العنوان الملك حسن: أنا أتحرك إذًا أنا موجود
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1986
مشاهدات 56
نشر في العدد 773
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 01-يوليو-1986
يزور الملك حسين حاليًا بريطانيا في ختام جولة شملت باريس وواشنطن، أجرى خلالهما محادثات سياسية عسكرية مع حكومة جاك شيراك الجديدة والرئيس الأمريكي رونالد ريغان، وفي نفس الأثناء كان الملك قد بدأ محاولة لعقد مصالحة بين بغداد ودمشق كادت تنجح بعقد لقاء حدودي بين وزراء خارجية البلدين، ومازالت المحاولة متصلة، ومن قبل ذلك قام الملك حسين بنفسه عدا عن بعض أركان حكومته بعدة جولات عربية وقد ظلت الحركة الأردنية الدبلوماسية ناشطة بشكل ملفت للنظر خلال السنوات الأخيرة، فما هو السر وراء هذه الحركة الدائبة وماذا يريد الملك من ورائها؟
الهدف المعلن للحركة الأردنية سبق للملك حسين أن أوضحه في أكثر من خطاب أو تصريح أو لقاء صحفي، وهو سعي الأردن نحو ما يسمى بإحياء جهود التسوية في الشرق الأوسط والتوصل لحل شامل وعادل ودائم للصراع العربي - الصهيوني.
دور أمريكي
الملك حسين، يؤمن بأن الدور الفاعل في نجاح هذه المحاولة يتوقف على موقف الإدارة الأمريكية، بالرغم من تصريحاته المشهورة حول اتهام هذه الإدارة بعدم المصداقية، والنظر بالعين «الإسرائيلية» والانحياز التام لدولة العدو، والتقت الأفكار الأردنية مع إعلان ريغان، لكن المضي في هذا الطريق الصعب كان يحتم على الملك أخذ ضوء أخضر من قيادة الشعب الفلسطيني، وعلى هذا الأساس كان اتفاق عمان بين الملك حسين وياسر عرفات، وبعد تعنت الموقف الصهيوني وانحياز الموقف الأمريكي لجهة رفض إشراك منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات في محادثات التسوية سواء تمت عن طريق المؤتمر الدولي أو المظلة الدولية، تحقق الملك أن هذا الطريق لا يؤدي لنهاية آمنة، فأعلن وقف التنسيق مع قيادة عرفات، في 19 فبراير الماضي، واتهم القيادة الفلسطينية بالمراوغة وعدم المصداقية.
ومنذ خطاب 19 فبراير، بدأ الملك حسين حركة جديدة تقوم على ما أطلق عليه وزير خارجيته طاهر المصري اسم العمل العربي الجماعي.
وفي هذا الصدد قام الملك حسين بعدة جولات عربية بغرض التمهيد لعقد قمة عربية لتبحث القضية الفلسطينية على أساس جديد هو مشاركة الأردن في تمثيل الفلسطينيين في أية مفاوضات للتسوية، وقد ساعده على هذا بالطبع موقف حافظ أسد من قيادة ياسر عرفات وأخذا يتقربان من بعضهما البعض يومًا بعد يوم.
عرض يهودي
واليوم في ضوء زيارة الملك حسين لواشنطن ومحادثاته مع ريغان التي لم تسفر عن شيء يذكر سوى محاولة إقناعه بالموافقة على أفكار دولة العدو التي تدعو لانسحاب جيش العدو من أربع مدن فلسطينية هي نابلس ورام الله والخليل والبيرة، وتعيين رؤساء بلديات عرب، وإنشاء مؤسسة مالية يتولى الأردن الإشراف عليها لتقديم تسهيلات الثمانية للمشاريع الزراعية، وتتضمن الأفكار اليهودية عرضًا مماثلًا في غزة يقدم لحسني مبارك.
وفي لندن على الرغم من دفء العلاقات الخاصة بين الطرفين، كانت تاتشر صريحة مع صديقها الملك حسين حيث اعتذرت عن عدم مقدرة بريطانيا في طرح أي مبادرة جديدة دون موافقة أمريكا ورعايتها، وأعربت عن استعدادها للتعاون فقط في حفظ أمن الأردن، وتحسين الحالة المعيشية للسكان العرب في الضفة الغربية.
مراقبون مطلعون قالوا إن هذه النتائج التي انتهت إليها زيارة الملك حسين لواشنطن وبريطانيا كانت متوقعة، وخاصة من قبل الملك حسين نفسه، وإذا كان هذا صحيحًا فلماذا يعاود الملك حسين الكرة تلو الكرة وهو يعرف سلفًا النتيجة؟
يقول المحللون العارفون بخفايا السياسة الدولية والتحركات الإقليمية أن الملك حسين الذي مضى على حكمه فترة طويلة بات الهاجس الأمني أكثر ما يساوره ويقلقه، وإذا كان ما يقلق الأمن الأردني مصادر متعددة، فإن أشد هذه المصادر خطرًا هو الخطر اليهودي، فبالرغم من أن الملك باعتراف قادة العدو الصهيوني ظل محافظًا على أمن حدوده معهم بصورة متقنة أكثر مما لو كانت بينهما معاهدة أو اتفاقية على غرار كمب ديفيد، إلا أن موعد التمدد تجاه شرق الأردن والقضاء على القضية الفلسطينية ببعثرة الشعب الفلسطيني تحتل مكانة مهمة في استراتيجية دولة العدو خلال الثمانينيات.
وبالنسبة للملك حسين فإنه يدرك أنه في ظل هذه الاستراتيجية، وفي ظل حكم تكتل الليكود الذي أخذ يطبع السياسة اليهودية، خاصة وأن شامير سيتولى رئاسة الوزارة بعد شمعون بيريز في أكتوبر القادم، فإن الملك أخذ يشعر بقلق واضح أن الخطر يتهدد عرشه، وأنه للتخلص من هذا الخطر لا بد له من التفاهم مع مصدر هذا الخطر مباشرة، ولكن هذه العملية تسبب له أخطارًا عربية فلسطينية وبشكل أساسي، وعربية بشكل ثانوي، ومن هنا كانت الاستراتيجية للتحرك هي الالتقاء مع السياسة العربية الرسمية لدرء الخطر الفلسطيني من خلال العمل على إضعاف قيادة المنظمة إلى الحد الذي يجعلها تستسلم، أو العمل على إيجاد قيادة بديلة لها، وفي هذا السياق عمل الأردن على تجديد صلاته بوجهاء الضفة الغربية، وأقر قانونًا جديدًا للانتخابات يكرس «الأردنة»، كما شرع في اتصالات سورية مصرية للالتفاف على حق التمثيل الفلسطيني، كما دعم أخيرًا حركة «أبو الزعيم» الانشقاقية.
مصالحة عربية
ولما كانت سوريا أهم معطل لانعقاد القمة العربية، ولكنها تلتقي مع الأردن في خصومتها لقيادة المنظمة، فقد ظل الملك حسين ينتظر فرصة سانحة لاستثمار الموقف السوري لصالح خطته، وأخيرًا وجد هذه الفرصة في المصالحة السورية العراقية، فالمعروف أن سوريا تعاني من أزمة اقتصادية خانقة بالإضافة لأزمة أمنية داخلية، العراق طرف فيها، والعراق من جهته يعاني من آثار استمرار الحرب مع إيران وبحاجة ماسة لوقف الدعم السوري لإيران ولاستئناف ضخ النفط العراقي عبر سوريا، الذي توقف منذ عام 1982.
ودول الخليج التي باتت تعاني كثيرًا من آثار الحرب العراقية - الإيرانية بالإضافة لاختلال سوق النفط وتدهور أسعاره، وجدت الفرصة مشجعة، فقدمت النفط والأموال السائلة لنظام حافظ أسد، وتقول آخر التقارير أن المصالحة السورية - العراقية مستمرة بالرغم من عدم نجاح عقد لقاء بين وزيري خارجيتي البلدين على الحدود، وبالرغم من قرار إیران باستئناف تزويد سوريا بالنفط الخام، وإمهالها في سداد الديون المستحقة لها والتي تقدر بحوالي 2 مليار دولار، وذلك لتعطيل المصالحة السورية - العراقية.
