; الملتقى التربوي (العدد 493) | مجلة المجتمع

العنوان الملتقى التربوي (العدد 493)

الكاتب جاسم المسلم

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1980

مشاهدات 67

نشر في العدد 493

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 12-أغسطس-1980

الملتقى التربوي

«القدوة»

إن القدوة كلمة عظيمة وعند النطق بها يتبادر إلى الذهن مثال عظيم لها لم يأتِ ولن يأتي من يضرب لنا أروع من هذا المثال إنه «محمد بن عبد الله» صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: 21) فلهذا كانت القدوة تتطلب حساسية قوية عند الأخ، وأنتم بلا شك تعرفون مدلول ومقصود القدوة، ألا وهو التصرف والحركة القويمة في المعروف والخير، وكذلك في تجنب الشر والمنكر.

إن القدوة تعين الداعية، وتيسر عليه كثيرًا من النصائح المجردة والعبارات البليغة المنمقة والكلام العميق الدقيق - إذا لم يكن له أثر سلوكي - إن مجرد رؤية من حولك طيبًا، وأنت تتمثل معنى طيبًا من معاني الإسلام السامية، وتؤديه على أحسن وجوهه.. إن ذلك سيدفعهم بلا شك، وأنا على يقين، أنهم سيتمثلون هذا المعنى وسيزيد اعتقادهم في هذا المبدأ. 

وأنه بمجرد أن يرى من حولك من أعمالك ما يخالف أقوالك تجدهم يتأثرون، ولكن تأثرًا عكسيًّا. 

ولو حاولت أن تحثهم على التماس العذر وغيره. أنهم يريدون أن يروا فيك المعنى السامي الذي تتكلم فيه، هم لا يريدون من يقول لهم: خذوا قولي، واتركوا فعلي؛ بل يريدون رؤية أفعال تطابق أقوالًا.

أخي الداعية، إن حاجات الأفراد إلى التربية وإصلاح النواقص وتعلم الجديد عن هذا الدين كثيرة. فمعنى هذا أن تكون أنت مشعلًا مضيئًا في كل جانب ولو كان دقيقًا. 

وتأكد أن الشيطان لا يترك ثغرة إلا ويحاول أن يستغلها لإفساد القول غير المدعم بعمل، إنك بلا ريب لست تقصد أن تري أخاك عيبًا فيك، ولكنك بشر. فلا بد لك من مراقبة دقيقة لنفسك ومحاسبتها على كل فعل ... وكن أكثر محاسبةً لها من محاسبتك لأخيك؛ لأنك متى اكتشفت عيبك وأصلحته؛ فإن في ذلك تخفيف من الجهد والوقت الذي تبذله لإصلاح أخيك. ولنضرب هذا المثال، وأظنه واضحًا لكل داعية، ولكن تذكر أنه مثال تستطيع تطبيقه في كل مجال. 

قد يكون في أخيك عيب ولنقل فرضًا أنه «حب الجدل» وفي نفس الوقت أنت فيك شيء من هذا العيب. هل تظن يا أخي أن النصح والمواعظ الكثيرة وطرق الموضوع في كل ساعة وحين، يفيد في إصلاح هذا العيب.

ثم يرى منك نموذجًا حيًّا للجدل، تأكد يا أخي أن كلامك سيذهب إدراج الرياح. نعم وإني متأكد أن هذا العيب سيؤثر على كثير من كلامك لأخيك، ولو كان في مواضع أخرى وعيوب أخرى قد لا توجد فيك، ولكن أثر ذلك المشهد أمامه لن يغيب عن باله، وسيداخله الشيطان، ويشوه الصورة في نظره، ولا تعجب من أنه ربما يكون ذلك سببًا لفتنة أخيك.

ماذا تقول في ذلك؟

إننا حين نستعرض سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم نجده علمًا وقدوة في كل شيء؛ بل وخير من تقتدي به البشرية جمعاء. لننظر إلى كل جانب من شخصية الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، لننظر إلى الجانب العملي لكل معنى من المعاني إيماني - أخلاقي - حركي ... 

لا شك أنك ستجد القدوة الحسنة في كل ذلك، أتعرف لماذا؟ 

تذكر قول عائشة رضي الله عنها كان خلقه القرآن، لم يكن يأمر بأمر إلا ويكون وهو أول من يقوم بتنفيذه، تذكر قصة الحلق في الحديبية والطريقة التي أقنع عليه الصلاة والسلام أصحابه بها، بعد أن لم يجد الكلام نظرًا؛ لتأثرهم بشروط الصلح الذي تم، ثم انظر ما فعلته القدوة؛ حتى كاد يقتل بعضهم بعضًا.

لنتذكر قدوته للصحابة في هذه المواضع التي سأذكرها بدون حوادث معينة، ولكن ستجد كتب السيرة والحديث مملوءة بها، وهاك بعضها - الإنفاق - الرحمة - القيام - الصيام - الجهاد - العمل - المعاملة..

ثم اسمع فقه عليّ - كرم الله وجهه - حين قال لعمر بن الخطاب: «كففت فكفت الرعية، ولو رتعت لرتعوا» إنه فقه القدوة.

هل يخامرك شك يا أخي في وجوب القدوة؛ حتى تكون مربيًّا ناجحًا، وإني على يقين بان لكل داعية زلات أو أخطاء أو عيوبًا، فماذا يصنع إذا كان هذا الشيء من طبعه؟ أقول بعد التوكل على الله تعالى وأسأله الإصابة في ذلك.. إن الأولى بك أخي الداعية أن تعالج عيبك، وتتصوره ماثلًا أمامك، وتستعين على ذلك بما تحفظه من آيات وأحاديث تعالج هذا العيب، ويجب أن تكون مقتنعًا أولًا بهذا العيب، لست متشككًا في وجوده عندك أم لا. أما في فترة علاجك لهذا العيب فحاول ألَّا تري أخاك هذه الثلمة، واجتهد في ذلك، وسيعينك الله تعالى على ذلك مهما كانت الظروف.

وأن أحوج ما تحتاجه يا أخي في دعوتك هي الاستجابة السريعة لما تؤمر به، والطاعة التي لا يداخلها شك، وحسن أن يرى إخوانك فيك هذا الحرص، فإن من يشب على هذا؛ فإنه بخير وعناية من الله.

 وأخيرًا - كما دعوناك إلى أن تكون قدوة لإخوانك - نحذرك يا أخي الداعية من شيء مهم، إن لم تنتبه له سوف يكون هناك فخ قد نصبه الشيطان، واستطاع أن ينال من هذا الخلق والسلوك القويم الذي تحاول أن تنتهجه، إن مدخل الشيطان على الداعية الذي يحاول أن يكون قدوة في كل شيء، هو أن يوهمه بأنه يفعل ذلك رياءً، أو حتى يقال: بأنه مطيع ومتحل بأخلاق فاضلة، ومربي تربية جيدة. فإن استطاع أن يغرس في النفس شيئًا من هذا؛ فستكون الطامة. أما إن رددته بأن هذا شيء مطلوب، وهذا ما كان عليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته وسلف هذه الأمة، وهي من مكملات سلاح الداعية وعدته لخوض غمار الجاهلية والانتصار عليها. فعند ذلك أهنأ واطمئن إلى النتيجة إن شاء الله.

أسأل الله أن يعينكم يا إخواني جميعًا وكل دعاة الإسلام إلى انتهاج مثل هذا المسلك؛ حتى نري أعدانا من أعمالنا ما تشيب له رؤوسهم، ونري إخواننا من أفعالنا ما يكون لهم سببًا من أسباب ثباتهم والله الموفق.

بقلم جاسم المسلم

 

 

عبر وتربيات من حياة «موسى» عليه الصلاة والسلام

- عندما يكون الاستعجال في صالح الدعوة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ (طه: 83-86). 

لقد واعد الله موسى – عليه السلام - على الجبل ميعادًا ضربه له ليلقاه بعد أربعين يومًا، لتلقي التكاليف: تكاليف النصر بعد الهزيمة، وللنصر تكاليفه، وللعقيدة تكاليفها، ولا بد من تهيؤ نفس واستعداد للتلقي. وصعد موسى إلى الجبل، وترك قومه في أسفله، وترك عليهم هارون نائبًا عنه ... ووقف في حضرة مولاه وهو لا يعلم ما وراءه، ولا ما أحدث القوم بعده، حين تركهم في أسفل الجبل، وهنا ينبئه ربه بما كان خلفه. 

﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ﴾ «طه:83» يقول صاحب محاسن التأويل: «قال الناصر: إنما أراد الله تعالى بسؤاله عن سبب العجلة، وهو أعلم أن يعلم موسى أدب السفر، وهو أنه ينبغي تأخر رئيس القوم عنهم في المسير؛ ليكون نظره محيطًا بطائفته ونافذًا فيهم، ومهيمنًا عليهم .... وهذا المعنى لا يحصل في تقدمه عليهم، ألا ترى الله عز وجل كيف علم هذا الأدب لوطا عليه السلام، فقال: وأتبع أدبارهم، فأمره إن يكون أخيرهم، على أن موسى عليه السلام أغفل هذا الأمر مبادرة إلى رضاء الله عز وجل ومسارعة إلى الميعاد. «۲».

وهكذا فوجئ موسى – عليه السلام - بعد ما تهيأ واستعد أربعين يومًا أنه عجلان إلى ربه ... ولكن أنظر إلى أدب موسى في جواب ربه تبارك وتعالى: ﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾ (طه:84) قال هم أولاء على أثرى؛ أي قادمون ينزلون بالطور، وإنما سبقتهم بما ظننت أنه خير. ولذا قال: وعجلت إليك رب لترضى؛ أي مني بمسارعتي إلى الامتثال أمرك واعتنائي بالوفاء بعهدك زيادة «رب» لمزيد الضراعة والابتهال رغبة في قبول العذر. «۳». 

ولكن الاستبعاد الطويل والذل الطويل في ظل الفرعونية الوثنية فإنه قد أفسد طبيعة بني إسرائيل، أضعف استعدادهم لاحتمال التكاليف والصبر عليها، والوفاء بالعهد والثبات عليه، وترك في نياتهم النفسي خلخلة واستعدادًا للانقياد والتقليد المريح.. فما كاد موسى يتركهم في رعاية هارون ويبعد عنهم قليلًا حتى خلخل عقيدتهم كلها وتنهار أمام اختبار ولم يكن بد من اختبارات متوالية وابتلاءات متكررة لإعادة بنائهم النفسي. وكان أول ابتلاء هو ابتلاؤهم بالعجل الذي صنعه لهم السامري: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ (طه: 85) ولم يكن لدى موسى علم بهذا الابتلاء حتى لقي ربه.

وتلقى الألواح وفي نسختها هدى، وبها الدستور التشريعي لبناء بني إسرائيل بناء يصلح للمهمة التي هم منتدبون لها. وينهي السياق موقف المناجاة هنا على عجل ويطويه، ومسارعته بالعودة، وفي نفسه حزن وغضب على القوم الذين أنقذهم الله على يديه من الاستعباد والذل في ظل الوثنية، ومنَّ عليهم بالرزق الميسر والرعاية الرحيمة في الصحراء.. ثم ها هم أولاء يتبعون أول ناعق إلى الوثنية، وإلى عبادة العجل. «٤»

أخي الداعية ألا ترى بعد عرض هذه القصة أنوارًا كثيرة يستضيء بها الدعاة في طريق الدعوة نختار منها:

(1) حرص المربي على عدم ترك تلاميذه فترة حتى ولو كانت قصيرة دون متابعة.

(2)  الإسراع في الخيرات - وعجلت إليك رب لترضي. 

(3)  الإسراع في معالجة أي أمر طارئ دون تأخير.

(4)  الحزن والغضب عندما يخطئ التلميذ خطأً كبيرًا بعد وضوح الغاية.

(5)  الحرص على استخلاف أحد المربين في حالة غياب المربي الأصلي.

(6)  المعاناة في حمل الدعوة.

هذه بعض الأنوار وهناك أنوار كثيرة فأحرص أخي الداعية على الانتفاع بها ...

والحمد لله رب العالمين.

1-الظلال ص ٢٣٤٦ الشروق

2-محاسن التأويل للقاسمي جـ ١١ ص ٤٢.

3-     محاسن التأويل للقاسمي جـ ١١ ص ٤١ - ٤ - الظلال ص ٢٣٤٧ الشروق.

الرابط المختصر :