العنوان المقاومة في عيون صهيونية
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2003
مشاهدات 70
نشر في العدد 1575
نشر في الصفحة 31
السبت 01-نوفمبر-2003
في سياق التقرير الأسبوعي الدوري الذي يصدره مركز دراسات الشرق الأوسط بعمان حول الشؤون الصهيونية، يشير التقرير رقم ٣٨ بتاريخ ١١/١٠/٢٠٠٣م إلى صدور العدد الثاني من المجلد السادس من فصلية «تقديرات استراتيجية» عن مركز جافي للدراسات الاستراتيجية بجامعة تل أبيب الذي يتضمن خمس دراسات استراتيجية معمقة من ضمنها دراسة تتحدث عن ظاهرة الاستشهاديين باعتبارها السلاح الاستراتيجي الذي نسف معادلة الصراع القديمة التي كانت قائمة بين الطرفين واستبدل بها معادلة تعتمد مبدأ توازن الرعب برغم الاختلال الكبير في ميزان القوى.
يؤكد الباحثان الصهيونيان شموئيل كيمحي وشموئيل إيفن اللذان أعدا دراسة «الفدائيون الفلسطينيون» أن ظاهرة المقاومة الفلسطينية- برغم البيئة الدولية والإقليمية السائدة- تشكل تهديدًا استراتيجيًا لـ«إسرائيل» بسبب العدد الكبير من المصابين وحجم التأثير الكبير الذي تمارسه على السكان وعلى الحياة اليومية هناك خاصة أن المجتمع الصهيوني بتركيبته «مجتمع هجرة» قصير النفس ولا يحتمل تبعات صراع يقوم على سياسة الاستنزاف.
وفي محاولة لتفكيك الظاهرة يحدد الباحثان ثلاثة مكونات لكل هجوم استشهادي وفق الرؤية الصهيونية:
- وجود فاعل مشحون بالرغبة ولديه الحافز لتنفيذ الهجوم.
- توافر منظومة وبنية تحتية تقنية لديها القدرة على التخطيط لتنفيذ الهجوم.
- اتخاذ قرار بالتنفيذ تحت سيطرة الذين يديرون تلك المنظومة.
و من خلال دراسة حالات مختلفة للاستشهاديين سعيًا لتحليل الظاهرة عمل الباحثان على تقسيمها إلى نماذج نمطية أربعة:
- المتعصب الديني.
- المتعصب القومي.
- الباحث عن الانتقام.
المتلقي أوامره من المنظمات.
وقدر الباحثان أن قاعدة هذه الظاهرة والبيئة التي تفرزها في سياق جمعي ومساندة شعبية عريضة تتمثل في الرأي العام الفلسطيني والزعماء الدينيين المحليين والوطنيين والأوساط المتعاطفة ماليًا مع عائلة الاستشهادي وكذلك نظام التربية السائد في أوساط الفلسطينيين القائم على الكراهية لـ«إسرائيل» وهي بيئة اجتماعية شاملة يمكن الإشارة إليها كـ«تراث للفدائيين» صنع في الوسط الفلسطيني مناخًا متعاطفًا ومادحًا لهذه الظاهرة القائمة على التضحية.
ورغم محاولة الفهم والجهد لتفكيك الظاهرة سعيًا لإعطاب شفرتها المعقدة التي أوجعت المفاصل الاستراتيجية للكيان الصهيوني وتمكنت من تحييد نظرية الردع التي تشكل عماد نظرية الأمن الصهيونية الشاملة إلا أن «الشموئيلان» اعترفا بأن الظاهرة معقدة ولا يمكن تحليلها بواسطة علم النفس أو علم النفس الاجتماعي السريري.
القارئ لموجز الدراسة يلمح بعض الارتباك في مفرداتها ومنهجها، رغم محاولة الباحثين النزوع للروح العلمية في تناول الظاهرة وواضح أن الدراسة تغمض عينيها بشكل متعمد عن جوهر الصراع وطبيعته وهو السياق الكلي اللازم لفهم هذه الظاهرة.
ولا حاجة للإشارة هنا إلى أن الاستشهاديين لا يمثلون حالة اجتماعية شاذة وسط مجتمع واحد، وبالتالي فهم ليسوا حالة جنائية لكي يمكن دراستهم بأدوات علم النفس الاجتماعي، فهؤلاء- بحسب الخطاب الثقافي الإسلامي الذي تجاهله «الشموئيلان» عمدًا – مجاهدون استشهاديون وهم مقاومون للاحتلال وفق القانون الدولي.
لكن العتب الأكبر ليس على الصهاينة لأنهم لم يفهموا الظاهرة أو تغابوا عن فهمها- ولا عتاب لعدو- إنما هو للعرب والمسلمين الذين يفهمونها بالتأكيد ولكنهم لم يقدروها حق قدرها ولم يعملوا كما ينبغي لدعمها وتكثيفها باعتبارها السلاح الوحيد الذي يدعم أطروحة الرفض والصمود في مواجهة مشروع التسوية والاستسلام.
معطيات الأمم المتحدة تشير إلى أن ٦٠٪ من عائلات المدن و٧٠٪ من عائلات القرى في الضفة الغربية وقطاع غزة تعيش تحت خط الفقر- وفقًا للبنك الدولي دولاران يوميًا أو أقل- ومع ذلك صنعوا ظاهرة الاستشهاديين التي هزت قاعدة المشروع الصهيوني وأنتجت خلخلة في بنية المجتمع الصهيوني اجتماعيًا وسياسيًا بشكل غير مسبوق بشهادات من داخل الكيان نفسه.
وفي صورة تختزل الوجع الصهيوني وتبدي قوة المقاومة في معادلة الصراع القائمة يقول والد الجندي الذي قتل مع أفراد دوريته بالكامل في قرية يبرود «روعي يعقوب سولون» بحسب صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية: إنهم بعثوا بهم ليكونوا مثل الأوز في ميدان التدريب على إطلاق النار.. أي عار هذا لجيشنا؟
وفي شريحة أخرى تنبئ عن تدني الروح المعنوية يقول الكاتب الصهيوني شالوم بروشالمي بمقال له في معاريف بتاريخ ٢٠/١٠/٢٠٠٣م تعقيبًا على اتفاقية سويسرا التي يصفها اليمين الصهيوني بالتفريط وكذلك الاستدعاء الأخير للاحتياط: «من يتلقى أمر تجنيد استثنائي لغرض حراسة المستوطنات، مستعد في ذات اللحظة أن يشتري اتفاق سويسرا بل وربما أن يوقع على الميثاق الفلسطيني، ومستعد لأن يتنازل في ذات الثانية حتى عن المبكى».
وفي مقال للمحلل الصهيوني يهودا ليطاني في يديعوت أحرونوت في ٩/١٠/٢٠٠٣م يتحدث عن تقرير نشر في صحيفة نيويورك تايمز من إعداد جينيفر بلير بعنوان «منفی شباب إسرائيليين، تخفيف ضغط» يتضمن التقرير تحقيقًا عن شبان تركوا «إسرائيل» بعشرات الآلاف ويعيشون حاليًا في نيويورك ولوس أنجلوس وميامي هربًا من الوضع الأمني هناك.. وتعقيبًا على ذلك يقول ليطاني: إن هؤلاء الشباب ملح الأرض.. ولكنهم أداروا الظهر بسبب اليأس ولاعتقادهم أنهم يبذرون حياتهم في نزاع لا طائل منه، وليس ثمة ما يدل على قرب حله في السنوات القادمة وإنما يتفاقم.. ويختم بتوقعه أن تخسر «إسرائيل» هذه المعركة التي يسميها «معركة على قلب أبنائنا».
هذا وجعهم وهو غيض من فيض، فأين دعمكم؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل