العنوان المقولات العلمانية في المقالات البغدادية «3».. البغدادي يجهل علماء الأمة ويسفه آراءهم
الكاتب عبدالرزاق خليفة الشايجي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1996
مشاهدات 77
نشر في العدد 1227
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 26-نوفمبر-1996
يتبع د. البغدادي الذي يتباكى على البحث العلمي، ويذرف عليه دموع التماسيح أسلوب تعميم الأحكام والطعن في النيات ومن ذلك قوله في علماء الأزهر: «الأزهر ليس أمينًا على شيء ما دام لا يتكلم إلا إذا طلبت منه السلطة ذلك», وكلنا يعلم أن الأزهر كان ومازال مركزًا من مراكز الإشعاع الحضاري، ومع ما يمر به من مراحل ضعف، إلا أنه مازال له مواقف مشرفة، وليس من العدل تجريده منها، وكم من مرة صدع بالحق على خلاف ما تهوى السلطة، والتاريخ خير شاهد بل لقد ساق البغدادي مثالًا حيًا على ذلك بمنع الأزهر كتب «علاء حامد» من أن تباع في معرض الكتاب ثم سرعان ما عادت الكتب إلى المعرض بعد نصف ساعة بأمر من رئيس الجمهورية، ولكن البغدادي يقول ولعل الذي أثار علماء الأزهر على علاء حامد ليس غيرتهم على الدين، بل وصف د. عبد الرزاق الـ علاء حامد للمشايخ واستهزاؤه بهم ووصفهم بالعجز وكبر السن والثرثرة الفارغة وعدم الاتزان على نحو خطير، ولا نعتقد أنه قد أخطأ بهذا الوصف، وهذا أسلوب سامج لا يرتضيه عاقل، فتعميم الحكم والطعن في النيات خاصة في العلماء أسلوب استشراقي رضعه البغدادي من ثدي أساتذته الذين منحوه شهادة الدكتوراه ولعل علماء الأزهر يجدون مندوحة في سخرية البغدادي هذه حيث إن علماء الأمة قاطبة لم يصلوا إلى الفكر الإسلامي الناضج الذي وصل إليه سعادة الدكتور البغدادي، لذا لم يسلم عالم قط من سهام انتقاداته، ورماح جهالته فها هو البغدادي يسخر بعلماء المسلمين في مقالته معضلات الفكر السياسي الإسلامي، حيث يقول:
- «فإن علماء المسلمين احتاجوا إلى أكثر من ثلاثمائة سنة للحديث عن الأحكام السلطانية، ثم مائتي سنة أخرى للحديث بإيجاز عن السياسة الشرعية». (الوطن ٥٦٧٣)
٢- ويقول متهمًا علماء المسلمين بإقرار الظلم في مقالته الموسومة «معضلات الفكر السياسي» «لقد كان مبدأ الحفاظ على وحدة المجتمع عند الفقهاء أكثر قيمة من أعضاء المجتمع، ولم يهتموا كثيرًا بالظلم الاجتماعي، أو التوزيع اللا متكافئ للثروة في المجتمع، أو حرية التعبير، بل لا نكون مبالغين بالقول إن الفقهاء لم يهتموا حتى بالنفس الإنسانية». (الوطن ٥٦٦٧)
- ويقول أيضًا «ولقد ضحى علماء الإسلام بمنهج الإسلام في الحكم القائم على مبدأ الشورى والعدل في سبيل الحفاظ على وحدة المجتمع». (الطليعة -۱۱۲۳).
- ويقول أيضًا «خلال ثمانية قرون من التاريخ الإسلامي، لم يستطع الفقهاء خلق نظام سياسي، تستمد مشروعيته من الدين الإسلامي نفسه» «الطليعة -١١٢٣».
اتهام البغدادي للفقهاء بفشلهم في وضع صيغة لضبط السياسة يقول في مقالة «في الدين والسياسة 1/2»: «ونتساءل: هل كان بإمكان الفقهاء أن يقوموا بتطوير الفكر السياسي وهم لا يملكون النص الديني الذي يعينهم على ذلك؟ وأقصد بذلك أن الجانب السياسي في القرآن والسنة ليس واضحًا وقاطعًا مثل الحدود أو المواريث، بل إن كثيرًا من قضايا السلطة لا أحكام فيها مثل كيفية نشأة السلطة، وكيفية الوصول إليها، ومدى شرعيتها، وكيفية إنهائها، وهل يجوز تقسيمها إلى أكثر من سلطة ومع غياب هذا الوضوح القاطع توقف الفقهاء عن الاجتهاد في هذه القضايا، وقبلوا بكل خليفة وبكل ما يفعله الخليفة باعتباره ممثل الأمة مادام لم يأمر بمعصية الخالق، وللأسف استخدمت الأحاديث النبوية لحث المسلمين على الصبر تجاه الظلم والانتظار للمحاسبة يوم الدين، وكانت نتيجة هذا كله أن أصبح الاستبداد السياسي السمة الأساسية لتاريخ دار الإسلام.
هل أصبحت العلاقة بين الدين والسياسة أفضل حالًا في العصر الحديث؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في المقال القادم بإذن الله». (الأنباء 10/2/1996م, عدد ۷۰۹۳)
ويقول في نفس المقالة: «وجاء المسلمون إلى سقيفة بني ساعدة للبحث فيمن يكون القائد، ونجحوا إلى حد كبير في واد النزاع الذي انفجر بعد ربع قرن بين المسلمين أنفسهم أصحاب السقيفة وكان من الطبيعي أن يحدث هذا الصراع بين الصحابة على السلطة أو الخلافة لأنهم فشلوا في صياغة مفهوم الشورى بصورة مؤسساتية وأصبح الفرد - الخليفة العمود الفقري للمجتمع الإسلامي، وكان من الطبيعي ألا يفكروا في كيفية تناوب السلطة من خلال مفهوم الشورى، لأنهم كانوا دون تراث سياسي فلسفي يعينهم على التفكر كما هو حال اليونان كما يتبين من الفتوحات الجغرافية، ولم تكن أبدًا دولة مدنية».
كما سب البغدادي الفقهاء بدينهم حيث يقول في مقاله «تسييس الدين» ومن يقرأ كتب الأحكام السلطانية بشكل عام يجد تسييسًا للدين بشكل واضح يصل بالإنسان العادي إلى الاقتناع التام بأن فقهائنا السابقين لم يكونوا خاضعين للشؤون الدينية بما فيه الكفاية ليضعوا الأمور في نصابها الصحيح بالنسبة لعلاقة السياسة بالدين. (الانباء 12/10/1995م, عدد ۷۳۳۲)
ويقول في مقاله «الدين والسياسة: تصحيح مفاهيم مغلوطة 1/2): «الإجابة تتمثل في حقيقة تجاهل المجتمع لدور الدين في الممارسات السياسية، خاصة مع تدهور مكانة الخلافة في دار الإسلام، وتنامي دور الأمراء والسلاطين حتى حدث الانشقاق بين الخليفة والسلطان، فالأول يمثل السيادة الأسمية ولا يملك شيئًا، والثاني يملك السلطة وليس له من السيادة شيء. ومن البديهي أن السلطة أهم من السيادة، وكان من الطبيعي أن يجند الفقهاء أقلامهم لإضفاء الشرعية على هذه الازدواجية، فكانت النتيجة أن نجحوا في وضع جميع التبريرات الشرعية لكل الأخطاء التاريخية» (الأنباء14/10/1995م, عدد ٦٩٧٦).
5-بل وصلت به الجرأة إلى تخطئة عموم العلماء في مقالته المعنونة «دراسة في أسباب السقوط»:
- تطاوله على ابن تيمية: «على الرغم من مرور سبعة قرون إلا أننا نجد أن ابن تيمية يكرر نفس الخطأ الذي وقع فيه الصحابة والتابعون، وعلماء الإسلام الذين ألفوا في الإمامة». (الطليعة -١١٢٣).
- ويقول في دراساته «أسباب السقوط»: «ويظهر أن ابن تيمية وابن القيم اعتبرا ذلك - أي السلطة التي يجب أن تحقق السياسة الشرعية - تحصيل حاصل مادام الحاكم مسلمًا، دون أن يعيا حقيقة الإشكال الكامن في السلطة الاستبدادية». (الطليعة ١١٣٣).
وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه لا يحتاج إلى تزكيتك العلمية يا بغدادي فقد شهد له الأعداء قبل الأصدقاء بالإمامة والعلم وجودة التصانيف, وتنوعها وحاجة الناس إليها, بل مازال فكره الأصيل يوجه دفة الصحوة الإسلامية المباركة الوجهة الصحيحة... حقًا لقد صدق القائل:
لقد هزلت حتى بدا من هزالها *** كلاها وحتى سامها كل مفلس
- يقول د. البغدادي متهمًا الإمام الماوردي بالعمالة للسلطة: «لقد ضحى الماوردي بمبدأ الشورى من حياة المجتمع الإسلامي كلية على مذبح السلطة التي تدعي الخلافة مناقضًا الوحي الناص على «أمرهم شورى بينهم» «الطليعة - ١١٢٣».
4-ويقول أيضًا: «وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الماوردي قد عبر من الناحية الفكرية عن تحليل بنية السلطة والبحث عن مشروعيتها حتى يتسنى له إقامة نظام سياسي قائم على الشريعة وسعى بدلًا من ذلك إلى تقديم التبريرات الشرعية لتاريخ سابق على وجوده، فما ذلك إلا لأن الماوردي أحد فقهاء السلطة، وما كان ليستطيع أن يعلن عدم شرعية الخلافة العباسية لأن الإنسان لا يقطع اليد التي تطعمه» «الطليعة -۱۱۲۳».
5-ويقول البغدادي في مقاله «تسييس الدين» منهما الماوردي بأنه كتب ما كتب لأسباب سياسية وليست شرعية: «فإنه يمكننا الاستنتاج بكل يسر, إن ما كتبه حول ولاية العهد لثلاثة ليس إلا لأسباب سياسية وليست شرعية».
6-ويقول أيضًا: «وبتعبير بسيط جدًا، إن ما فعله الماوردي هو إخضاع الدين لمتطلبات السياسة؟ ولم يعترض عليه أحد ممن جاء بعده حتى ابن تيمية ذاته على ورعه وتقواه».
7-ويقول في موضع ثالث: «لكن الماوردي تعمد تحاشي ما ورد في التاريخ الإسلامي، حين امتنع سعيد بن المسيب عام ٨٥ عن أن يبايع في حياة الخليفة عبد الملك» (مقاله تسييس الدين -الأنباء 12/10/1995م، عدد ۷۳۳۲).
8-ويعود البغدادي في مقاله (الدين والسياسة تصحيح مفاهيم مغلوطة1/2) متهمًا الماوردي استخدام الدين لتبرير السياسات الخاطئة: «الإجابة تتمثل في حقيقة تجاهل المجتمع لدور الدين في الممارسات السياسية، خاصة مع تدهور دور مكانة الخلافة في دار الإسلام وتنامي دور الأمراء والسلاطين حتى حدث الانشقاق بين الخليفة والسلطان، فالأول يمثل السيادة الأسمية ولا يملك شيئًا، والثاني يملك السلطة وليس له من السيادة شيء, ومن البديهي أن السلطة أهم من السيادة، وكان من الطبيعي أن يجند الفقهاء أقلامهم لإضفاء الشرعية على هذه الازدواجية، فكانت النتيجة أن نجحوا في وضع جميع التبريرات الشرعية لكل الأخطاء التاريخية، ونجح الماوردي وكل الذين جاءوا من بعده في استخدام الدين لتبرير السياسات العملية الخاطئة، وهذا يفسر التوسع في استخدام قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، لتبرير كل خطأ, حتى حصلت إمارة التغلب بالسيف ووراثة السلطة على الشرعية الدينية». (الأنباء 14/10/1995, عدد ٦٩٧٦)
9-استهزاؤه بالإمام البخاري: يقول البغدادي في مقاله (الدين والفكر الديني 3/3) متهمًا الإمام البخاري بالجبن, ويذكر الكرماني في ترجمة حياة البخاري ما نصه في الجزء 1/12 وحين وقعت الفتنة واشتدت المحنة في مسألة خلق القرآن رجع من بغداد إلى بخاري فتلقاه أهلها في تجمل عظيم ومقدم كريم وبقي مدة يحدثهم في مسجده، فأرسل إليه أمير البلد أن يأتيه بالصحيح ويحدثهم به في قصره فامتنع البخاري من ذلك, فحصلت وحشة بينهما فأمره الأمير بالخروج من البلد ولما خرج من بخاري كتب إليه أهل سمرقند يخطبونه إلى بلدهم فسار إليهم فلما كان في قرية خرتنك بلغه أنه وقع بينهم بسببه فتنة لا ندري ما هي حيث إن الكاتب لم يذكرها, فقوم يريدون دخوله وقوم يكرهونه, فأقام بها حتى ينجلي الأمر فضجر ليلة ودعا: اللهم قد ضاقت عليا الأرض بما رحبت فاقبضني إليك فمات في ذلك الشهر، فإن قلت كيف استجاز الدعاء بالموت وقد خرج هو في صحيحه «لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به» قلت: نسوا بأن المراد بالضر هو الدنيوي، أما إذا نزل به ضر ديني فإنه يجوز تمنيه خوفًا من تطرق الخلل في الدين، ونقول إن هذا التهرب من الإجابة على السؤال الصعب هو ديدن فقهاء المسلمين وعلمائهم حين يظهر التناقض بين أقوالهم وأفعالهم، حتى البخاري لم ينج من ذلك.
ونضيف إلى ذلك أن ما ذكره الكرماني دليل عدم شجاعة البخاري في المحنة التي تعرض لها الفقهاء والعلماء، وكان الواجب عليه التصدي لقضية القرآن مادام لديه أصح الكتب بعد القرآن كما يدعون, كان الواجب عليه تحريض المسلمين في ذلك الوقت من خلال ما ورد في الأحاديث حول هذا الموضوع ضد الخليفة المأمون. (السياسة 11/6/1995م, عدد -٩٥٦٤).
10. أما ابن خلدون فهو في نظر البغدادي علماني من الطراز الأول يقول البغدادي في مقاله (الدين والسياسة: تصحيح مغلوطة 1/2) «ابن خلدون مفكر إسلامي، وله كتابه الشهير المعروف بـ «المقدمة» يعد أساس علم الاجتماع السياسي أو علم العمران حيث يشرح ابن خلدون كيفية نشأة الدولة وسقوطها اعتمادًا على التحليل العلمي للتاريخ السياسي الخاص بالدول الإسلامية، ولم يعتمد ابن خلدون على الأدلة الشرعية من قرآن أو سنة نبوية، فالعصبية التي اعتمدها في مفاهيم تفسير نظريته لا أساس لها في السياسة الشرعية ولم يقل بها أحد من الفقهاء قبله، كما لم يعتمدها الفقهاء بعده، هذا إن لم تناقض المفاهيم الإسلامية الخاصة بضرورة نبذ العصبية القبلية باعتبارها إرثًا جاهليًا تجاوزه الإسلام ولو أردنا الصدق فلا مناص من الاعتراف بأن فكر ابن خلدون بعد فكرًا علمانيًا، حيث إنه شرح نظريته بعيدًا عن الدين أو لنقل أنه لم يجد في الشروح الدينية ضالته، ولم يجد حرجًا في استخدام التفسير العقلي لنشأة وسقوط الدولة، كما لم يكلف نفسه عناء البحث في الدين». (الأنباء14/10/1995م عدد ٦٩٧٦) للحديث بقية