العنوان الملتقى التربوي من صفات الدعاة.. هواة تقوية القلوب
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1981
مشاهدات 77
نشر في العدد 544
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 22-سبتمبر-1981
علاج أمراض القلوب «8»
«أ» القرآن الكريم
فعلى رأس هذه الأدوية القرآن الكريم الذي أنزله الله هدى وشفاء ورحمة ونورًا ومنهاجًا للعالمين، وهو الذي تتفرع منه جميع الأدوية لجميع الأمراض.
يقول الإمام ابن تيمية «فالقرآن مزيل للأمراض الموجبة للإرادات الفاسدة حتى يصلح القلب فتصلح إرادته، ويعود إلى فطرته التي فطر عليها كما يعود البدن إلى الحال الطبيعي ويتغذى القلب من الإيمان والقرآن بما يزكيه و يؤيده كما يتغذى البدن بما ينميه ويقومه»(92).
يكون علاجًا عندما نقرؤه ونتدبره ونعمل به ثم ننشره بين الناس، أما الاقتصار على القراءة فقط فلا يمكن أن تكون علاجًا لمرض القلوب.
«ب» تقبل الموعظة
وبعد قراءة القرآن لابد من فتح القلب للمواعظ والحكم؛ فهي بداية العلاج والنقطة البيضاء التي ستنطبع على القلب المريض، وكما يقول الإمام ابن تيمية «فالقلب يموت بالجهل المطلق ويمرض بنوع من الجهل، فله موت ومرض، وحياة وشفاء، وحياته وموته ومرضه وشفاؤه أعظم من حياة البدن وموته ومرضه وشفاؤه، فلهذا مرض القلب إذا وَرَدَ عليه شبهة أو شهوة قوت مرضه، وإن حصلت له حكمة وموعظة كانت من أسباب صلاحه وشفائه»(93).
أما إن تكبر عن سماع الموعظة وأبى إلا أن يغلق قلبه عن سماعها فإنه يزيد في مرض قلبه بزيادة جهالته، ويسارع بذلك في القضاء التام على قلبه.
«ج» التوبة والاستغفار
وعندما يستمع بقلب مفتوح للموعظة والحكمة، فإنه لا بد وأن يتوب إلى الله عما اقترفت يداه معلنًا بذلك بداية عملية الإحياء في قلبه المريض، وفي نفس الوقت فإنه يبدأ بعملية أخرى وهي ترك المعاصي التي شبهها الإمام ابن تيمية «بمنزلة الأخلاط الرديئة في البدن ومثل الذغل في الزرع، فإذا استفرغ البدن من الأخلاط الرديئة كاستخراج الدم الزائد تخلصت القوة الطبيعية واستراحت فينمو البدن، وكذلك القلب إذا تاب من الذنوب كان استفراغًا من تخليطاته حيث خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فإذا تاب من الذنوب تخلصت قوة القلب وإرادته للأعمال الصالحة. واستراح القلب من تلك الحوادث الفاسدة التي كانت فيه»(94). وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعد الغفلة والفترة عن ذكر الله من الذنوب، فيسارع للاستغفار من ذلك. وفي ذلك يقول «إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم مائة مرة»(95). بعد ذلك من التخليط الذي لابد من التخلص منه كي يبقى قلبه نقيًّا طاهرًا من كل ما يعكر عليه صفو العبودية، وكأن المعاصي بمثابة الميكروبات التي تعيق الجسم عن النمو السليم، ولا يكون تأثير التوبة والاستغفار مساويًا لتأثير المطهر الذي يطهر الجسم من الميكروب حتى تتمثل فيها الندم والعزم على عدم العودة للمعاصي وترك المعاصي.
«د» التدبر والخشوع
ومع خلو القلب من المعاصي بعد التوبة والاستغفار، يكون القلب قد تهيأ لاستقرار الكلمات الطيبة فيه متأثرًا متفاعلًا مع تلك الكلمات لا يقتصر في التدبر والخشوع على السماع، إنما يتعداه حتى وهو يتحدث إذا ذكر عظمة الله.
جاء في ترجمة الإمام أبو العباس ابن القاص صاحب التصانيف المشهورة: التلخيص والمفتاح وأدب القاضي، أنه «كان من أخشع الناس قلبًا إذا قص، فمن ذلك ما يُحكى أنه كان يقص على الناس بطرطوس، فأدركته روعة مما كان يصف من جلال الله وعظمته وملكوته من خشية ما كان يذكر من بأسه وسطوته، فخر مغشيًّا عليه ومات»(96).
الشهوات مصايد
تأملت في شهوات الدنيا فرأيتها مصايد هلاك، وفخوخ تلف، فمن قوي عقله على طبعه وحكم عليه يسلم، ومن غلب طبعه فيا سرعة هلكته.. ولقد رأيت بعض أبناء الدنيا كان يتوق إلى التسري، ثم يستعمل الحرارات المهيجة للباه، فما لبث أن انحلت حرارته الغريزية وتلف. ولم أرَ في شهوات النفس أسرع هلاكًا من هذه الشهوة، فإنه كلما مال الإنسان إلى شخص مستحسن أوجب ذلك حركة الباه زائدًا عن العادة، وإذا رأی أحسن منه زادت الحركة وكثر خروج المني زائدًا عن الأول، فيفنى جوهر الحياة أسرع شيء، وبالضد من هذا أن تكون المرأة مستقبحة فلا يوجب نكاحها خروج الفضلة المؤذية كما ينبغي، فيقع التأذي بالاحتباس وقوة التوق إلى منكوح.
وكذلك المفرط في الأكل فإنه يجني على نفسه كثيرًا من الجنايات، والمقصر في مقدار القوت كذلك. فعلمت أن أفضل الأمور أوساطها، والدنيا مفازة فينبغي أن يكون السابق فيها العقل، فمن سلّم زمام راحلته إلى طبعه وهواه فيا عجلة تلفه، هذا فيما يتعلق بالبدن والدنيا، فقس عليه أمر الآخرة، فافهم.
فائدة مختصرة
المخطئ والخاطئ
المخطئ: هو من أراد الصواب فصار إلى غيره، والخاطئ: هو من تعمد ما لا يجوز.
المراجع:
[92] مجموع الفتاوى 10/ 96 الرسالة.
[93] مجموع الفتاوى 10/ 94.
[94] مجموع الفتاوی 10/ 97.
[95] مسلم «2702» كتاب الذكر.
[96] طبقات الشافعية 2/ 103.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل