; المقاطعة العربية... والسوق الشرق أوسطية | مجلة المجتمع

العنوان المقاطعة العربية... والسوق الشرق أوسطية

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-1994

مشاهدات 66

نشر في العدد 1082

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 04-يناير-1994

أعد هذا الملف:

أحمد منصور- الكويت

د. توفيق الشاوي- القاهرة

شعبان عبدالرحمن- القاهرة

محمد الغمقي- باريس

فهد العوضي- لندن

 

أوهام الكيان الصهيوني

أوهام الكيان الصهيوني في إقامة السوق الشرق أوسطية التي تتزعمها إسرائيل في المنطقة ليست وليدة الأمس أو اليوم، ولكنها كانت ضمن بنود اتفاقية كامب ديفيد التي وقعها السادات مع بيجن عام ١٩٧٩م، لكن توقيع منظمة التحرير على اتفاق المبادئ في واشنطن جعل القضية تطفح على السطح من جديد. وتتلخص أحلام إسرائيل من إقامة السوق الشرق أوسطية، في أن تصبح إسرائيل دولة ضمن دول المنطقة في كافة الأنشطة والمجالات، وأن تفتح لها الأسواق وتصبح لها الهيمنة على الدول العربية والإسلامية المحيطة بها اقتصاديا، علاوة على هيمنتها العسكرية القائمة بالفعل. وكما تدعم الولايات المتحدة إسرائيل في التفوق النوعي العسكري على الدول العربية فإنها تدعمها كذلك في التفوق النوعي اقتصاديا، وتمارس ضغوطها على كافة الدول العربية لرفع المقاطعة العربية عن إسرائيل تمهيدا لقيام السوق الشرق أوسطية.

ومن خلال معطيات الواقع وآراء المحللين والمراقبين الاقتصاديين العرب والدوليين أعددنا هذا الملف لنتعرف على أبعاد تلك السوق التي تسعى إسرائيل لتزعمها، وهل ستصبح هذه السوق من خلال معطيات الواقع حقيقة أم ستحولها الشعوب الإسلامية إلى درب من دروب الخيال؟

 

ملف العدد

من كامب ديفيد حتى أول شركة مشتركة..

السوق الشرق أوسطية «كلمة السر» لإسرائيل الكبرى!

علاقة المشروع التاريخية بالموقف العربي.. ودور د. مصطفى خليل ود. يوسف والي

  • دراسة أمريكية متخصصة تحدد التصور الأمريكي و«مارتن أنديك» يكشف عن السبب في إشراك تركيا بالذات.
  • د. عبدالمنعم المشاط: إدماج إسرائيل في دول الجوار العربي والبحث عن «الأصولية» العدو البديل.
  • د. جلال أمين: إذا دخلت إسرائيل معنا في علاقات اقتصادية وهي متفوقة تكنولوجيا فسوف تخضعنا في تطورنا الثقافي لنمط الحياة والمصالح الصهيونية.

نبرة الحديث عن السوق «الشرق أوسطية» تزداد ارتفاعا منذ اتفاقية غزة- أريحا.. بل إن كثافة وإيقاع هذا الحديث تتدفق بسرعة لدرجة تجعل المتابع لهذا المشروع يرى أن موضوع الساعة بحق هو هذا السوق، خاصة أن الكلام عنه تحول من التلميح إلى التصريح.. ومن الكلام عن شيء سيقع إلى حقيقة أصبحت شبه موجودة وملموسة.. ففي منتصف شهر «أكتوبر» أعلن في القاهرة عن مولد النواة الأولى لهذا السوق في شكل تجمع اقتصادي عربي مع الصهاينة يضم مصريين وعربا وصهاينة، وقد جاء هذا الإعلان عقب مؤتمر اقتصادي مغلق نظمته السفارة الإسرائيلية بالقاهرة وجمعية رجال الأعمال المصريين والعرب «مقرها أمريكا» يرأسها محمد الجزار، وحضره العديد من رجال الأعمال المصريين والعرب والصهاينة؛ أعلن فقط منهم الدكتور عبدالرحمن البيضاني رجل الأعمال اليمني، والنائب السابق لأحد رؤساء اليمن، وإبراهيم آدم، ورجل أعمال مصري مقيم «بألمانيا»، والدكتور أحمد الصفتي «مصري»، وإسحاق إيشيل «صهيوني».. ولم يعلن عن بقية أسماء المشاركين.

ومع أن منظمي المؤتمر عقدوا في نهايته مؤتمرا صحفيا حضرته «المجتمع» إلا أنهم أصروا على رفض ذكر أية معلومات مفيدة عن هذا التجمع واكتفوا فقط بالإعلان للصحفيين عن تأسيس شركة متعددة الجنسية قالوا إنهم سجلوها في أمريكا، كما رفضوا الإعلان عن الشركاء العرب أو جنسياتهم أو رأس المال المدفوع.

فقط ومع الضغط كشف «إسحاق إيشيل» بعض التفاصيل فقال: إن هذا التجمع يعمل منذ سنة كاملة، وأنه ليس في حل من ذكر أسماء أو جنسيات أو دول الشركاء العرب. وقال: إن الشركة ستكون مفتوحة لكل رجال الأعمال في المنطقة وأنها لا تتعامل سوى في المشروعات الضخمة والإستراتيجية ذات الربح الكبير، وأنها تقبل الشركاء الجدد وأفكارهم واقتراحاتهم.

هذا هو آخر فصول «السوق الشرق أوسطية» حتى الآن.. وحتى نرى فصولا أخرى.. تعالوا نتعرف سريعا على تطورات فكرته.. وآثارها على المنطقة.

فكرة المشروع

فمشروع السوق الشرق أوسطية لم يكن وليد المباحثات العربية الصهيونية، وإن كنا بدأنا نسمع عنه عقب بدء هذه المباحثات.. الفكرة ولدت في مفاوضات كامب ديفيد -حسب تأكيدات الدكتور عبدالمنعم المشاط أستاذ السياسة بجامعة القاهرة- فكل المشروعات المطروحة حاليا في مشروع السوق سبق أن تضمنتها وثيقة أمريكية في مفاوضات كامب ديفيد بعنوان: «مشروعات التعاون في الشرق الأوسط» وتتحدث عن مشروعات مشتركة في مجالات النقل والكهرباء.

ثم تطورت الفكرة بعد ذلك إلى ما سمي بمشروع «مارشال العربي» الذي طرحه الدكتور مصطفى خليل رئيس وزراء مصر الأسبق ونائب رئيس الحزب الوطني الديمقراطي ومهندس التطبيع مع الصهاينة منذ ثماني سنوات «١٩٨٥م»، والذي كان يحرص على أن يلبسه الثوب العربي خوفا من الانتقادات القوية في الأوساط العربية، ورغبة في تمرير فكرة إقامة المشاركة فيه ستحصل على دعم يصل إلى ٣٠ مليار دولار.

وبعد تردي الأوضاع العربية وتغيير الموازين في غير صالح العرب خاصة في السنوات الأخيرة، جاء الإعلان عن ظهور مشروع «السوق الشرق أوسطية» على لسان يوسف والي نائب رئيس الوزراء ووزير الزراعة والأمين العام للحزب الوطني المصري، وهو أحد أقطاب التطبيع مع الصهاينة.. وبالطبع ذكر الدكتور والي بصراحة أن إسرائيل ستكون طرفا أساسيا فيه، مؤكدا أن مؤيدي التعاون مع الصهاينة أصبحوا لا يحتاجون إلى التخفي في الرداء العربي ليعلنوا أسماء على غير حقيقتها!

من هنا فإن الإعلان عن «السوق الشرق أوسطية» فجأة لم يكن زلة لسان أو فكرة أطلقت في الهواء، لكنها خطة ممتدة من مرحلة إلى أخرى وما يؤكد ذلك هو انعقاد أكثر من لقاء تحت نفس العنوان.. فقد التقى الدكتور والي مع أعضاء الغرفة التجارية المصرية- الإسرائيلية وقال خلال اللقاء: إن تكتلا اقتصاديا يضم مصر وإسرائيل والدول العربية يحقق الكفاءة الاقتصادية ويحسن شروط التعامل مع العالم الخارجي.

إن الإدارة الأمريكية تؤيد هذا التوجه لخلق سوق كبيرة تعطي أمريكا جزءا كبيرا من احتياجاتها الصناعية والزراعية والخدمية. وفي نفس الاتجاه سافر وفد من وزارة الزراعة المصرية إلى الولايات المتحدة للتفاوض مع خبراء المعهد الدولي لبحوث سياسات الغذاء لبحث نتائج إنشاء السوق على الأمن الغذائي في المنطقة.

والي يشرح الفكرة بمحاورها الثلاثة

وفي شهر مارس الماضي طرح الدكتور والي الفكرة بمزيد من التفاصيل مستعرضا محاورها التي تقوم على ثلاثة محاور: التكنولوجيا الإسرائيلية، والعمالة المصرية، والتمويل الخليجي. وهنا ينبغي أن نتذكر جيدا كيف تطورت أزمة البطالة في مصر، وكيف ساهمت السياسات الدولية وخاصة سياسات صندوق النقد الضاغطة والتي صعدت من حدة هذه الأزمة حتى صار عدد العاطلين في مصر يزيد على ٣ ملايين عاطل من كل الفئات، وبينهم ٢٢ ألف مهندس من كل التخصصات. ولذلك فإن مصر لا يمكن أن تتقاعس عن تشجيع فكرة هذا السوق لأنها على الأقل ستحل لها مشكلة البطالة التي تمثل قنبلة موقوتة.. وفي نفس الوقت الذي تم فيه دفع أزمة البطالة في مصر للتفاقم حتى تقبل مصر فكرة السوق بتلهف كبير، كانت آفاق التعاون بين أمريكا والصهاينة في مجال تبادل التكنولوجيا تقطع شوطا كبيرا في اتجاه رفع مستوى التكنولوجيا لدى إسرائيل حتى تكون جاهزة تماما لأن يكون إسهامها في السوق بالتكنولوجيا، في الوقت الذي حظرت هذه التكنولوجيا على العرب، ولن نكون في حاجة إلى القول: إن العلاقات الأمريكية- الخليجية في وضع يمكنها من جعل بعض دول الخليج تسهم في هذه السوق بالتمويل.

وبينما يبرر الدكتور يوسف والي قيام هذه السوق بمواجهة التكتلات الاقتصادية القائمة في أوروبا وأمريكا وجنوب شرق آسيا.. قال الدكتور مصطفى خليل في أول ندوة نظمها مركز دراسات الشرق الأوسط بالتعاون مع جامعة هارفارد الأمريكية ومؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية في مايو الماضي عن التعاون الاقتصادي الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، قال الدكتور مصطفى: إن السلام ليس هو الأمل فقط، ولكنه الطريق الوحيد للتنمية، ومن هنا تأتي أهمية المشاريع المشتركة بين العرب وإسرائيل ودولة أخرى في المنطقة «تركيا».

حرب الإسلام.. والعدو البديل

لكن الدكتور عبدالمنعم المشاط يرى أن الهدف الرئيسي لهذه السوق هو العلاج الجماعي للشعب وفقا لتصورات الساسة الأمريكيين الذين يرون أن إقامة مشروعات جماعية ستبعد فكرة الصراع عنهم، وتسعى للحد من أهمية الفكر «القومي العربي» والحيلولة دون ظهوره إلى حيز التنفيذ وإدماج إسرائيل ودول الجوار في المنطقة والتحول لمفهوم البحث عن عدو مشترك جديد (الأصولية كما يروجون).

وفي نفس السياق يلفت الكاتب الصحفي كامل زهيري نقيب الصحفيين المصريين الأسبق النظر إلى أن الدعوة «للسوق الشرق أوسطية» تعني تحقيق خطة العدو البديلة أي قلب المنطقة التي تمتد من الخليج إلى المحيط رأسا على عقب، والهدف طبعا هو الحصول على المال العربي والنفط العربي ليصب في التكنولوجيا الإسرائيلية مع ضمان الأيدي العاملة خاصة المصرية ليصبح العملاق الجديد.. رأسه في نيويورك وقلبه وعقله في تل أبيب.

وهذا هو الحل البديل للسوق العربية المشتركة التي تراخت الدول العربية في إنشائها وهو يعني بالضرورة خلق عدو بديل.. وبدلا من مواجهة الصهيونية العدوانية المعتمدة على الحرب يصبح العدو البديل هو «الإسلام».

ويتعمق زهيري في المسألة أكثر فيرجع بنا إلى عام ١٩٧٣م مؤكدا أن فكرة العدو البديل أو الحل البديل ظهرت بعد حرب ١٩٧٣م حين كشفت القوة العربية عن إمكاناتها في المقاومة والقوة المالية للبترول العربي، حينئذ أعلنت عن خطة إزالة آثار حرب أكتوبر بالفصل بين مصر وسوريا وتحجيم البترول العربي باكتشاف بترول الشمال والسعي للطاقة البديلة وبتبديد الثروة وآخرها رفع الضريبة على البترول العربي، وكل هذه الخطط مفضوحة لأنها لا تحقق مصالح الشعوب العربية وحقها في استثمار ثرواتها الطبيعية لصالحها وهي لا تحقق في النهاية الأمن للمواطن العربي أو الوطن العربي.

التبعية الثقافية بالتكنولوجيا

ويتساءل الدكتور جلال أمين أستاذ الاقتصاد المشهور ومن أكثر الخبراء اهتماما بهذه القضية.. يتساءل: لماذا التكتل مع إسرائيل بالذات؟ إن كان في التكتل أهمية لمواجهة التكتلات الأخرى.. ولماذا لم يتحقق التكامل العربي؟

لقد فشلنا عمليا في تطبيقه لأسباب لها علاقة بطموحات إسرائيل نفسها.. ثم أصبح التعاون مع إسرائيل هو الشيء المحبب. ولذلك فإذا تناولنا الموضوع من منظور اقتصادي بحت عن مزايا حرية التجارة واتساع السوق وتقسيم العمل.. فالانفتاح الاقتصادي على بلد متفوق تكنولوجيا واقتصاديا له أخطار نعرفها مثل العلاقة بين الدولة المستعمرة والدولة التي وقع عليها الاستعمار، فالبريطانيون خلال استعمارهم لمصر نظموا المالية العامة والضرائب وزودوا مصر بترتيبات الزراعة الحديثة.. لكن مع كل ذلك هل يمكن أن نقول إن صورة الاقتصاد المصري كانت أفضل لو أن ثورة عرابي نجحت أم لا؟

هذا السؤال يجب أن يحكم تفكيرنا لأنه من الممكن أن ندخل في وحدة اقتصادية مع إسرائيل تؤدي لبعض التقدم الاقتصادي.. والمسألة أكبر من طموحات اقتصادية فليس صحيحا أن الاقتصاد هو كل شيء وأن الأمور الأخرى غير مهمة لأنه لو كان الأمر كذلك فلماذا نزعج أنفسنا أصلا؟

وإذا كان الفلسطينيون يأكلون ويشربون في ظل الدولة الإسرائيلية فما وجه الانزعاج من الاحتلال، وإذا كان مستوى معيشتهم أحسن مما يمكن أن يتوافر في دولة فلسطينية فما لزوم المقاومة؟

يؤكد د. جلال أن الدولة المتفوقة تكنولوجيا واقتصاديا تؤثر على التطور الثقافي والحضاري، فإذا دخلت إسرائيل في علاقات اقتصادية معنا وهي متفوقة تكنولوجيا واقتصاديا علينا سنكون محكومين في تطورنا الثقافي بنمط الحياة الإسرائيلية والمطامح الإسرائيلية.

دراسة أمريكية متخصصة

ولكن وبعد هذا التطور التاريخي للسوق.. وهذه التحذيرات العلمية من خطورتها على مستقبل المنطقة، ما الموقف الأمريكي منها؟ بل ما التصور الأمريكي للتعامل مع المنطقة في إطارها؟

هناك دراستان في هذا الخصوص: دراسة للدكتور أحمد صدقي الدجاني المفكر السياسي الفلسطيني تشرح الموقف الأمريكي بالضبط من خلال دراسة في هذا الشأن بعنوان: «متابعة السلام» صادرة عن المجموعة الدراسية الاستراتيجية لمعهد واشنطن المعروف بتغلغل الصهيونية الأمريكية فيه، وشارك في هذه الدراسة الأمريكية ٣٨ شخصية من المشتغلين بالعمل العام والباحثين من بينهم وزراء خارجية ودفاع سابقين.. «مونديل».. «هيتش».. «لي أسبن».. «مورفي».. «كيركباتريك»... إلخ.

يقول الدكتور الدجاني: إن الخطوط الرئيسية للتصور الأمريكي تحددها المصالح الأمريكية التقليدية في المنطقة:

  • سلامة الأمريكيين وممتلكاتهم.
  • حرية التجارة وخاصة الوصول إلى النفط بأسعار معقولة.
  • المحافظة على سلامة إسرائيل والدول العربية الصديقة وتركيا.
  • مساندة الاستقرار الإقليمي وحل الصراعات.

وهاجس تأمين الحصول على النفط سيطر على هذا التصور؛ وذلك لأن الولايات المتحدة ستكون بحاجة إلى استيراد ثلثي نفطها من منطقتنا في عام ٢٠١٠م، ولضمان حرية تدفق النفط لا بد من منع أية قوة منفردة معادية من السيطرة على إمداداته.. ولعل وجود السوق الشرق أوسطية يحقق ذلك.

في نفس السياق ولمزيد من إيضاح الموقف الأمريكي ومعه الموقف التركي ألقى «مارتن إنديك» مدير شؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا في مجلس الأمن القومي وأحد مخططي السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط كلمة في منتصف شهر مايو ١٩٩٣م بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط كانت مثار تعليق واهتمام الصحافة الأمريكية والعربية.

وقد أكد «أنديك» في كلمته هذه أن الولايات المتحدة لم تعد بعد انفرادها بالهيمنة على العالم لأول مرة منذ نصف قرن تتعامل مع منطقة الشرق الأوسط كأجزاء منفصلة عن بعضها البعض، فمع انتشار الصواريخ الباليستية من ناحية وانتشار التطرف من ناحية أخرى يمكن للنزعات والاضطرابات في جزء من المنطقة أن يكون لها تأثير خطير على الأحداث في أي مكان آخر من العالم.

وعلى الرغم من وقوع الدول الإسلامية التي استقلت مؤخرا في آسيا الوسطى على حدود منطقة الشرق الأوسط فإنه يتعين إدماجها في إستراتيجيتنا للمنطقة، وإذا فعلنا ذلك سندرك الأهمية المتزايدة لدور تركيا في حساباتنا الإقليمية، فخلال الحرب الباردة كانت تركيا تعامل بدرجة كبيرة على أنها دولة أوروبية وشريكة في جهود منظمة حلف الأطلسي الرامية لاحتواء الاتحاد السوفيتي، والآن يأتي دور تركيا لتلعب دورا هاما ليس في آسيا الوسطى فحسب ولكن في الشرق الأوسط.

باختصار فإن تركيا دولة علمانية ديمقراطية إسلامية وتحتل موقعا عسكريا استراتيجيا.. وهي قوة اقتصادية وحليفة قديمة للولايات المتحدة ويمكن أن تستخدم لتحقيق أهدافنا في الشرق الأوسط.

