ ولاية أمريكية من كاليفورنيا حتى بنسلفانيا، ويوجد أكثر من ١٠٠ منظمة متطرفة ينتمي إليها أكثر من ١٥٠ ألف شخص.
ويدرس العلماء الأمريكيون في الوقت الحاضر بشكل جدي احتمالات وقوع هجمات بأسلحة بيولوجية أو كيميائية خطيرة تقتل الآلاف على يد متطرفين، ويحذرون من خطر الحرب التقنية إذا ما تمكن الإرهابيون من تعطيل أجهزة الحاسوب التي تتحكم في كل شيء تقريبًا في البلاد، بما قد يسبب كوارث بشرية يصعب حصر آثارها.