; الملف الأسود لانتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا | مجلة المجتمع

العنوان الملف الأسود لانتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 01-فبراير-2003

مشاهدات 96

نشر في العدد 1537

نشر في الصفحة 9

السبت 01-فبراير-2003

رأي المجتمع

الملف الأسود لانتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا

أحدث انتخاب ليبيا رئيسًا للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ردود فعل متباينة على الساحة الدولية، وقد تمحورت ردود الفعل هذه حول تيارين:

تيار تقوده ليبيا نفسها التي تعتبر أن انتخابها بأغلبية ٣٣ صوتًا ضد ثلاثة أصوات، وامتناع سبعة عشر عضوًا عن التصويت يمثل -وفق الناطق باسم الخارجية الليبية حسونة الشاويش- «انتصارًا عظيمًا جسد آمال المقهورين في العالم وأعطاهم حقهم، ويمثل اعترافًا دوليًّا تاريخيًّا بملف ليبيا في مجال حقوق الإنسان».

أما التيار الثاني فتمثله الولايات المتحدة التي رفضت ترشيح ليبيا لهذا الموقع من قبل المجموعة الإفريقية التي حل عليها الدور في رئاسة المنظمة للدورة القادمة، وقد أصرت واشنطن على إجراء انتخابات بين أعضاء المنظمة الثلاثة والخمسين، خلافًا للعرف في اختيار رئاسة المنظمة الذي ظل يتم بالتوافق بين أعضائها منذ تأسيسها عام ١٩٤٧م، ورغم أن نتيجة التصويت اختارت ليبيا، إلا أن الولايات المتحدة أكدت مرة أخرى على لسان مندوبها أنه «لا يجدر بالذين ينتهكون حقوق الإنسان تولي مناصب قيادية سياسية ومعنوية في نظام الأمم المتحدة». 

إن التجربة التاريخية والواقعية الملموسة تؤكد أن للغرب مفهومه وتقييمه الخاص لاحترام حقوق الإنسان، وهو مفهوم وتقييم لا ينفك عن مصالحه وأطماعه بعيدًا عن مصالح الشعوب وحقوقها، وإن كان ما يقع عليها من انتهاكات يمثل مادة ثرية للآلة السياسية الغربية لتشويه الأنظمة والدول الأخرى.

كما أن استغلال ليبيا لهذا الفوز برئاسة لجنة حقوق الإنسان وتصوير الأمر على أنه يمثل شهادة دولية بنظافة سجلها من انتهاكات حقوق الإنسان، وبأنه تنصيب لها لريادة وحماية حقوق الإنسان في العالم، هو من قبيل المبالغات وغياب المصداقية.

وما يعنينا هو أن نؤكد ما يلي:

إننا نرنو إلى ذلك اليوم الذي تتبوأ فيه الدول العربية والإسلامية رئاسة المنظمات الدولية عن جدارة واستحقاق، وانطلاقًا من منهاج ربها ووفق مبادئ إسلامها وقيمه السامية.

إن مبادئ ديننا الذي نعتز به ترفض الخداع وتأبى التستر على أي أوضاع تحت مبررات وشعارات كاذبة، خاصة إذا كان ذلك يتصل بحقوق العبادة.

إننا نخالف المنظومة الغربية في تفسيرها وتعاطيها مع مفهوم حقوق الإنسان واعتباره سلعة يتم استثمارها وفق المصالح.. والمصالح وحدها.

ومن هنا -وفي ضوء ما سبق- فإننا نجد لزامًا علينا أن نعيد فتح صفحات من ملف انتهاكات حقوق الإنسان داخل ليبيا، لعل السلطات الليبية تراجع نفسها وتنظف هذا السجل المتخم بالجرائم، حتى يمكنها أن تقود لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وهي تقف على أرض صلبة، وحتى تلقى رئاستها تلك احترام العالم، وحتى تكون قدوة وهي تصدر شهاداتها عن حقوق الإنسان في الدول.

ففي السادس عشر من فبراير من العام الماضي أصدرت ما تسمى بمحاكم الشعب في طرابلس أحكامًا ضد ستة وثمانين من خيرة أبناء الشعب الليبي، قضت بإعدام اثنين منهم وسجن الباقين بتهمة الانتماء للجماعة الإسلامية الليبية، وبينهم أساتذة في الجامعات وشخصيات علمية رفيعة، وقد أدانت منظمة العفو الدولية هذه الأحكام وقالت في تقرير لها صدر في ١٤/١٢/٢٠٠٢ تحت عنوان: «ليبيا: الضحايا المنسيون»: «إن المحاكمة كانت فادحة الجور، حيث حُرم المتهمون من حقوقهم الأساسية في محاكمة عادلة».

وذكرت منظمة العفو الدولية أنها قد وثقت كثيرًا من حالات السجناء السياسيين الذين لا يزالون محتجزين منذ فترات طويلة، وبينهم سجناء رأي يتعرضون للاعتقال التعسفي وأشخاص أمضوا أحكامًا بالسجن لفترات طويلة صدرت بعد محاكمات جائرة، وأشخاص لا يزالون رهن الاعتقال رغم صدور أوامر بالإفراج عنهم. 

لكن ما خفي عن أعين المنظمات الحقوقية من انتهاكات مروعة لحقوق الأبرياء أعظم من ذلك، وشاهدنا تلك المذبحة التي ارتكبها النظام ضد ما يقرب من ۱۳۰۰ مواطن ليبي في سجن «أبو سليم» في صيف عام ١٩٩٦ دون أن يعلم بها أحد حتى من ذوي الضحايا، ولكنها انكشفت في شهر مايو من عام ٢٠٠٢عندما قام النظام بإبلاغ ذوي الضحايا بوفاة أقاربهم الذين لم يعلموا عنهم شيئًا خلال سنوات اعتقالهم الطويلة.

ولم يكن مصير العلماء والمفكرين من خيرة أبناء الشعب بأقل مأساوية من ضحايا مذبحة أبو سليم، فالدكتور عمرو خليفة النامي الأديب والمفكر والصحفي الذي ترك التدريس في جامعات الغربواليابان وعاد إلىوطنه ليبيا عام۱۹۷۲م لميجد إلا السجونوالمعتقلات، فتخلى عن السياسة وتركالكتابة واقتنى غنيمات يرعاهافي الصحراء زاهدًا، لكنجنود القذافي اختطفوه وأشاعوا خبرموته ولم يسلمواجثته ولم يؤكدوا خبر وفاته حتى اليوم.

كما أن الشيخ محمد البشتي الذي تصدى بفكره وعلمه الواسع لفتنة إلغاء السنة النبوية التي أطلقها القذافي، كان جزاؤه التغييب خلف القضبان وقتله دون محاكمة!! أما الشيخ علِي يحيى فقد قتلوه وهدموا بيته، بل والمسجد الذي كان يصلي فيه ليمحوا أي أثر يذكر الناس به.

 

وهكذا.. فمنذ استيلاء العقيد القذافي على السلطة عام١٩٦٩ حول البلادإلى سجن كبيرأعلن فيه الحرب على الإسلاميين وزجبهم في السجون، حيث يرتكب بحقهم ما لا يصدقه عقل وسط حصار حديدي، وما يرشح على السطح ليس إلا النذر اليسير. وفي الوقت نفسه فقد أشعل حربًا على الإسلام ومعتقداته فأنكر السنة النبوية المطهرة وسخر من الطواف بالكعبة، وزعم أن حجاب المرأة من عمل الشيطان، وما زال يخرج علينا بين الحين والآخر بنظرياته وأفكاره الهدامة، بينما يواصل زبانيته الحرب على الشعب وخاصة من يقول ربي الله.

 بهذا الملف المتخم من الانتهاكات العقدية والفكرية والجسدية لحقوق الإنسان، تستلم ليبيا رئاسة لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، ولا ندري بأي منطق ستدافع ليبيا عن حقوق الإنسان في العالم، وبأي وجه ستواجه المنتهكين لحقوق الإنسان!

إننا نطالب النظام الليبي بأن ينتهز الفرصة وينظف سجله من هذه الانتهاكات، وأن يفرج عن الضحايا الذين يملأون السجون، ويفسح للناس حريتهم ويرفع قبضته الظالمة عن العمل والدعوة الإسلامية، ويكف عن العدوان على عقيدة الشعب الليبي المسلم، ونذكر بأن الشعوب لن تصبر على ضياع حقوقها، كما أن الظلم عاقبته وخيمة في الدنيا والآخرة.

الرابط المختصر :