وبعد.. هذا هو السر في إدخال «تركيا» في تركيبة السوق الشرق أوسطية دون غيرها من الجيران من غير الدول العربية.

القاهرة: شعبان عبد الرحمن


على خطى السوق الشرق أوسطية: لعنات التطبيع طالت كل المجالات..

ترويج المخدرات والسلاح والعملات المزيفة.. وتصدير التقاوي والأسمدة المدمرة للتربة الزراعية.

درس التطبيع ولعناته دائما يأتي من مصر.. وهذا شيء طبيعي.. فمصر هي الدولة العربية الوحيدة صاحبة العلاقات المتكاملة مع إسرائيل، وهي صاحبة التجربة العملية لعملية التطبيع بكل مشتملاتها.

الحصاد مر.. والتطبيع مليء باللعنات على مدى أربعة عشر عاما في شتى المجالات والشاهد لدينا التقارير الرسمية وخاصة تقارير الأمن التي تسجل جهدا يستحق الإشادة من جهات الأمن التي صدت العديد من الهجمات الصهيونية لتخريب الأوضاع في مصر.. بترويج المخدرات والسلاح والدولارات المزيفة والإيدز، وتصدير صفقات التقاوي والأسمدة والمبيدات المدمرة للتربة الزراعية حتى البيض الفاسد وملكات النحل المصابة بطاعون «الفارو» حاولوا تصديرها ونجحوا للأسف في التأثير على الإنتاج من عسل النحل.

وفي هذه اللمحات السريعة نقدم لقطات من كشف حساب التطبيع:

  • أغسطس ١٩٩٣م تم القبض على ٦ إسرائيليين داخل سيارتين عند مدخل مدينة رفح وبحوزتهم كمية كبيرة من البنادق ماركة «عوزي» وأكثر من ٣ آلاف طلقة. كان بين المتهمين الستة «إسحاق ريمون» مساعد رئيس جهاز الشين بيت «الأمن الداخلي الإسرائيلي» في مدينة الخليل. اعترف المتهمون وقالوا: إنهم كانوا يعتزمون بيعها لتغطية تكاليف رحلتهم السياحية في صعيد مصر وبعض المناطق الأثرية الأخرى. تقارير أمنية عليا كشفت عن زيادة محاولات تهريب الأسلحة لمصر بنسبة ٦٥% خلال الشهور الثلاثة الماضية.
  • أبريل ١٩٩٣م: القبض على ٣ إسرائيليين بحوزتهم كميات كبيرة من الأسلحة داخل سيارة خاصة، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الدولارات المزيفة، اعترفوا بأنهم يعملون ضمن تشكيل عصابي مقره تل أبيب وأنهم تمكنوا خلال ٨ أشهر من تهريب ٥٠٠ قطعة سلاح ونصف مليون دولار مزيفة لمصر.
  • منذ أوائل أغسطس ١٩٨٥م حتى عام ١٩٩٢م فقط تم ضبط خمس شبكات تجسس تورط فيها العاملون في المركز الأكاديمي الإسرائيلي والسفارة الإسرائيلية بالقاهرة، كان بينهم المستشار العسكري للسفارة ورئيس المركز في ذلك الوقت «أوشيدرا أوفاديا». وكانت أكثر هذه الشبكات خطورة وشهرة شبكة آل «مصراتي» (الأب والابن والابنة).
  • تقول الإحصاءات الرسمية: إن عدد قضايا ترويج العملات المزيفة التي ارتكبها صهاينة عام ١٩٨٤م كان ٣٤ قضية، ارتفع بين عامي ١٩٨٩-١٩٩٠م إلى ١٤٥ قضية، صادرت خلالها السلطات المصرية ٢٨ مليون دولار مزيفة. وفي عام ١٩٧٩م فقط تم القبض على أحد عشر صهيونيا ضمن فوج سياحي وبحوزتهم ٤ ملايين دولار مزيفة.
  • عام ١٩٨٦م أكدت تقارير وزارة الداخلية أن إجمالي القضايا التي ضبط بها صهاينة يروجون مخدرات بلغ ٤٤٥٧ قضية، وضبط فيها ٥.٥ طن حشيش و٣٠ كيلو جراما أفيون.
  • ١٩٩٠م: تقرير يحذر من أخطار السياحة الإسرائيلية ويؤكد أن الموساد وراء كل المخططات الهادفة لتدمير الشباب.
  • ١٩٨٩م: تم ضبط ٤٤٦ صفقة من البذور المصابة بفيروسات تصيب التربة بأمراض تصيبها بالبوار لعدة سنوات، وتصيب الإنسان بالفشل الكلوي.
  • ١٩٨٦م: ضبط ٣٠٠ طن أسمدة كيماوية محرم استخدامها دوليا وتؤدي لتبوير الأرض الزراعية، وضبط تقاوي بطيخ فاسدة سببت خسائر بنصف مليون جنيه.
  • ١٩٩٠م: قالت هيئة المواد الوراثية التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة: إن بعض الشركات الإسرائيلية قامت بتهريب ١٥٠ ألف طن من الهرمونات والأسمدة والمخصبات المحرمة دوليا للشرق الأوسط منها ١٠ آلاف طن دخلت مصر.
  • تصدير شتلات «فراولة» وتقاوي «خيار» ذات آثار مدمرة على التربة ولفترة طويلة.
  • ١٩٩٠م: ضبط ٣٠٠ طرد كتاكيت قادمة من إسرائيل مصابة بطاعون «الجابوري» مما أدى إلى نفوق أعداد ضخمة من الدواجن وإغلاق مزارع بكاملها، وانخفاض الإنتاج من ٣٠٥ ألف طن إلى ١٣٥ ألف طن. في نفس العام تم استيراد مائة طرد من ملكات عسل النحل مصابة بمرض «الفارو» أدت إلى تدمير ٨٠٪ من خلايا النحل بعد أن ماتت مليون خلية نحل بالكامل.

هذا هو الدرس.. ومع ذلك يبدو أن أحدا لم يعه بعد، ويتم تجاهله طواعية أو كرها حيث يجري السباق لدخول السوق الشرق أوسطية.

القاهرة- المجتمع


الخبير الاقتصادي يوسف كمال «للمجتمع»:

·         قلنا لتاريخنا ومستقبلنا «لا» ولن نستطيع أن نقولها للسوق الشرق أوسطية

·         قبل إرغامنا على السوق.. أمريكا وأوروبا وضعتنا في كماشة بالشركات والمؤسسات الدولية والتكنولوجيا

  • هذه السوق هي التطبيق العملي للنموذج الغربي من الهيمنة.
  • إسرائيل تلهث الآن لإقامة السوق لستة أسباب.

لماذا تلهث إسرائيل الآن بالأخص وراء إقامة السوق؟ وما هو وضع التكتلات الاقتصادية العالمية؟ وما علاقتها بالعالم الإسلامي؟ وكيف وضعتنا هذه التكتلات في كماشة التبعية؟ وماذا عن النموذج الغربي في الهيمنة؟ وما مدى نجاح تطبيقه في روسيا؟ وما علاقة كل ذلك بإقامة السوق الشرق أوسطية؟ الإجابة في هذا اللقاء السريع مع الخبير الاقتصادي المصري يوسف كمال.

المجتمع: نود أن نلفت الانتباه بداية إلى خطورة التكتلات الاقتصادية العالمية ودورها المؤثر بطريق مباشر وغير مباشر على المنطقة؟

يوسف كمال: لكي يكون لديك تكتل لابد من أن تمتلك سوقا كبيرة.. المساحة الكبيرة والإمكانات المادية الكبيرة وأولها التكنولوجيا المتقدمة. نحن لدينا الآن في العالم التكتل الاقتصادي الأمريكي الذي يتكون من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك (٣٦٠ مليون نسمة).. المجموعة الأوروبية (٣٤٠ مليون نسمة). وفي داخل المجموعة الأوروبية نجد ألمانيا من جانب، وفرنسا وإنجلترا من جانب آخر بينهما حروب قديمة وصراعات عرقية واختلاف في الجنس، ومع ذلك يتم التقارب بينهم بصورة سريعة وملحوظة، والسبب هو الرغبة في التكتل؛ لأن الذي يستطيع أن يقول كلمته الآن ويحس أنه حر الإرادة هو الذي يستطيع أن تكون لديه قوة اقتصادية. والتجارة العالمية تتحكم فيها شركات ضخمة متعددة الجنسيات تكاد تسيطر على أغلب الصادرات والواردات. والمنظمات الدولية «كالبنك الدولي للإنشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي» وكلها تعمل حاليا لحساب أمريكا وأوروبا في تطبيع اقتصاديات الدول الأخرى، بأن يقولوا لها حرري التجارة الخارجية، وهذا معناه فتح باب المنافسة وقتل الصناعات الوليدة عندها، وبهذا تضمن التكتلات الكبيرة تبعية اقتصاديات هذه الدول وتحويلها إلى مصدر للعمالة الرخيصة والمواد الأولية والطاقة.

هناك إذن ضدنا من الدول الكبرى كماشة تتكون من الشركات الاحتكارية والمؤسسات الدولية والتكنولوجيا الفائقة، وكلها تعمل على تتبيع اقتصادياتنا للدول الرأسمالية، وهنا يبدأ النزيف؛ فتجد أسعار المواد الأولية والطاقة والعمالة في تدن مستمر بينما المنتجات التي تحتكرها التكتلات الكبرى في تصاعد مستمر، فلا يمكنك كدولة صغيرة أن ترفع رأسك أو تتحد وتظل في مهب الريح.. نهايتك بأيديهم!

استعمار التتبيع

المجتمع: هذا نوع من الاحتلال ولكن بطريقة جديدة.. أرجو إلقاء مزيد من الضوء عليه؟

يوسف كمال: نعم.. هذا هو الاستعمار «بالتتبيع» فالدول الغربية تركت استعمار العالم الإسلامي بالقوة العسكرية؛ لأنها ضمنت أن الاستعمار الاقتصادي سيحقق لها الاستعمار السياسي والثقافي، لماذا ينفقون ويجهدون أنفسهم على إدارة استعمارية طالما هم يحكمون عن طريق التتبيع الاقتصادي؟ يكفيهم أن يجعلوا الدولة فقط معتمدة على سلعة تصديرية مثل البترول ويعرونها من ناحية الاكتفاء الذاتي ويمنع عنها الصناعات. ولعلمك فإن هذا الأسلوب الغربي الناجح هو الذي حفز روسيا على ترك دول الاتحاد السوفيتي الأخرى بعد قناعتها أنها عن طريق الاستعمار الاقتصادي يمكنها أن تحقق ما تريد، وفي نفس الوقت لا تكون ملتزمة أمامهم بمدهم بالصناعات المتقدمة والتكنولوجيا المتطورة. وفي نفس الوقت تؤمن روسيا نفسها ضد هذه الدول بإثارة الخلافات العرقية والقومية الدينية والتي تمثل قنابل ملغومة يمكن عن طريقها تفتيت البلاد مثل طاجيكستان.. وأذربيجان.. وهذا هو النموذج الغربي بحذافيره.

المجتمع: ما وضعية إسرائيل بالضبط إزاء هذه الكيانات؟

يوسف كمال: إسرائيل تعدادها كما نعلم ٢.٥ مليون وأغلب مواردها تعتمد على الدعم الأمريكي الذي يبلغ ٥ مليارات دولار المعلن منها ٣ مليارات فقط، وهذا اتفاق بين الكتلتين الأمريكية والأوروبية على إعطاء إسرائيل ما تحتاجه من سلع معفاة من الجمارك. كما أن أي مؤسسة دولية لم تجرؤ أن تطلب منها إصلاحا اقتصاديا أو غيره، بل إن لديها قيودا في التجارة تمنع أي سلعة من الدخول ولا يستطيع أحد أن يتخذ ضدها إجراء كما يحدث مع الدول الأخرى. ولذلك وبناء على هذه المميزات فإن إسرائيل إذا استخدمت في التجارة فقط كترانزيت للعديد من السلع الواردة من الخارج والمعفاة من الجمارك فسوف تكسب كثيرا.

٦ أسباب تدفع إسرائيل دفعا لإقامة السوق

ومع ذلك فإن إسرائيل تسعى منذ زمن لتكوين إمبراطوريتها من النيل إلى الفرات عن طريق الاقتصاد للأسباب الآتية:

١- أمامها النموذج الغربي ورفاهيته التي تحققت من امتصاص دماء المسلمين عن طريق التجارة العالمية.

٢- استمرار اعتمادها على المعونة والدعم من الخارج غير مضمون، لذلك فإن عليها أن تبحث عن موارد ذاتية.

٣- إقامة إسرائيل الكبرى عن طريق التوسع الجغرافي تحول أمامها الأمواج البشرية من العرب والمسلمين، فالتكلفة هنا مرتفعة جدا بالنسبة لقطعة من الأرض.

٤- الرجل العادي في أوروبا وأمريكا مازال يكرههم، ولذلك فهم لا يضمنون المستقبل بالنسبة لهم في هذه البلاد رغم كل ما لهم من نفوذ وامتيازات، ومازال تخوفهم من تكرار عملية مثل عملية هتلر ضدهم قائما.

٥- مشكلة المياه الخطيرة التي يعانون منها، ولو استمرت هذه الأزمة متوازية مع زيادة السكان فسوف تكون هناك كارثة في ظل ظروف دولية متغيرة.

٦- تنامي الحركة الإسلامية في داخل إسرائيل وازدياد خطورتها، وهذا ما جعلهم يضعون أيديهم في يد ياسر عرفات، هذا إضافة إلى تناميها في العالم الإسلامي والحاجة إلى رفع بعض الضغوط عن الشعوب الإسلامية لإلهاء الناس وإبعادهم عن الإسلام.

لكل هذه الأسباب كان التفكير في نفس الأسلوب الغربي في الهيمنة هو المخرج لهم بتكوين إمبراطوريتهم وتأمين مستقبلهم، خاصة أن الفن الصناعي عندهم متقدم وإنتاجهم وصل لتكنولوجيا الخدمات والإلكترونيات، ولو ملكوا سوق المنطقة ومواد خامها وعمالتها لسيطروا عليها ولتحقق لهم ما يريدون من هذه السوق، مع الوضع في الاعتبار خبرتهم الواسعة في إثارة النزعات القبلية والدينية والعرقية في المنطقة بما يحافظ على إضعافها.

رفض المستقبل.. وخصام التاريخ

المجتمع: وما وضع العالم الإسلامي وموقفه إزاء كل هذه الأخطار؟

يوسف كمال: للأسف الشديد العالم الإسلامي لا يعرف أنه في صراع حياة أو موت، ولا يدري أنه سيظل ألعوبة في أيديهم ما لم يتحرك للوحدة، فمعلوم أن الدول الغربية تحارب شيئين في بلادنا: الوحدة والتنمية، حتى تستمر عملية التبعية، وحرب الخليج مزقت النظام العربي واستنزفت ثرواته. الغرب يدرس المنطقة لمائة سنة قادمة، بينما نحن لا نعرف شيئا بدليل أن السوق العربية المشتركة موجودة منذ عام ١٩٥٣م ومازالت حبرا على ورق، بل إن حجم التجارة البينية بين الدول العربية لم يزد عن ٧٪ والـ٩٣٪ الباقية مع التكتلات الكبيرة. لقد قلنا لمستقبلنا وتاريخنا: لا.. ولن نستطيع أن نقول «لا» للسوق الأوروبية.

المجتمع: أمام كل هذه الملابسات والتكتلات وكذلك الموقف العربي والإسلامي المتردي، كيف السبيل للتعامل مع كل هذه المستجدات والتحديات؟

يوسف كمال: يجب أن نكون على مستوى الفن والتكتيك.. أنا ليس لدي مانع من إقامة السوق الشرق أوسطية ولكن لابد من أن تكون هناك قواعد وأسس تحكمها:

أولا: لابد من أن يفهم اليهود أن تاريخهم مع العالم الغربي هو تاريخ القتل والتشريد، ومذابحهم في روسيا وألمانيا وإنجلترا وإسبانيا معلومة، بينما كان العالم الإسلامي يحتضنهم، فعندما طردهم الغرب احتضنهم المسلمون في الأندلس، ولما كان الألمان يذبحونهم احتضنهم المسلمون في البوسنة والهرسك، لقد عاشوا معنا ١٤ قرنا لا يذكرون أننا آذيناهم بل كانوا معززين، فهل هذا هو جزاء المسلمين الآن؟ ألا يكون عليهم أن يتركوا الأرض التي احتلوها ويرفعوا البطش عن الشعب الفلسطيني؟ لماذا لا يناقش العرب مع اليهود هذا الأمر مناقشة جادة لأن في ذلك تأمينا لليهود أنفسهم أكثر منا نحن؟ وأنا لا أفهم لماذا لا يضغط العالم العربي على هذه النقاط ويركز عليها في إعلامه وثقافته وطريقة تفاعله على هذا الأمر.

ثانيا: لابد من أن يكون التعامل مع السوق على أساس الندية، وأن يصرف اليهود النظر عن استخدام السوق تكأة لاستعباد العالم الإسلامي، وأن يخرجوا من رؤوسهم أنهم عن طريق إثارة النزاعات يمكن أن يحققوا ما يريدون من هيمنة. لو فعلوا ذلك لعاشوا معنا آمنين. وهذا يستلزم أن تتركز التنمية في الأماكن التي تحقق أكبر وفرة وليس على أساس تقسيم العالم الإسلامي إلى عمال وموارد، بينما التكنولوجيا تكون عندهم.

ثالثا: لابد من وجود رؤية مستقبلية واعية في العالم الإسلامي تمتد لمئات السنين حتى يمكننا العيش في هذه الغابة العالمية، ولن يتحقق ذلك إلا بالوحدة.

حاوره في القاهرة: شعبان عبد الرحمن


لوسيان بيترلان أكبر الخبراء الفرنسيين المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط «للمجتمع»:

أنا غير متفائل باتفاق غزة- أريحا.. والسوق الشرق أوسطية أقرب ما تكون إلى الحلم

لوسيان بيترلان هو أحد الخبراء الفرنسيين في الشؤون العربية وفي القضية الفلسطينية على وجه الخصوص التي يتعاطف معها من خلال الجمعية التي يرأسها تحت اسم «جمعية التضامن الفرنسي- العربي» والمقالات والتحاليل التي ينشرها في مجلة «فرنسا والبلدان العربية» بصفته مديرا لها. وينتمي بيترلان إلى الخط الديغولي القريب من القضايا العربية والداعي إلى إيجاد حلول عادلة وشاملة في الشرق الأوسط تعيد للفلسطينيين حقوقهم المهضومة. ويتناول في الحديث مع «المجتمع» مسألة السوق الشرق أوسطية في ظل المستجدات في المنطقة وتنامي الرفض العربي الإسلامي للتطبيع، وإليكم نص الحوار:

المجتمع: تأجل الاتفاق الفلسطيني- الإسرائيلي الذي رأى فيه العديد من المراقبين مقدمة لقيام سوق شرق أوسطية ولنمو اقتصادي في المنطقة، ما تقييمكم للوضع الراهن على ضوء مستجدات القضية الفلسطينية؟

بيترلان: فيما يتعلق بالاتفاق الفلسطيني تبقى لدي بعض الشكوك، وهذا رأي خاص.. والنقطة الإيجابية التي يمكن استنتاجها تتمثل في اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية. عدا ذلك ما زلنا ننتظر تطورا حقيقيا حيث لم تجد العديد من المشاكل حلولا بعد خاصة مسألة اللاجئين في سوريا ولبنان والأردن؛ أي حوالي أربعة ملايين فلسطيني لا يعرفون هل يعودون ليس إلى بلدهم وإنما في إطار دولة فلسطينية قد تقوم بعد أربع سنوات أو أكثر في الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة إذا انسحبت عنها القوات الإسرائيلية؟ فأنا غير متفائل كثيرا، والأحداث الأخيرة بينت صعوبة تطبيق اتفاق أوسلو في غزة وأريحا لأسباب مختلفة؛ غزة لأنها على فوهة بركان وفيها عشرون ألف مستوطن إسرائيلي، وقسم كبير من السكان المعارضين لهذا الاتفاق وللحضور الإسرائيلي القريب.. وأريحا لأنه لم يتم تحديد أهمية الأراضي التي ستحرر، ولأن ١٥٠ كم تفصل بين غزة وأريحا. لكل هذه الأسباب لست من الذين يرون نموا اقتصاديا في المنطقة.

المجتمع: إغراق الأسواق العربية بالمنتجات والسلع الإسرائيلية وإحداث انتعاشة داخلها مجرد أوهام من أجل دفع العرب في مسار التطبيع أم إنه سيكون نتيجة حتمية لتطبيق الاتفاق الأخير؟

بيترلان: إني أعرف هذه المنطقة، وأستغرب -اللهم إلا أن أكون مخطئا- أن يتم توزيع سلع إسرائيلية في بعض البلاد العربية، لهذا أعتقد أنه لم يحن الوقت بعد لتوزيع السلع الإسرائيلية في المنطقة. يجب انتظار أن تتهيأ العقليات من الجانبين، وخاصة من الجانب العربي لقبول السلع الإسرائيلية، ولماذا لا يتم توزيع سلع عربية في إسرائيل؟ أعتقد أن هذا الأمر هو من قبيل الحلم وليس له صلة بالواقع.

المجتمع: ما مصير المقاطعة العربية للمنتجات الإسرائيلية في ظل الاتفاق الفلسطيني- الإسرائيلي الحالي؟

بيترلان: ما أعرفه أن هذه المقاطعة قائمة منذ ١٩٥٠م وتتصل بدول المشرق العربي أساسا وليس بلدان المغرب العربي. والبلدان المعنية بهذه المقاطعة لا ترفع هذا المنع إلا بعد حل شامل ونهائي للقضية الفلسطينية. وهذا يعني أن سوريا والأردن ولبنان وليس فقط الفلسطينيين يوقعون على اتفاق عدم اعتداء متبادل مع إسرائيل كخطوة أولى نحو علاقات قوية معها، هذا يحتاج إلى سنوات. ولا أعتقد أن هذه العلاقات ستتحول إلى علاقات عادية بين عشية وضحاها، ومن يقول بذلك لا يعرف العالم العربي.

المجتمع: «الاقتصاد الإسرائيلي مزدهر ومتفوق على اقتصاديات دول المنطقة»، ما صحة هذه الفكرة الرائجة على المستويين التجاري والعسكري؟ وما حقيقة الأزمة التي تشير إليها بعض التحاليل؟

بيترلان: هناك حديث عن الأزمة الاقتصادية في إسرائيل وعن البطالة المتفشية خاصة في صفوف اليهود السوفييت أو القادمين من دول شيوعية سابقا، فهؤلاء دون عمل أو يقومون بأعمال ثانوية.. الأزمة قائمة.. صحيح أن الإسرائيليين يتمتعون بمساعدات مكثفة من الولايات المتحدة الأمريكية لكن إسرائيل ليست في أفضل ظروفها الاقتصادية، وهي تستورد باستمرار الأسلحة المتطورة، فهل ستقدم لها هذه الأسلحة أم أنه يجب عليها شراؤها؟ أعتقد أن الإسرائيليين واثقون أن جيرانهم العرب لن يقبلوهم بين اليوم والغد حتى ولو وقعوا على اتفاق سلام، وأن الأمور تحتاج إلى وقت، ولهذا عليهم أن يأخذوا احتياطاتهم دائما، وأن تكون لهم ميزانية مهمة في المجال العسكري تحسبا من الهجمات البعيدة المدى أو في مستوى الأمن الداخلي. أنا لست مقتنعا أن إسرائيل ستخفض بين عشية وضحاها ميزانيتها العسكرية الهامة، ونفس الشيء بالنسبة للدول المجاورة: الأردن ولبنان وسوريا، فهذه البلدان ستبقى حذرة لسنوات عديدة مقبلة لأسباب وعوامل شتى.

المجتمع: تدور هذه الأيام محادثات فلسطينية- إسرائيلية سرية في باريس حول مسائل اقتصادية، ما توقعاتكم حول المحاور والاتفاقيات التي سيتوصل إليها الطرفان؟

بيترلان: الشيء الذي أعرفه هو أن هذه المناقشات تخص الضفة الغربية أساسا، وهذا يعني ما يمكن إدخاله في مجال التعاون من أجل التعايش بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لنطلق على ذلك سياسة التعاون الاقتصادي. هل سيكون للفلسطينيين الحق في العمل في إسرائيل؟ وهل يمكن للإسرائيليين الاستثمار في الأراضي المحررة؟ هل ستوجد استثمارات مالية عربية في هذه الأراضي يشارك فيها الإسرائيليون؟ أعتقد أن الأمور ستبقى على المستوى الثنائي أساسا، علاقات عمل وتنقل واستثمار كل طرف في مجال معين على المستوى الاقتصادي، البعض في الفلاحة والمواد الفلاحية الغذائية، والآخرون في الصناعة الصغرى. والخطر المحتمل هو الوصول إلى نوع من بانتوستان فلسطيني نتيجة التنازل تلو التنازل من الطرف الفلسطيني، يخول لسكان الأراضي العربية المحررة في الضفة الغربية وقطاع غزة الرضا بتحسن وضعهم وتحوله إلى شبه طبيعي مع جيرانهم دون حل مشاكل الفلسطينيين الموجودين لوقت طويل أيضا في الأردن ولبنان وسوريا.

