; الملتقى التربوي (العدد 479) | مجلة المجتمع

العنوان الملتقى التربوي (العدد 479)

الكاتب جاسم المسلم

تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1980

مشاهدات 105

نشر في العدد 479

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 06-مايو-1980

لا تنخدع

هناك صور كثيرة يراها الإنسان فينخدع في إعطاء الحكم عليها وتقييم أصحابها لما يراه منهم من صور لا يتصور أن يراها إلا في عالم المعجزات وقصص الأساطير والأبطال.. وحتى نبين ذلك: قصِة بابك الخرمي الباطني الذي عاث في الأرض الفساد في انتهاكه لحرمات المسلمين من دمائهم وأعراضهم.. واستمر على ذلك سنين وتبعه خلق كثير حتى تمكن منه المعتصم سنة ٢٢٣ فقال له أخوه وكان معه قد عملت ما لم يعمله أحد فاصبر الأن صبرًا لم يصبره أحد، فقال سترى صبري فأمر المعتصم بقطع يديه ورجليه، فلما قُطعت مسح بالدم وجهه فقال المعتصم أنت في الشجاعة كذا وكذا ما بالك قد مسحت وجهك بالدم أجزعًا من الموت، فقال لا ولكني لما قطعت أطرافي نزف الدم فخفت أن يقال عني: إنه اصفر وجهه جزعًا من الموت، قال: فيظن ذلك بي فسترت وجهي بالدم كيلا يرى ذلك مني.. وصبر ابن ملجم الذي قتل الإمام علي- رضي الله عنه- حيث قطع عبد الله بن جعفر يديه، ورجليه فلم يجزع ولم يتكلم فكحل عينيه بمسمار محمى، فلم يجزع، وجعل يقرأ.. ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ  خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ (العلق:1-2).. حتى ختمها، وإن عينيه لتسيلان، فعولج على قطع لسانه فجزع فقيل له لم تجزع فقال أكره أن أكون في الدنيا مواتًا لا أذكر الله.. وقصة أولئك الذين رفعوا عليًّا إلى منزلة العبودية... فحفر لهم أخدودًا وأضرم فيه النار فأخذ أحدهم يرمي نفسه في الأخدود ويقول وعجلت إليك ربي لترضى.. ومثل هذه الحوادث الصحيحة كثيرة في ذلك الوقت، وهي في هذا الزمان كذلك، فاحذر أن يلبس عليك الشيطان فتثق بهذا الصنف نتيجة لصبره واحتماله... ولكن عليك بما كان عليه السلف- رضوان الله عليهم- في التوثيق حيث يوثق الرجل على قدر ما هو عليه من الكتاب والسنة.

زدهًا ولا تخشى

عن الحارث بن قيس- رضي الله عنه قال: «إذا أتاك الشيطان وأنت تصلي فقال: إنك ترائي؛ فزدها طولًا». 

إن للشيطان كما قلنا مدخلين إما إفراطًا أو تفريطًا فإذا عجز عن الإفراط لجأ إلى التفريط... وأنتم معاشر الأفراد العاملين نظرًا لكثرة أعمالكم وبروزكم في كل مكان وفي كل ميدان في الحقل الإسلامي تحتاجون إلى هذه الوصية حيث يحدثكم الشيطان بأن في عملكم بالكتمان إلى غير ذلك من مصائد الشيطان كل ذلك ليقعدكم عن عمل يزيدكم محبة عند الله ويبعدكم عنه فخالفوا الشيطان وأكثروا من الأعمال في جميع الميادين وتنافسوا في الخير وادحضوا وساوس الشيطان كما دحضها أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- عندما تبرع بماله كله وعندما دحضها صهيب فهاجر من مكة إلى المدينة وترك ماله كله للكفار، وكما فعل سمرة بن جندب، ورافع بن خديج وغيرهم من السلف- رضوان الله عليهم.

لا تمـتنع

أعلم أخي الداعية وأعلم من توجهه أن إبليس الذي شغله التلبيس أول ما التبس عليه الأمر فأعرض عن النص الصريح على السجود.. فأخذ يفاضل بين الأصول

فقال:﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (ص:76) ثم أردف ذلك بالاعتراض على الملك الحكيم فقال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ (الإسراء:62) والمعنى أخبرني لِمَ أكرمته علي، غرر ذلك الاعتراض أن الذي فعلته ليس بحكمة، ثم أتبع ذلك بالكبر فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ (ص:76) ثم امتنع عن السجود فأهان نفسه التي أراد تعظيمها باللعنة والعقاب. إذا بعد هذا اتضح الأمر أنه عندما يكون مربيك فلانًا من الناس في أي مجال من المجالات فلا تعترض على توليته وتقول أنا خير منه في أصلي، ثم بعد ذلك تتمادى وتتهم كل من تصدى لأعباء إدارة العمل الإسلامي، بأنه عديم الحكمة في وضع الأمور في نصابها.. ثم تتكبر.. وتمتنع عن الطاعة فتكون بذلك قد بدأت بخطوة عاقبتها سيئة، ولك في قصة جبلة بن الأيهم عبرة. 

التحرك الذاتي

لا ينبغي للأفراد أن يكون تحركهم ونشاطهم ناتجًا عن تأثرهم بالداعية وشخصيته فقط، وإنما يجب أن يكون نابعًا من ذاتيتهم وإيمانهم بضرورة العمل. فهذا من شأنه أن يحفظ عليهمعطاءهم وبذلهم مهما تغير لظرف وتبدل. لذا يجب على الداعية أن ينتبه لذلك ويحّذر الذين يعظون معه ويغرس في نفوسهم دافع الذات والإيمان.

الوقت بين السجين والسجان

قافلة تسير-أتعبها الهجير- والقوم ظمأي ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ ۖ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ (يوسف:19) وما كاد يوسف يخرج من ظلمة البئر حتى أدخل في ظلمة العبودية والغربة ثم الفتنة. 

عندئذ ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ (يوسف:33)..

وسجن الطغاة جسده وتعلم من السجن أمورًا عظيمة سنقف في هذا العدد عند واحدة منها. تعلم ثمن الوقت وقيمته عند الظالم، ورأى كيف يلقي الظالم البريء في السجن بلا مبالاة-لا يعبأ به أمضى عليه ثلاث سنين أَم تسع. 

وأسلوب القرآن يوضح ذلك في قوله تعالى ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (يوسف:42) و«البضع» هي ما بين الثلاث إلى التسع، فكأنه يقول:- انظروا إلى الطاغية، إنه لا يهمه وقت الآخرين وحياتهم، فوقتهم وعمرهم ليس له قيمة عنده– ولا يذكر المظلوم إلا عند الحاجة إليه.

«بضع سنين» كم؟ لا ندري أهي ثلاث أم أربع أم خمس أم تسع هذا لا يهم في نظر الظالم. 

أما في حق نفسه، وما يختص بملكه وملذاته فهو حريص، فتراه يذكر كل شيء برقمه وحجمه ولونه وحاله. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ (يوسف:43) يا سبحان الله.. لِمَ لَم يقل القرآن هنا «بضع بقرات» إنما تكرر رقم سبع ثلاث مرات هذا دليل الدقة والاهتمام، فالملك يعد ويحسب، حتى في المنام والرؤيا ما دام الأمر يخصه، أما حق يوسف.. أما عمر يوسف ووقته فهو «بضع سنين» وكفى. 

أخي الداعية: هذا طبع من صد عن الله وباع أخوته واشترى دنياه، وما أكثرهم في هذا الزمان، أما أنت أيها الداعية فشيء أخر– أنت تعلم أن الوقت هو الحياة، وأن اللحظة التي مضت لا تعود- وأنك محاسب عن وقتك ووقت من حولك أمام الله. وهذا يوسف الصديق، يستفيد مما تعلمه في السجن، فهو حريص على وقته ووقت الآخرين لا يتكلم إلا بالحقائق وأرقام وخطط مدروسة، فيها يحدد نوع ومدة العمل، وصفته ونتيجته والحرص على إنجاحه. ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ (يوسف:47). دقة عجيبة في التعبير، خطة إنقاذ أمم كثيرة من هلاك محقق بكلمات معدودة «لم يقل هنا بضع سنين» لأن وقت الداعية ومن يعمل معهم غال وثمين، فهو محسوب، إما له وإما عليه. 

والأن يا أخي الداعية: إخوانك بين يديك- فكن دقیقًا منظمًا وواعيًا في تربية إخوانك، محسنًا في تصريف أوقاتهم، لا تسير إلا على خطة مدروسة خالية من الغفلة والارتجال. إنهم أمانة الله في عنقك، ما أثقلها في ميزانك إن أخلصت، وإذا أحسست بالتعب، فتذكر يوسف عليه السلام وهو يحمل أعباء أمم جاعت أرواحها وأجسادها. تذكر يوسف وهو يقدم الغذاء بالمكيال والميزان، وقدم إلى إخوانك ما يحتاجون إليه، أيضًا بالمكيال والميزان. 

وإذا ما سألك الناس عن سبب هذا الجهد والجهاد فقل: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ (يوف:55).

أخي الحبيب: إن اليوم الذي يجمع الله فيه شملك مع إخوانك.. وأنت على عرش الدعوة لجدير أن تقول فيه مع يوسف عليه السلام ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف:101).

الفهم لتلميح الموجه

إن أحوج ما يحتاج إليه الأخ هو سرعة الفهم الذي يدفع به إلى العمل السريع المفيد للحركة كما فهم أبو بصير قولة الرسول- صلى الله عليه وسلم- له «ويل أمه، مسعر حرب لو كان معه رجال». فدفع به الفهم إلى أن يلتجئ إلى الساحل مؤلفًا عصابة قوامها سبعون رجلًا مهمتها حرمان قريش من الأمن والطمأنينة وإقضاض مضاجعهم وزلزلة أمنهم وإقلاق بالهم فقدم بهذا الفهم العميق الخير الكثير للإسلام.

الداعية

يا واعظ الناس عما أنت فاعله*** يا من يعد عليه العمر بالنفس

أحفظ لشيبك من عيب يدنسه *** إن البياض قليل الحمل للدنس

كحامل لثياب الناس يغسلها *** وثوبه غارق في الرجس والنجس

تبغي النجاة ولم تسلك طريقها *** إن السفينة لا تجري على اليبس

ركوبك النعش ينسيك الركوب على ***ما كنت تركب من بغل ومن فرس

يوم القيامة لا مال ولا ولد *** وضمة القبر تنسي ليلة العُرس 

الرابط المختصر :