العنوان الملك البريطاني المسلم
الكاتب أورخان محمد علي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1999
مشاهدات 72
نشر في العدد 1356
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 29-يونيو-1999
من يفتح الموسوعة البريطانية أو الموسوعة الفرنسية «لاروس» على كلمة «أوفا OFFA» فإنه يقرأ تاريخ هذا الملك الإنجلوسكسوني الذي حكم إنجلترا تسعة وثلاثين عامًا اعتبارًا من ٧٥٧م حتى ٧٩٦م وكان من أقوى ملوك إنجلترا في ذلك العهد المبكر من تاريخها، وكان ملكًا أول الأمر على مارسيا Mercia، أو ما يطلق عليه اسم انجلترا الوسطى Middle England التي كانت مملكة ملكية ضمن سبع ملكيات كانت موجودة آنذاك، وقد وسع مملكته بعد أن فتح هذه الملكيات الصغيرة حوله أمثال كنت Kent ووست West وساكسونس Saxons وولش Welsh، كما قام بتزويج بنتيه من حاكم وساكس Wessex وحاكم نورثومبيا Northumbia فوسع بذلك دائرة نفوذه حتى شمل كل أجزاء إنجلترا تقريبًا، ودخل في معاهدات مع ملك فرنسا شارلمان ومع البابا أندريان الأول.
والأثر المهم الباقي من عهده هو السور أو السد الذي بناه بين مارسيا وولش والذي يعرف حتى الآن بـ «سور أوفا».
إلى هنا فكل شيء اعتيادي، ولكن عام ١٨٤١م حمل معه مفاجأة كبيرة للمؤرخين، فقد تم العثور فيه على قطعة نقد ذهبية غريبة تمامًا تعود لعهد هذا الملك الإنجليزي القوي، أي غرابة في هذه القطعة الذهبية ولكن المحفوظة الآن في شعبة النقود القديمة في المتحف البريطاني لكي تعد مفاجأة؟
الغرابة أننا نجد كلمة الشهادة وآية قرآنية مكتوبة باللغة العربية على وجهي هذه القطعة النقدية، وإليكم التفاصيل:
فعلى أحد وجهي القطعة توجد كتابة باللغة العربية وهي «لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، وفي الحافة كتبت عبارة محمد رسول الله، ثم الآية الكريمة ﴿أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (التوبة: 33)، أما في وسط الوجه الثاني فنجد كتابة عربية أخرى وهي محمد رسول الله، وفي وسط هذه الجملة سجل اسم الملك «أوفا» باللغة الإنجليزية أما في الحافة فقد كتب باللغة العربية: «بسم الله، ضرب هذا الدينر «أي الدينار» سبع وخمسين ومئة».
وكما يفهم من إمضاء الملك أوفا فإن هذه القطعة ضربت خلال الأعوام ٧٥٧م- ٧٩٦م وسنة ١٥٧هـ الواردة في قطعة النقد تصادف عام ٧٧٤م وهي ضمن فترة حكم الملك «أوفا».
لقد كتبت بحوث عديدة حول هذه القطعة النقدية وألقيت محاضرات كثيرة حولها وقدم المؤرخون فرضيات ونظريات عديدة لتفسير لغز هذه القطعة النقدية أهمها:
الفرضية الأولى: أن الملك «أوفا» استعمل هذه الجمل والكلمات العربية والآيات كزخرفة أو كزينة دون أن يفهم معناها.
الفرضية الثانية: كان الملك «أوفا» قد عقد سنة ۷۸٧م معاهدة مع البابا «أندريان الأول»، تقضي بقيام الملك بدفع فدية سنوية إليه، فقد تكون هذه القطع الذهبية قد سكت خصيصًا لهذا الغرض.
الفرضية الثالثة: أن الملك «أوفا» سك هذه النقود لمساعدة الحجاج من مواطنيه من الراغبين في زيارة القدس لكي تستعمل من قبلهم من أجل تأمين سهولة السفر إلى هذه الديار، أي أن السبب كان سياسيًّا.
الفرضية الرابعة: أن الملك «أوفا» اعتنق الإسلام.
مناقشة هذه الفرضيات
من الواضح أن الفرضية الأولى لا تتفق مع المنطق الإنساني السليم، إذ من المستحيل أن يقوم أي ملك بكتابة جمل لا يعرف معناها على النقود التي يقوم بسكها ومن أجل الزينة فقط علمًا بأن هذه الجمل هي كلمة الشهادة التي تلخص أساس العقيدة الإسلامية، وكلمة الشهادة هذه هي التي تجعل الشخص مسلمًا، صحيح أن بعض ملوك أوروبا المنبهرين بالحضارة الإسلامية قاموا بكتابة أسمائهم باللغة العربية على النقود التي سكوها أمثال الفونسو الثامن، وفاسيلس ديميتريش وبعض أمراء النورمان أمثال وليام دروجر حتى أن الإمبراطور الألماني هنري الرابع سك اسم الخليفة العباسي المقتدر بالله على نقود بلده لإعجابه به ولكن لم يقم أي واحد منهم بكتابة كلمة التوحيد على نقود بلده مثلما فعل الملك «أوفا» دون وعي «على حد زعمهم».
والفرضية الثانية فرضية غريبة جدًا وغير واقعية، إذ كيف يطلب البابا من الملك «أوفا» القيام بكتابة شهادة التوحيد على نقود الجزية التي فرضها عليه؟ أليس هذا شيئًا غير منطقي بل ومستحيلًا؟ ذلك لأن المقام البابوي كان آنذاك من أعدى أعداء الإسلام، لذا فمن الطبيعي أن يرفض رؤية شعار عدوه وعقيدته على النقود حتى وإن كان على شكل زينة أو زخرفة.
أما الفرضية الثالثة فهي أيضًا فرضية بعيدة الاحتمال وضعيفة، إذ من الصعب الاقتناع بأن الملك «أوفا» قد سك هذه النقود لمساعدة مواطنيه من الحجاج وتسهيل زيارتهم للقدس، ذلك لأن المسلمين في ذلك العهد لم يكونوا يمنعون، ولا يضعون أي عقبات أو عراقيل أمام المسيحيين عند زيارتهم للقدس، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن المسيحيين كانوا يتجولون أصلًا في البلدان الإسلامية بكل حرية قبل عهد الملك «أوفا» وفي عهده وبعده أيضًا، أي لم يكن هناك أي حاجة لمثل هذا التدبير.
وقد يتبادر إلى الذهن احتمال أن بلد هذا الملك كان عاجزًا آنذاك عن القيام بسك النقود، لذا اضطر إلى القيام بسك نقوده في أحد البلدان العربية، وهذا الاحتمال غير وارد أيضًا، لأن الموسوعة البريطانية تذكر أن أهم إنجاز باق حول حكم هذا الملك هو تأسيسه وسكه لنوع جديد من العملات تحمل اسم الملك واسم ضاربها، وهناك الكثير من العملات التي تحمل صورة الملك «أوفا» أو صورة زوجته الملكة «كانثريز».
وقد استخدم هذا النظام في سك النقود في إنجلترا لعدة عصور، ومن الممكن مشاهدة نماذج أخرى من النقود التي تم سكها في عهد هذا الملك في مبحث العملات، وفي مبحث حياة هذا الملك في الموسوعة البريطانية، أي أن احتمال عجز هذا الملك عن سك النقود في بلده غير وارد على الإطلاق.
الحقيقة الواضحة هي أن الملك «أوفا» كان قد اعتنق الإسلام، ولكننا لا نعثر على دليل آخر، ولا على أي وثيقة أخرى عدا هذه النقود، كما لا نعلم شيئًا عن كيفية إسلامه، ويرجع السبب في هذا -كما يقول المؤرخون- إلى أن الكنيسة الإنجليزية قامت بالقضاء على كل الوثائق العائدة لهذا الملك بسبب اعتناقه الإسلام.
أأعتنق هذا الملك الإسلام وحده، أم مع أفراد عائلته ومقربيه؟ هذا ما لا نعرفه ولا نملك حوله أي معلومات حاليًّا، والذي نعتقده أن هذا الملك قد يكون التقى بعض علماء الإسلام عند زيارته لمدينة القدس، فآمن بالإسلام واعتنقه، أو قد يكون اتصل بالإسلام عن طريق الأندلس.
والشيء الغريب أنه لا الموسوعة البريطانية ولا الموسوعة الفرنسية لاروس، تشيران إلى هذه الناحية بل تهملانها تمامًا، وهذا يدعم اعتقاد الذين يرون أنه حتى هذه الموسوعات المعروفة لا تتحلى بالروح العلمية الحيادية المفروض توافرها فيها.