العنوان باب الله مفتوح لكل تائب «الحلقة الأولى»
الكاتب الشيخ عبد التواب هيكل
تاريخ النشر الأربعاء 07-يناير-1981
مشاهدات 82
نشر في العدد 510
نشر في الصفحة 42
الأربعاء 07-يناير-1981
الحمد لله وسعت رحمته كل شيء، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وآله وصحبه التوابين المتطهرين.
أخي المسلم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فإن من طبيعة البشر أن يخطئوا، ولا عصمة إلا للأنبياء، يقول : «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون»، وأن الله تعالى يحب من العبد إذا أذنب أن يبادر بالتوبة والاستغفار، قال صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم».
ويَعدُ سبحانه التائب بملء الأرض مغفرة لو جاءه بملئها خطايا ما دام لا يشرك بالله شيئًا. يقول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن رب العزة والجلال «يا بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة».
ومهما تكرر الذنب فإن الله تعالى يغفره كلما تكررت التوبة منه. قال صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل «أذنب عبدي ذنبًا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك».
والله جل جلاله باسط يده بالليل والنهار ليأخذ بيد التائبين والتائبات. قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، و يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» ويقول تعالى في وصف عباده المتقين ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)﴾ (آل عمران: 135-136)، ومهما عظم الذنب فإن عفو الله أعظم، فيغفر الله لمن يشاء إلا الشرك قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ (النساء: 116). والله عز وجل يغضب ممن يقول: لن يغفر الله لفلان أو لفلانة، قال صلى الله عليه وسلم : «كان في بني إسرائيل رجلان متآخيان، أحدهما مذنب والآخر مجتهد في العبادة، وكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب فيقول أقصر، فوجده يومًا على ذنب فقال أقصر فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيبًا؟ فقال له: والله لا يغفر الله لك أو قال: لا يدخلك الجنة، فقبض الله أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال تعالى للمجتهد: أكنت على ما في يدي قادرًا؟ وقال للمذنب: اذهب فأدخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار. قال أبو هريرة: تكلم والله بكلمة أوبقت دنياه وآخرته». وعنه صلى الله عليه وسلم: «أن رجلًا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وأن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى علىّ ألا أغفر لفلان، فإني غفرت له وأحبطت عملك».
فإن باب الله مفتوح لكل تائب وتائبة إذا صح العزم وصدقت النية. وقد ذكرنا في حلقة سابقة بعض النصوص القرآنية والنبوية التي تدل على أن الله سبحانه يغفر ذنوب التائبين والمستغفرين ولو بلغت عنان السماء. ونتابع الحديث عن هذا الموضوع فنقول وبالله التوفيق:
لقد قال تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)﴾ (الفرقان: 68-70).
فانظروا أيها الأخوة الأعزاء إلى أي مدى بلغ فضل الله وكرمه بعبده التائب، إنه ليس فقط يغفر ذنوبه ويعفو عنه، بل ويبدل سيئاته التي عملها إلى حسنات يثاب عليها، إذا هو تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا، فما أعظم فضلك وكرمك بعبادك يا الله.
والله سبحانه يدخل التائب الجنة إذا صدقت توبته، ثم فاجأه الموت قبل أن يعمل صالحًا، قال صلى الله عليه وسلم: «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مئة. ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مئة نفس فهل له من توبة فقال: نعم ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء. فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله. وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا، قط فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم. فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له. فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة».
لقد علم الله تعالى صدق توبته وشدة ندمه على ما فعل، وعزمه القوي على ألا يعود إلى المعاصي مدى الحياة، وإقباله بقلبه إلى الله ليعبده مع العابدين ويذكره مع الذاكرين إلى أن يأتيه اليقين.
علم الله منه ذلك فغفر له وعفا عنه، وذهبت به ملائكة الرحمة إلى جنات النعيم، فلا تيأسوا أيها المذنبون وأيتها المذنبات من رحمة الله، وتوبوا إلى الله توبة صادقة مهما بلغت ذنوبكم ومهما عظمت جرائمكم تجدوا الله غفورًا رحيمًا، وتوابًا كريمًا، يبسط لكم يد الرحمة والغفران، ويأخذ بأيديكم إلى دار كرامته وإحسانه.
ونسوق إليكم هذه الآية الكريمة التي تملأ النفس رجاء وأملًا في عفو الكريم ورحمة الديان وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53)، الله أكبر.
أيها الإخوة، أما علمتم أن الله جل جلاله يفرح بتوبة عبده المذنب وأمته المذنبة فرحًا شديدًا؟ يقول صلى الله عليه وسلم: «للهُ أشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوية «أي صحراء لا نبات فيها» مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الجوع والعطش قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت. فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه، فالله أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده» رواه الشيخان والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه. فما أعظم عفو الله ورحمته وكرمه..
أما أولئك الذين يسرفون على أنفسهم ويتمادون في غيهم وضلالهم ويقترفون الآثام، ويرتكبون كبائر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، دون حياء ولا خجل ولا مبالاة، وإذا دعوا إلى التوبة سخروا أو سوفوا، وقالوا سنتوب غدًا، حتى إذا فاجأهم الموت وبلغت الروح الحلقوم، وأيقنوا أنهم مفارقون لدنيا الشهوات، قالوا الآن تبنا إلى الله فإن توبتهم مردودة عليهم، لأنها جاءت بعد فوات الأوان وقد كانت الفرصة في أيديهم فأضاعوها. يقول رب العزة والجلال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)﴾ (النساء: 17-18).
ويقول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما، عنه: «إن الله عز وجل يقبل توبة العبد مالم يغرغر» أي تصل الروح إلى حلقومه وبعد: فإني أدعو نفسي وأدعوكم أيها الإخوة الأعزاء إلى المبادرة إلى الله تعالى بتوبة صادقة من جميع ما نرتكبه من ذنوب قبل أن يفاجئ أحدنا الموت، فيقول قولة اليائس ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ (المؤمنون: 99-100) ولكن هيهات إذا جاء الأجل أن يتأخر لحظة أو أقل من ذلك.
إن التوبة الصحيحة هي ما كانت عن عزم وتصميم وصدق نية لا مجرد كلمات يرددها اللسان. وقد اشترط العلماء لقبول التوبة شروطًا وهي:
الشرط الأول: أن يقلع عن المعصية، فلا توبة للمتمادي في ارتكاب المعاصي يقول: تبت وهو مقيم على المعصية مُصِر على ارتكابها.
الشرط الثاني: أن يندم على فعلها، ويتحسر على أوقاته التي ضيعها في معصية الله رب العالمين، بدل أن يستغلها في طاعة الله ومرضاته.
والشرط الثالث: أن يعزم على ألا يعود إلى فعلها أبدًا.
هذه هي شروط التوبة من المعاصي التي لا تتعلق بحق آدمي. أما إذا كانت المعصية تتعلق بحق آدمي فشروط التوبة منها أربعة، الثلاثة التي ذكرناها. والرابع أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالًا أو نحوه رده إليه أو استحله منه إن عجز عن رده أو تصدق به على ذمة صاحبه إن كان لا يهتدي إليه. وإن كانت المعصية ضربًا بسوط أو عصا أو نحو ذلك مكنه من القصاص من نفسه قبل أن يقتص منه يوم القيامة فيأخذ من حسناته بمقدار مظلمته، فإن عفا صاحب الحق بعد أن مكنه من القصاص من نفسه فقد برئت ذمته وقبلت توبته، وإن كانت المعصية غيبة استحله منها.
فإن تحققت الشروط المذكورة فالتوبة صحيحة مقبولة، قال تعالى في شأن قوم كانوا يستغفرون بألسنتهم من الذنب مع نية العودة إليه فلم يقبل توبتهم، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ (الأعراف: 169). هذا وإليكم أيها الإخوة سيد الاستغفار، رجاء أن تحفظوه وترددوه كلما أصبحتم وأمسيتم، ففيه إن شاء الله عفو الله في الدنيا ونعيمه في الآخرة.
قال : «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فأغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة».
أخي المسلم،
تأهب للذي لا بد منه
فإن الموت ميقات العباد
أترضى أن تكون رفيق قوم لهم زاد وأنت بغير زاد
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل