; الملتقي التربوي (العدد 484) | مجلة المجتمع

العنوان الملتقي التربوي (العدد 484)

الكاتب جاسم المسلم

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1980

مشاهدات 94

نشر في العدد 484

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 10-يونيو-1980

القصد

روى البخاري بإسناده عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة، القصد القصد تبلغوا». ومعنى هذا الحديث كما قال النووي: «استعينوا على طاعة الله بالأعمال في وقت نشاطكم وفراغ قلوبكم، بحيث تستلذون العبادة ولا تسأمون منها، وتبلغون مقصودكم كما أن المسافر الحاذق، يسير في هذه الأوقات ويستريح هو ودابته في غيرها فيصل المقصود بغير تعب». وقد ربط رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بلوغ الغاية واستمرار السير بالقصد، فهو إذن يقتضي الدوام والاستمرار عادة، ولا يقضى إلى الملل وترك العمل.

قال ابن القيم في كتاب الروح: «والقصد هو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط فالمقتصد قد أخذ بالوسط وعدل عن الطرفين، قال الله- تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا (سورة الفرقان: 67). وقال- تعالى-: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ (الإسراء: 29)، وقال- تعالى-: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا (الأعراف: 30) 

والدين كله بين هذين الطرفين، بل الإسلام قصد بين الملل الأخرى، والسنة قصد بين البدع، ودين الله بين المغالي فيه والجافي عنه وكذلك الاجتهاد، هو بذل الجهد في موافقة الهدى والغلو مجاوزته وتعديه. وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان، فإما إلى غلو ومجاوزة وإما إلى تفريط وتقصير وهما آفتان لا يخلص وينجو منهما في الاعتقاد والنية والعمل إلا من مشى خلف رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.

وكان هديه- صلى الله عليه وسلم- كله قصدًا، فكانت صلاته وخطبته وكلامه ونومه وأكله وشربه كلها قصدًا واعتدالًا.

فبهذا ندرك أن القصد يكون فى كل أمر، ففي كلامك وحديثك فذكر القصد، فلا تطل ولا تخل. وإذا أكلت وشربت فعليك بالقصد، «وما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه»، وإذا تحركت ومشيت أو ركبت فإلى هدف وقصد، وإذا عملت عملًا فعليك بالقصد فيه ليكون ذلك القصد عونًا لك على الاستمرار والعطاء. تذكر قوله- صلى الله عليه وسلم- «فيما رواه البخاري ومسلم» عنه: «عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل حتى تملوا». وكان أحب الدين إليه الأعمال ما داوم عليه صاحبه، لئلا يكون عملك طفرة وفورة سرعان ما تخبو وتتبدد وتعود إلى الخمول والكسل.

القنّاص

قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (المطففين ٢٦)

وقال الحسن إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة. وقال وهيب بن الورد: إن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل.

أيها الأخ:

ما زلت تتنفس من هذه الحياة فأحمد الله، فالسباق مع الزمن سريع وأنت في دوامة هذه الحياة لا تدري هل كتبت من أهل الجنة أم من أهل النار، فما بالي أراك تدفع للعمل دفعًا ولا تعمل إلا بانتظار أمر من غيرك وكأن العمل لله مغلق ضيق الحدود، إنما ضاقت النفس فضاق معها الإنتاج، أين الهمة العالية، أين التسابق في الخيرات والمنافسة لنيل الحور العين مع أقرانك. أم أحببت الدعة والاسترخاء ومن العمل ما هو بسيط وهين وتلذ له نفسك، أما ما تكره فأنت عنه بعيد.. كلا فإن جنة الخلد ليست هدرًا: ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله هي الجنة، وأرخص شيء لهذه السلعة هي روحك التي بين جنبيك.

لقد عشنا والله مع إخوان لنا سبقونا في الإيمان كانوا يقتنصون ويتصيدون الأعمال تلو الأعمال ونحن بينهم لا نجد إلا القليل من العمل لأنهم سبقونا إليه، لقد كانوا مفاتيح خير مغاليق للشر... أقول: كان الرجل منهم ليسبقك في كل شيء في صلاته فتجده في الصف الأول ذاكرًا الله، كثير التنفل والعبادة، كما تجد أحدهم خدومًا لإخوانه إن كان معهم لا يرضى إلا أن يكون أول من تلقى عليه تبعات الأعمال.

فيا أيها الأخ الصادق کن قناصًا للخير، تبحث عن الفرصة تلو الفرصة لتعمل وتزيد الرصيد فإنا ناصحوك فنقول: 

١- كن ذاتي الاندفاع ولا تنتظر أوامر من غيرك لتعمل العمل ما لم يكن فيه إخلال للعمل الإسلامي.

٢- لا تشعر بأن العمل الذي تؤديه ثقيل عليك، بل استشعر الإخلاص أولًا ثم حلاوة الإيمان التي يلقيها الله في قلبك بعد أداء هذا العمل.

٣- كن أسرع من إخوانك في أداء أي عمل تكليفي.

٤- كثيرًا ما تجد في بعض النشاطات الفتور في أداء الأعمال وعدم التسابق نحو أدائها، فالزم همة عالية يا أخي المؤمن، فأنت داع، وهذه الصفة ليست بسيطة أو عادية، إنها صفة تدخلك الجنة، فاحرص على التسابق مع إخوانك، وإن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل.

٥- أحيانًا بدافع الخوف أو الإحراج أو الخجل لا تجد الأخ يسارع إلى العمل والتسابق فيه، واترك الخجل والخوف والإحراج فالموقف هو موقف سباق للجنة.

وأخيرًا.. نسأل الله لك التوفيق والعون.. فاشحذ همتك وكن كمن سبقك تفلح في دنياك وأخراك.

حفظك الله بما يحفظ به عباده الصالحين.

همسة على الطريق

«من سلسلة تحت أفياء المعاني»

«سئل خطيب وهو يخطب عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له ليس المنبر موضع جهل فقال: إنما علوت بقدر علمي ولو علوت بقدر جهلي لبلغت السماء».

قيل لو كتب ما يعلمه أي إنسان من علم في صحف وكتب ما يجهله هذا الإنسان نفسه في صحف، وقورنت الصحيفتان مع بعضهما، لأصبح علم هذا الإنسان كقطرة من بحر مما يجهله، والإنسان الواعي هو الذي يطلب العلم دائمًا، حتى إنه يبذل كل ماله ويهدر كل وقته وعمره في سبيل طلب العلم، حتى يأتي أجله وينتهي عمره فتكون حصيلة علمه مهما كانت ومهما اتسعت وتشعبت قليلة بالنسبة إلى العلم الذي يجهله، فقد أخبرنا الله- تبارك وتعالى- في محكم كتابه قائلا: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 85).. فكل هذه العلوم والمدنية الحديثة وما وصل إليه العلم الحديث ما هي إلا ذرة في فلاة وهذا لا يدفعنا إلى اليأس من طلب العلم لا، بل يجب أن نجد ونجتهد في طلبه فقد قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه - الآية 114) ففي هذه الآية حث على الطلب والاستزادة من العلم والآية السابقة تبين أنه مهما كان هذا الطلب وهذه الاستزادة، وفهي ما زالت قليلة بالنسبة. ولعلم الله- تبارك وتعالى-، وهذا علاج جيد ضد التباهي والغرور بالمكانة العلمية.

لا حرج. يقول صاحب المنطلق: إن العالم في مسألة الجاهل بأخرى يكون عالمًا في المسألة الأولى وجاهلًا في المسألة الثانية. إذن كل عالم في هذه الدنيا، مهما وصل من العلم، فإنه لديه من الأمور ما يجهلها، صغيرة كانت أم كبيرة، مهمة أو غير مهمة. ولرب عالم من علماء الدين أو الدنيا يجهل أمرًا يعلمه أحد العامة، وهذا ليس عيبًا وليس به من الحرج شيء إن سمع هذا العالم ما جهله من أي أحد غيره، مهما كان أقل منه علمًا.

لفتة إلى الشباب الدعاة: إن أهم ما يهم الشباب المسلم الداعية هو أن تكون لديه حصيلة كبيرة وقوية من العلم، العلم الديني أولًا ثم العلوم الدنيوية. فمن واجباته أثناء دعوته أن يتزود هو ويزود غيره بعلوم دينه، وعليه أن يتعلم الأصول والفروع حتى يكون حجة قوية في وجه أعدائه ويكون مرآة صافية لإخوانه ولمن أراد أن يقتدي به ليروا عيوبهم ونقصهم من خلاله، كذلك، عليه أن يتزود ما أمكنه بعلوم الدنيا من معلومات والثقافة العامة والعلوم السياسية والاقتصادية وغيرها. حتى يكون شخصية قوية تستطيع أن تحاكي العصر وتتمشى معه وتثبت للناس أن الشخصية الإسلامية عالمة وحاوية جميع الأمور الدينية والدنيوية وأنها تصلح فعلًا وبجدارة لقيادة البشرية وليست مقتصرة فقط على العلوم الدينية مما جعل ويجعل المسلمين متأخرين عن غيرهم.

سبيل التلقي: إن حرص الشاب الداعية على حضور الدروس والمحاضرات والندوات الثقافية والحلقات الايمانية وغيرها، كل هذا يزيد من علمه فهذه من وسائل التلقي للعلم ولهذه الوسائل ميزتها. فعندما يداوم الشاب على حضورها باستمرار، فإنه يحصل على فائدة تنوع العلوم التي يتلقاها فمن هذه الندوة حصل على معلومات عامة وسياسية، ومن تلك المحاضرة حصل على معلومات اقتصادية، ومن هذه الحلقة حصل على مفاهيم وأحكام شرعية. وهذه هي المناهل التي تصب لتنشئ الشاب الكامل كذلك لا نهمل المناقشات الفردية أو الجماعية، لأنها تعبر وتكشف علم كل متحدث في هذه المناقشة فيستفيد المسلم ما لا يعلمه من أخيه المسلم. 

عدنان الهاجري

 

الرابط المختصر :