; الملتقى التربوي (أنوار في طريق الدعوة) فضل السابقين في الدعوة | مجلة المجتمع

العنوان الملتقى التربوي (أنوار في طريق الدعوة) فضل السابقين في الدعوة

الكاتب حامد ملا حسين

تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1981

مشاهدات 73

نشر في العدد 541

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 01-سبتمبر-1981

قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى(الحديد: 10).

أخي الحبيب/ نلتقي اليوم نورًا من أنوار الطريق، نور يحاكي تلك العصبة المؤمنة التي كان لها السبق بالانضمام في صف الدعوة، وفي بذل الغالي والرخيص في سبيل إعلاء كلمة الله في الأرض، نلتقي اليوم المنهج الرباني وهو يسطر الأسس الدقيقة في معالجة نفسيات تلك العصبة المؤمنة عندما تتعثر في يوم من الأيام وسط هذه التضحيات التي قدمتها، وحتى يرن في أذن الأخ قول الحبيب -صلى الله عليه وسلم- ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم «أ» وإشارات كثيرة لهذا الصنف المتدفق العطاء.

أخي في الله/ بدأنا هذا النور بالآية الكريمة ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ...ولعل الداعية سيد -رحمه الله- ينفعنا بتعليقه على هذه الآية حتى نعرف كيف نزن الناس ونضعهم في مواضعهم، يقول: «إن الذي ينفق ويقاتل والعقيدة مطاردة، والأنصار قلة، وليس في الأفق ظل منفعة ولا سلطان ولا رخاء، غير الذي ينفق ويقاتل المنال. ذلك متعلق مباشرة بالله، متجرد تجردًا كاملًا لا شبهة فيه، عميق الثقة والطمأنينة بالله وحده، بعيد عن كل سبب ظهر وكل واقع قريب، لا يجد على الخير عونًا إلا ما يستمده مباشرة من عقيدته، وهذا له على الخير أنصار حتى حين تصح نيته ويتجرد تجرد الأولين (1)، لذا كان لأهل بدر فضل كبير على غيرهم من المسلمين. ثم يختم الله تبارك وتعالى الآية بقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى...فقد أحسن الجميع السابق واللاحق على تفاوت ما بينهم من الدرجات، حتى لا يتمادى البعض في هضم حق الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. فكل من أعطى وأنفق على هذه الدعوة له حظ من نعيم الله وجنته.

وكذلك الدعاة في كل زمان وكان لا يستوي منهم من يبادر في حمل الدعوة والناس قلة ونور الأمل يكاد ينعدم، بالذي يشارك في حمل الدعوة وقد صلب عودها واستوت على سوقها ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ...﴾ (الفتح: 29). ولكن ما أجمل سعة عطاء الله ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى.

أخي في الله/ كل ذلك مدخل يوصلنا إلى النور الذي قصدناه في البداية، لنرى المنهج الرباني وهو يضع النقاط على الحروف بتقدير أولئك الذين أنفقوا وضحوا قبل غيرهم ثم تعثروا نوعًا ما في الطريق، ولعل هذه القضية تُعين على وضوح الصورة: «أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الناس بالجهاز واستعان على أمره بالكتمان، ثم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجد والتجهز، وقال: اللهم! خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها.

ولما كان المجتمع الإسلامي المدني مجتمعًا بشريًّا يعيش في واقع الحياة، وبين المشاعر الإنسانية، وخواطر النفس ورغباتها، كان الأفراد فيه يصيبون ويخطئون، وقد يكونون مؤولين في تصرفاتهم وأحكامهم، وقد يجانبهم الصواب في هذا التأويل، وذلك من خصائص المجتمعات البشرية التي تتمتع بالحرية والثقة، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين لا يقرهم على هذا الخطأ، يلتمس لهم والعقيدة آمنة، والأنصار كثرة، والنصر والغلبة والفوز قريب، العذر، ويتسامح معهم، وكان من أوسع الناس صدرًا مع هؤلاء المخطئين، وأكثرهم معرفة بفضلهم وحسن بلائهم في الجهاد، وسوابقهم في الإسلام، وقد حفظ لنا الحديث وكتب السيرة النبوية وتاريخ الإسلام مثل هذه الحوادث النادرة في الوقوع، وهو مما يدل على أمانتها وشهادتها بالحق.

ومن هذه الحوادث ما وقع لحاطب بن أبي بلتعة، وهو ممن هاجر من مكة وشهد بدرًا، فقد جاء في الروايات أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأسر الأمر، فتجهز الناس «كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا، يخبرهم بمسير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم ثم أعطاه امرأة، وجعل لها جملًا على أن تبلغه قريشًا، فجعلته في قرون رأسها ثم خرجت به، وأتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث عليًّا والزبير، فقال: انطلقا حتى تأتيا روضة خاخ (2)، فإن بها ظعينة معها كتاب إلى قريش. فانطلقا تعادي بهما خيلهما، حتى وجدا المرأة بذلك المكان، فاستنزلاها وقالا: معك كتاب؟ فقالت: ما معي كتاب! ففتشا رحلها فلم يجدا شيئًا، فقال لها علي -رضي الله عنه- أحلف بالله ما كذب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا كذبنا، والله لتخرجن الكتاب، أو لنجردنك، فلما رأت الجد منه قالت: اعرِض! فأعرض، فحلت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منها ودفعته إليهما، فأتيا به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم.

فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حاطبًا، فقال: لا تعجل يا رسول الله، والله إني لمؤمن بالله ورسوله، وما ارتددت، ولا بدلت، ولكني كنت أمرًا ملصقًا في قريش، لست من أنفسهم ولي فيهم أهل وعشيرة وولد، وليس لي فيهم قرابة يحمونهم، وكان من معك لهم قرابات يحمونهم، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي. فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فإنه قد خان الله ورسوله، وقد نافق. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك يا عمر! لعل الله قد اطلع على أهل بدر. فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم، فذرفت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم (3).

من صفات الدعاة: هواة تقوية القلوب «القلوب السوداء».                  

-5-

11- القلوب المقفلة

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 24) «68».

يقول ابن كثير «أي، بل على قلوب أقفالها فهي مطبقة لا يخلص إليها شيء من معانيه» «69».

وقال مقاتل: «والأقفال استعارة لانغلاق القلب عن معرفة الحق، وإضافة الأقفال إلى القلوب للتنبيه على أن المراد بها ما هو للقلوب بمنزلة الأقفال للأبواب، ومعنى الآية أنه لا يدخل في قلوبهم الإيمان ولا يخرج منها الكفر والشرك» «70».

12- القلوب اللاهية

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ(الأنبياء: 2، 3) «71».

يقول الشوكاني: «والمعنى: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث في حال من الأحوال إلا في الاستماع مع اللعب والاستهزاء ولهوة القلوب» «72».

وقال القرطبي: «أي ساهية قلوبهم، معرضة عن ذكر الله، متشاغلة عن التأمل والتفهم» «73». ويمكن أن تحدد من خلال هذه النصوص شخصية صاحب هذا القلب، فإنه يستمع إلى الموعظة باستخفاف يصحبه استهزاء بالواعظ والموعظة على صورة انشغال يفتعله كاللعب وغيره في أثناء الموعظة.

13- القلوب الزانية

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «العين تزني والقلب يزني، فزنا العين النظر وزنا القلب التمني، والفرج يصدق ما هنالك أو يكذبه» «74».

ويؤكده ويعضده الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطأ، والقلب يهوَى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه» «75».

يقول الشيخ الساعاتي: «زنا القلب التمني- أي يهوى وقوع ما تحبه النفس من الشهوة» «76».

إن التمادي في تمني ما تقع فيه النفس من الشهوة قد ينقل أحد القلوب البيضاء إلى هذا الصنف؛ إذ لم تسعفه توبة ترفعه عن ذلك.

(68) محمد 24.

(69) تيسر العلي القدير 4/189.

(70) فتح القدير 5/38.

(71) الأنبياء 2، 3.

(72) فتح القدير 3/397.

(73) تفسير القرطبي 6/4308.

(74) أخرجه أحمد 2/329 وصححه أحمد شاكر (8338).

(75) مسلم (2657).

من بحر التراث: ذم الهوى لابن الجوزي

قال رحمه الله: أعلم أن الهوى يسري بصاحبه في فنون، ويخرجه من دار العقل إلى دائرة الجنون، وقد يكون الهوى في العلم فيخرج بصاحبه إلى ضد ما يأمر به العلم، وقد يكون في الزهد فيخرج إلى الرياء. وقد مدح الله عز وجل مخالفة الهوى فقال: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى(النازعات: 40). 

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» (أخرجه الطبراني وأبو نعيم وهو حسن صحيح).

وحدث الأصمعي قال: سمعت رجلًا يقول:

إن الهوان هو الهوى قلب اسمه     فإذا هويت فقد لقيت هوانا

وقال آخر: 

كم أسير لشهوة وقتيل    أف للمشتهي خلاف الجميل

شهوات الإنسان تورثه الذل     وتلقيه في البلاء الطويل!!

أجارنا الله وإياك من نزعات الشيطان ونزعات الهوى...».

بالحكمة والموعظة الحسنة

ادعى رجل على الأصبهاني مالًا في مجلس حكم عند إسماعيل بن إسحاق القاضي، فأنكره وحلف له، فقال القاضي: يا أبا سليمان: أنت مع محلك من العلم تحلف في مثل هذا المجلس؟ فقال: نعمت اليمين الصادقة ثناء على الله، وإنما فعلت ما أمر الله به ورسوله، فقال: وما هو؟ فقال: أليس الله يقول لرسوله عليه الصلاة والسلام:  ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (يونس: 53)، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ(التغابن: 7)، وقال جل ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ(سبأ: 3).

قال القاضي: قم بالسلامة فما أرى أحدًا يقطعك!!

من (اللطائف والطرائف) للثعالبي.

الهوامش

(1) السيرة النبوية للنووي 276- 277 عن زاد المعاد 1/421 وقد وردت القصة في الصحاح.

1- الظلال 4/2495.

1- الظلال- سيد قطب 4/2504/2050

(أ) الحديث حسن بهذا اللفظ- أخرجه الترمذي في مناقب عثمان رقم 3702 وهو باللفظ الذي ساقه به المصنف، أخرجه الترمذي أيضًا والطبراني. وهو عند الترمذي وعند الطبراني ضعيف أ.هـ «صفة الصفوة 1/302».

(1) الظلال 6/3484.

(2) موضع بين المدينة ومكة: قال الفتنِي بمعجمتين موضع باثني عشر ميلًا من المدينة، وقيل بمهملة وجيم، وهو تصحيف، «مجمع بحار الأنوار، ج2، ص 120، طبع حيدر آباد، الهند».

(3) السيرة النبوية للنووي 276- 277، عن زاد المعاد 1/421 وقد وردت القصة في الصحاح.

الرابط المختصر :