والعارفون بعمق الخلاف بين بغداد ودمشق لا يتوقعون أن تذهب المصالحة بينهما بعيدًا لأن لكل من النظامين الحاكمين فيهما توجهاته وخياراته الخاصة، بل إن العلاقة بينهما كما قال حافظ أسد للملك حسين يجب أن تكون إما حبًا كاملًا أو عداء كاملًا.
ولما كان الأمن هو الهاجس الأول للأنظمة العربية فإن المصالحة بين سوريا والعراق لن تتعدى التنسيق الأمني وبعض القضايا الاقتصادية كـ إعادة ضخ النفط العراقي عبر الأراضي السورية.
استراتيجية سورية
وفيما يتعلق بالموقف السوري من التسوية، فإنها وإن كانت لعبت دورًا خطيرًا في ضرب العمل الفلسطيني في لبنان، وتلتقي مع عمان في العمل على إيجاد قيادة بديلة للمنظمة، إلا أنه من المستبعد أن يوافق حافظ أسد على توقيع اتفاق مع حكومة العدو الصهيوني بالاشتراك مع الملك حسين، لكنه قد يتغاضى عن عمان إن فعلت ذلك، وليس هذا بالطبع وطنية كما يدعي النظام السوري، وإنما السبب يكمن في انسجامه مع المخطط الصهيوني.
فالمخطط الصهيوني لا يتوجه نحو سوريا لعقد اتفاق وحتى مع الأردن، حيث أنه بات يفضل اتفاقًا بالتفاهم، ومعروف أن دولة العدو قد ضمت الجولان منذ عام 1981 وليس لديها استعداد للتنازل ولو عن جزء منها، وهذا ما يدركه حافظ أسد جيدًا الأمر الذي جعله يبني استراتيجية تقوم على ادعاء رفع لواء الوطنية والوقوف في وجه الحلول الاستسلامية الأمريكية الإمبريالية، وهذه الاستراتيجية مكنته من خلال تطبيقها في لبنان بشكل خاص من الحصول على النفط والمال من دول الخليج العربي، كما مكنت وسائل إعلامه من التعمية على بعض القوى الفلسطينية والعربية ذات التوجه اليساري.
إذا وضعنا في الاعتبار هذه الحقائق جميعًا، بالإضافة إلى حقيقة فشل التحرك الأردني - الفلسطيني وعلم الملك حسين مسبقًا بأن قيادة المنظمة لن تذهب إلى حد الاستسلام التام للمطالب اليهودية والأمريكية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو:
لماذا إذًا يواصل الملك هذه الحركة الدبلوماسية الناشطة ويشغل كل أجهزته بها؟
والجواب أن الملك كما أسلفنا بات الخوف على عرشه هو هاجسه الأول، وبخاصة من قبل العدو الإسرائيلي أو الصديق الأمريكي، ولا نكشف سرًا هنا إذا قلنا بإن رئيس وزرائه زيد الرفاعي بات يشكل له هاجسًا آخر بسبب مظنة أن يكون بديلًا أمريكيًا عنه كما تقول بعض المصادر المطلعة في عمان، وإذا لم تكن هذه المعلومة صحيحة تمامًا فإنها على الأقل تكشف عن أحد وسائل الضغط على الملك ليمضي قدمًا في مخطط الاستسلام المطلوب منه، وهو إذ يقوم بجولة عربية ليصالح بين هذا النظام أو ذاك، أو يقوم بجولة دولية يؤكد فيها على أهمية الدور الأمريكي، إنما يريد أن يقول بأنني ملك معتدل ملتزم بالتوصل إلى تسوية شاملة لأزمة الشرق الأوسط وها أنذا أحاول وليس الأمر بيدي تمامًا فأمهلوني.
والنتيجة التي تبدو أكيدة حتى الآن لهذه الحركة هي استمرار النظام بوضعه وعلاقاته العربية والدولية، والملك إذ يفعل ذلك كأنه يحاكي فلسفة ديكارت ليتوصل لقاعدة سياسية لا تصلح إلا في دنيا الحكام العرب فحواها: أنا التحرك إذًا أنا موجود.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل