العنوان المناورات حول عرفات
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر السبت 04-أكتوبر-2003
مشاهدات 80
نشر في العدد 1571
نشر في الصفحة 38
السبت 04-أكتوبر-2003
nc@midadulqalam.net www.midadulqalam.net
سيعطي التاريخ ياسر عرفات حقه، ويذكر منجزاته وأخطاءه، ويقوم موقعه الحقيقي من مجرى القضية منذ ظهر على ساحتها، وحين تتعرض القضية برمتها، وسائر القوى الفاعلة فيها، من منظمات وزعامات وقوى شعبية وأخرى رسمية، لمثل ما تتعرض إليه اليوم من حملة ضارية، فلا ينبغي استباق التاريخ، والحديث بكلام قد يوحي بأنه يشارك في النيل من أي طرف، فذاك أحد أهداف الحملة الراهنة، وهو بالذات ما وعاه المخلصون، فتجنبوا نقل ساحة المواجهة إلى داخل الصفوف الفلسطينية.
لكن لا يمنع هذا الحذر من إلقاء الضوء على ما يجري حاليًا من مناورات سياسية محلية ودولية حول شخص ياسر عرفات، فالمقصود أولًا وأخيرًا أن يتبين المخلصون مواقع أقدامهم، وأن يسعى الجميع لتوجيه دفة الأحداث بما يعود بالحصيلة على القضية نفسها، وعلى تحقيق الهدف الأصيل الثابت فيها تحرير الأرض والشعب، وإنهاء عصر النكبات والهزائم.
من يعترض، وعلام يعترض؟
أول ما يلفت النظر أن الحملة العسكرية الضارية بالإضافة إلى حملة «الحصار» دوليًا وعربيًا، تستهدف حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، وأن الحملة السياسية والإعلامية مع ما تنطوي عليه من تهديدات، تستهدف شخص عرفات وما يمكن استقراؤه من ذلك أن المطلوب القضاء على «الرمز التاريخي»، كما يوصف عرفات، وعلى العمود الفقري للصمود والمقاومة الذي تمثله حماس.
في هذا الإطار يمكن أن نرصد بعض المواقف اللافتة للنظر، منها على سبيل المثال، أن تستدعي الحكومة البريطانية السفير الإسرائيلي وتحذره من المساس بعرفات، وكأنها تقول -بل تقول فعلًا وبمشاركة الأوروبيين كما يشير قرار إدراج حماس في قوائم «الإرهاب: «دعوا عرفات، ولا بأس من استهداف حماس على مختلف المستويات بالاغتيالات والغارات الجوية وحملات المداهمة».
ومن ذلك أيضًا أن هذه العمليات مع كل ما تضمنته من قتل العشرات والمئات من أبناء فلسطين، لم تدفع جامعة الدول العربية إلى عقد مؤتمر خاص، ولم تدفع الدول العربية لطلب انعقاد مجلس الأمن الدولي، ولكن التهديد بترحيل عرفات عن وطنه أدى إلى ذلك، مما يعني واقعيًا انضمام البلدان العربية إلى اتخاذ موقف مشابه للموقف البريطاني المذكور، بل يبلغ الأمر ببعضها أن يشارك في توجيه الضربات في ظهر المنظمة التي أحيت أمل الأمة مجددًا في تحرير فلسطين.
هذه المواقف وأمثالها تتناقض جملة وتفصيلًا مع مواقف شعب فلسطين ووعيه بما يجري، يشير إلى ذلك مثلًا أن المظاهرات التي خرجت تأييدًا لعرفات، خرج مثلها أو أكبر منها تأييدًا لحماس وتشييعًا لشهدائها وتأكيدًا على مطالبة رجالها بمزيد من المقاومة المسلحة المشروعة.
وهذه المواقف تتناقض أيضًا جملة وتفصيلًا مع ما تقرره القوانين الدولية سواء بمنظور من اعترف أو من لم يعترف بالكيان الصهيوني «كدولة» فالحد الأدنى الذي يفترض عدم وجود اختلاف حوله، هو أنه يحتل أرضًا اغتصبها بقوة السلاح عام ١٩٦٧م، والقوانين الدولية فيما يتعلق باحتلال أجنبي تمنع سلطة الاحتلال من هدم البيوت، وقطع الأشجار، وتغيير البنية الهيكلية للسكان، ومصادرة الأراضي، ناهيك عن حظرها للقتل المتعمد في غارات جوية تستهدف المدنيين تختزل ذلك كله في التركيز على معارضة أمر واحد مثلما تستهدف القادة السياسيين والمقاتلين الذين يقاومون الاحتلال ولكن المواقف المشار إليها هو «المساس» بشخص عرفات، ولا ريب في أن المساس بشخصه مخالف للقوانين الدولية أيضًا.
المقياس موقف الشعب
وقد يقول قائل إن السياسات الغربية لا يتوقع منها سوى ذلك، وإن السياسات العربية تنطلق من وضع شخص، الحاكم فوق كل اعتبار آخر، فلا غرابة في حساسيتها تجاه هذه الخطوة، فكأنها لا تريد أن يضاف إلى سابقة العراق، سابقة أخرى في فلسطين المحتلة.
وهذا قول فاسد جملة وتفصيلًا، يقوم ابتداء على منطلقات فاسدة، فالأصل أن الشعب العنصر الأهم، ومصير الشعب لا الحاكم، هو الذي يؤثر على مستقبل البلد، وهذا ما ينبغي أن يسري في فلسطين قبل سواها، فالاحتلال الاستيطاني المباشر جعل الشعب -كالأرض- هو الهدف أولًا وأخيرًا، وسعى ولا يزال لإبادة «الشعب»: تجاهلًا سياسيًا، وحرب تقتيل ضارية، وحصار تجويع إجرامي وإجراءات لا مثيل لها في العالم المعاصر من اعتقالات بالجملة، وتعذيب واغتصاب المصادر الرزق وأسباب العيش بأبسط أشكاله.
ولنتساءل على سبيل الافتراض ماذا لو أعلن عرفات في محنته الراهنة، أنه على استعداد لأن يعتزل ويرحل إذا انسحبت قوات الاحتلال من الأرض المحتلة عام ١٩٦٧م، وسلمتها الوصاية دولية تجري انتخابات حرة لاختيار سلطة حاكمة؟
لا ريب أن «مكانة عرفات» سترتفع درجات عدة في كتب التاريخ، ولا ريب أيضًا أن هذا الطلب لن يجد قبولًا إسرائيليًا ولا أمريكيًا، وربما لم تقبل به أطراف أخرى أيضًا، فليس الهدف ترحيل عرفات، إنما الهدف احتلال الأرض وإبادة الشعب إبادة جسدية أو سياسية، وفي هذا الإطار يأتي توظيف هذا «الترحيل» بأسلوب التهديد أو حتى بأسلوب التنفيذ الفعلي، في خدمة الجهود الرامية لتصفية القضية، إلى جانب العمل على تصفيتها بالأساليب الأخرى، وفي مقدمتها العمل على كسر شوكة المقاومة من خلال استهداف منظماتها الرئيسة وفي مقدمتها حماس.
بل حتى استهداف حماس، يبقى وسيلة لتحقيق ذلك الهدف، وفي الحالتين لا تعبر السياسة الإسرائيلية- الأمريكية فحسب عن مدى ما وصلت إليه من استهتار بالقوانين الدولية وباحتمالات ردود الفعل العربية، إنما تعبر عن درجة التخبط التي وصلت إليها جراء مسيرة الانتفاضة باتجاه التحرير، فصانعو القرار الأمريكي- الإسرائيلي يعلمون بما فيه الكفاية، أن غياب شخص مهما كان موقعه في قضية فلسطين، سيعوضه ظهور سواه وتاريخ فلسطين الحديث حافل بالشواهد على ذلك، كما أن غياب منظمة من المنظمات أو تغييبها سيعوضه ظهور سواها، وتاريخ فلسطين حافل بالشواهد على ذلك أيضًا.
إن الموقف في مسألة ياسر عرفات هو موقف شعب فلسطين الذي قد لا ينتخب عرفات ثانية، وليس هذا مهمًا، ولكنه يأبى أن يكون وجوده وزعامته وقراره وإرادته لعبة تتسلط عليها الإملاءات الأمريكية والإسرائيلية، وهو موقف شعب فلسطين أيضًا من حماس فهو الذي يحتضنها ويغذيها ويسير بها ومعها على طريق التحرير، ولو حاربها الأعداء وتخلى عنها الأقربون، وكل موقف لا يأخذ هذا وذاك بعين الاعتبار موقف ناقص لا يعي ما يجري، إذا أحسن الظن بصاحبه، أو متواطئ مع من يريد التخلص من حماس وأخواتها، وعرفات وأقرانه.
قضية فلسطين لم تكن في الماضي ولن تكون قضية أفراد أو منظمات أو أحزاب، ولا قضية جولة من الجولات السياسية أو العسكرية أو الإعلامية، بل هي قضية حق وباطل، شعب وأرض احتلال وتحرير تاريخ وجغرافيا، ولا يمكن اختزالها في نطاق شخص من الأشخاص مهما بلغ بها على طريق التحرير أو انحرف بها بعيدًا عن هذا الطريق، ولا يمكن اختزالها في منظمة صنعها الشعب، ولم تصنع الشعب، فإن غابت أو غيبت صنع الشعب سواها، ويبقى أن من يستشهد على هذا الطريق فمثواه حياة الخلد مستبشرًا بمن يلحق به من خلفه، ومن يبقى من المخلصين الصادقين على قيد الحياة، فإنه يحمل الراية ويتابع الطريق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل