; المقصود من الجهاد: | مجلة المجتمع

العنوان المقصود من الجهاد:

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-نوفمبر-1973

مشاهدات 1

نشر في العدد 174

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 06-نوفمبر-1973

-رضي الله عنه- قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: «ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمي، اللون لون الدم والريح ريح المسك» متفق عليه وعن أنس رضي الله عنه -أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» رواه أحمد والنسائي وصححه الحاكم، وفي الصحيحين عن النبي- صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي العمل أفضل، قال: «إیمان بالله ورسوله »قيل ثم ماذا، قال: «الجهاد في سبيل الله» قيل ثم ماذا، قال: «الجهاد في سبيل الله» قيل ثم ماذا، قال: «حج مبرور»، وعن أبي عبس بن جبر الأنصاري- رضي الله عنه قال قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «ما أغبرت قدمًا عبد في سبيل الله فتمسه النار» رواه البخاري في صحيحه، وفيه أيضًا عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض»، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرةـ رضي الله عنه- قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يفز ولم يحدث نفسه به مات على شعبة من نفاق»، وعن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه شيء حتى ترجعوا إلى دينكم» رواه أحمد وأبو داود وصححه ابن القطان، وقال الحافظ في البلوغ رجاله ثقات. والأحاديث في فضل الجهاد والمجاهدين وبيان ما أعد الله للمجاهدين الصادقين من المنازل العالية، والثواب الجزيل، وفي الترهيب من ترك الجهاد والأعراض عنه كثيرة جدًا، وفي الحديثين الآخرين، وما جاء في معناهما الدلالة على أن الإعراض عن الجهاد وعدم تحديث النفس به من شعب النفاق، وأن التشاغل عنه بالتجارة والزراعة والمعاملات الربوية من أسباب ذل المسلمين وتسليط الأعداء عليهم كما هو الواقع، وأن ذلك الذل لا ينزع عنهم حتى يرجعوا إلى دينهم بالاستقامة على أمره والجهاد في سبيله فنسأل الله أن يمن على المسلمين جميعًا بالرجوع إلى دينه وأن يصلح قادتهم ويصلح لهم البطانة ويجمع كلمتهم على الحق ويوفقهم جميعًا للفقه في الدين والجهاد في سبيل رب العالمين حتى يعزهم ويرفع عنهم الذل، ويكتب لهم النصر على أعدائه وأعدائهم إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

المقصود من الجهاد:

الجاهد جهادان، جهاد طلب، وجهاد دفاع، والمقصود منهما جميعًا هـو تبليغ دين الله ودعوة الناس إليه وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وإعلاء دين الله في أرضه وأن يكون الدين كله لله وحده كما قال عز وجل في كتابه الكريم من سورة البقرة: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ (البقرة: 193)

وقال في سورة الأنفال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ. (الأنفال: ٣٩).

وقال عز وجل في سورة التوبة: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. (التوبة: ٥).

والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله عز وجل» متفق على صحته من حديث ابن عمرـ رضي الله عنهما، وفي الصحيحين عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا الله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله»، وفي صحيح مسلم عنه أيضًا- رضي الله عنه- قال قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به»، وفي صحيح مسلم أيضًا عن طارق الأشجعي- رضي الله عنه- قال قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل»، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وفى هذه الآيات والأحاديث الدلالة الظاهرة على وجوب جهاد الكفار والمشركين وقتالهم بعد البلاغ والدعوة إلى الإسلام، وإصرارهم على الكفر حتى يعبدوا الله وحده ويؤمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ويتبعوا ما جاء به، وأنه لا تحرم دماؤهم وأموالهم إلا بذلك وهي تعم جهاد الطلب، وجهاد الدفاع، ولا يستثنى من ذلك إلا من التزم بالجزية بشروطها إذا كان من أهلها عملًا بقول الله عز وجل: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ . (التوبة: ٢٩).

وثبت عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه أخذ الجزية من مجوس هجر، فهؤلاء الأصناف الثلاثة من الكفار وهم اليهـود والنصارى والمجوس ثبت بالنص أخذ الجزية منهم فالواجب أن يجاهدوا ويقاتلوا مع القدرة حتى يدخلوا في الإسلام أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، أما غيرهم فالواجب قتالهم حتى يسلموا في أحد قولي العلماء لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- قاتل العرب حتى دخلوا في دين الله أفواجًا، ولم يطلب منهم الجزية، ولو كان أخذها منهم جائزًا تحقن به دماؤهم وأموالهم لبينه لهم، ولو وقع ذلك لنقل. وذهب بعض أهل العلم إلى جواز أخذها من جميع الكفار لحديث بريدة المشهور في ذلك المخرج في صحيح مسلم، والكلام في هذه المسألة وتحرير الخلاف فيها وبيان الأدلة مبسوط في كتب أهل العلم من أراده وجده، ويستثنى من الكفار في القتال النساء والصبيان والشيخ الهرم ونحوهم ممن ليس من أهل القتال ما لم يشاركوا فيه فإن شاركوا فيه أو ساعدوا عليه بالرأي والمكيدة قوتلوا كما هو معلوم من الأدلة الشرعية، وقد كان الجهاد في الإسلام على أطوار ثلاثة، الطور الأول: الإذن للمسلمين في ذلك من غير إلزام لهم به كما في قوله سبحانه ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. (الحج: ٣٩).

الطور الثاني: الأمر بقتال من قاتل المسلمين والكف عمن كف عنهم، وفي هذا النوع نزل قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (البقرة: ٢٥٦).

وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ. (الكهف: ٢٩).

وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. (البقرة: ١٩٠).

في قول جماعة من أهل العلم وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (النساء: ٨٩ - ٩٠).

والآية بعدها، الطور الثالث: جهاد المشركين مطلقًا وغزوهم في بلادهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ليعم الخير أهل الأرض وتتسع رقعة الإسلام ويزول من طريق الدعوة دعاة الكفر والإلحاد وينعم العباد بحكم الشريعة العادل، وتعاليمها السمحة وليخرجوا بهذا الدين القويم من ضيق الدنيا إلى سعة الإسلام، ومن عبادة الخلق إلى عبادة الخالق سبحانه، ومن ظلم الجبابرة إلى عدل الشريعة وأحكامها الرشيدة، وهذا هو الذي استقر عليه أمر الإسلام وتوفي عليه نبينا محمد- عليه الصلاة والسلام- وأنزل الله فيه قوله عز وجل في سورة براءة وهي من آخر ما نزل: ﴿ فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ . (التوبة: ٥).

وقوله سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ (الأنفال: ٣٩).

والأحاديث السابقة كلها تدل على هذا القول وتشهد له بالصحة، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الطور الثاني وهو القتال لمن قاتل المسلمين والكف عمن كف عنهم قد نسخ لأنه كان في حال ضعف المسلمين فلما قواهم الله وكثر عددهم وعدتهم أمرهم بقتال من قاتلهم ومن لم يقاتلهم حتى يكون الدين لله وحده أو يؤدوا الجزية إن كانوا من أهلها، وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن الطور الثاني لم ينسخ بل هو باق يعمل به عند الحاجة إليه، فإذا قوي المسلمون واستطاعوا بدء عدوهم بالقتال وجهاده في سبيل الله فعلوا ذلك عملا بآية التوبة وما جاء في معناها أما إذا لم يستطيعوا ذلك فإنهم يقاتلون من قاتلهم واعتدى عليهم، ويكفون عمن كف عنهم عملًا بآية النساء وما ورد في معناها، وهذا القول أصح وأولى من القول بالنسخ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-  وبهذا يعلم كل من له أدنى بصيرة أن قول من قال من كتاب العصر وغيرهم أن الجهاد شرع للدفاع فقط قول غير صحيح والأدلة التي ذكرنا وغيرها تخالفه، وإنما الصواب هو ما ذكرنا من التفصيل كما قرر ذلك أهل العلم والتحقيق، ومن تأمل سيرة النبي- صلى الله عليه وسلم- وسيرة أصحابه-رضي الله عنهم- في جهاد المشركين أتضح له ما ذكرنا وعرف مطابقة ذلك لما أسلفنا من الآيات والأحاديث، والله ولي التوفيق.

«البقية في العدد القادم»

الرابط المختصر :