المجتمع: حسب رأيكم- ما انعكاسات اتفاقية «الجات» حول التجارة الدولية على الوضع الاقتصادي في المنطقة وبالتحديد في الأراضي المحتلة؟

بيترلان: لا أرى أن هناك تأثيرا كبيرا على اقتصاد المنطقة بعد اتفاقية «الجات»، ولا أدري ما الذي سيمنع من إغراق المنطقة بالمنتجات الأمريكية من الكوكا أو الأكلة السريعة Fast food وغيرها من المواد وبالثقافة الأمريكية. وسيكون الفلسطينيون والإسرائيليون أول المستفيدين من ذلك لكنهم في المقابل لن يقدموا إلى الأمريكان سوى السياحة.

المجتمع: في الوقت الذي يتم فيه الحديث عن سوق شرق أوسطية يتصاعد الرفض العربي الإسلامي للتطبيع، كيف ترون مستقبل الاتفاق الفلسطيني- الإسرائيلي على ضوء هذا الرفض المتنامي؟

بيترلان: ستحصل فترات توقف في هذا المسار، لكن الرفض العربي ليس للسلام، وإنما لهذا الاتفاق غير العادل وغير المنتظر لكثير من الشعوب الذين يتطلعون إلى حل شامل يقوم على أساس تطبيق كل قرارات الأمم المتحدة، ويعتقدون أن الاتفاق الحالي محدود ولا يتسع لكل الفلسطينيين والأطراف العربية المعنية بالصراع العربي الإسرائيلي. ويجب على الإسرائيليين أن يقبلوا بتطبيق كل القرارات الأممية، وإلا فسيبقى الوضع الحالي لا حرب ولا سلم لمدة طويلة.

حاوره في باريس: محمد الغمقي


الخبير الاقتصادي البريطاني محمد غانم «للمجتمع»:

هدف إسرائيل من السوق الشرق أوسطية لا يقف عند حد تسويق منتجاتها وإنما السيطرة الاقتصادية على المنطقة

قد يظن البعض أن الاتفاق الأخير الذي تم بين المنظمة والكيان الصهيوني ما هو إلا اتفاق يخص الفلسطينيين وحدهم ولا علاقة للمسلمين به من بعيد أو قريب، إلا أن الأمر في حقيقته ذو أبعاد أكبر من ذلك بكثير؛ فالكيان الصهيوني يعتبر الاتفاق المفتاح الذهبي اللازم لفتح الأبواب العربية الموصدة أمامه ليتسنى له التوغل في أراضي تلك الدول والسيطرة على مؤسساتها المختلفة، وخاصة المؤسسات الاقتصادية منها. وحيث إن المقاطعة العربية بمكانة حجر العثرة الذي لابد من إزالته أولا من أجل تحقيق مآربهم الخبيثة، فإن «المجتمع» قد أجرت الحوار التالي مع أحد خبراء بريطانيا في الاقتصاد الأستاذ محمد عبدالواحد غانم كي يسلط لنا الضوء على الآثار السلبية التي ستنجم فيما لو رفعت الدول العربية الحظر عن منتجات الكيان الصهيوني أمام أسواقها.

المجتمع: ما حقيقة المقاطعة العربية للكيان الصهيوني؟ وهل حققت شيئا يذكر؟

أ. غانم: في البداية كحقيقة تاريخية فإنه يمكن استخدام المقاطعة كسلاح فعال لمحاربة العدو، تماما كما فعل مشركو مكة مع المسلمين في حصار بني هاشم؛ إذ تمت تلك المقاطعة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، كان لا يحدث تبادل تجاري بينهما ولا تزاوج. ويجب أن نعلم أن سبب مقاطعتنا لليهود ليس لكونهم يهودا، بل لأنهم اغتصبوا أرضا ليست ملكهم واعتدوا على حقوق ليست لهم، إلا أنها في حقيقة الأمر لم تحقق الكثير وذلك لعدم استنادها على الأسس الشرعية؛ فكونها:

أولا: مقاطعة عربية جعلها مقتصرة على العرب دون كافة المسلمين، ومع ذلك فالعرب أنفسهم لم يلتزموا بها جميعا، إذن هناك من العرب من خالف المقاطعة ولم يتقيد بها مما أفقدها الكثير من فاعليتها وجديتها.

ثانيا: باعتبارها قرارا سياسيا بحتا لا علاقة له بالحلال والحرام مما جعلها مسألة خاضعة للاختيار، فالأصل أنه مادامت الأرض مغتصبة فإنه يحرم التعامل مع المغتصب تجاريا واقتصاديا وسياسيا على كافة الأصعدة، وهذا أمر شرعي ملزم لكل مسلم سواء كان فردا أو حاكما.

المجتمع: فإذا لم تكن المقاطعة مجدية، فما السر في إصرار قادة الكيان الصهيوني على إنهائها من خلال تصريحاتهم المتكررة؟

أ. غانم: المقاطعة لها من البعد النفسي ما قد يفوق فاعليتها المادية.. وما نسمعه الآن من جانب الكيان الصهيوني من تصريحات تحث على رفع المقاطعة، إنما هو لكسر ما تبقى لدى الشعوب المسلمة من بعد نفسي رافض لشرعية وجود هذا الكيان.. وهو عامل مهم جدا، فالحديث النبوي يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»، فقلوب الشعوب المسلمة مازالت تأبى إنهاء المقاطعة وهذا يغيظهم، فالكيان الصهيوني قد ضمن ألا تستخدم الحكومات العربية يدها ولسانها، إلا قلوب الشعوب فإنها ما زالت تعيقهم. وهذا أيضا قد بدأ يضعف بعد أن تم الاتفاق بين المنظمة والكيان الصهيوني، حينما رأينا خروج المظاهرات المؤيدة للاتفاق داخل فلسطين. ونحن للأسف كان في مقدورنا أن نحارب عدونا بأكثر من تلك المقاطعة، فنحن أمة أنعم الله عليها من النعم والثروات ما يؤهلنا أن ننتصر عليهم إن أحسنا استخدام تلك الثروات.

المجتمع: وكيف نرد على من يتساءل قائلا: ولم لا ننه المقاطعة ما دامت المنفعة ستكون لنا ولهم على السواء؟

أ. غانم: إنهم قوم اغتصبوا أرضك واعتدوا على حرماتك، فمنفعتهم ضرر عليك، فلا يجوز التعامل معهم بأي حال من الأحوال، واليهود كما هو واضح في القرآن قوم قتلوا الرسل ونقضوا العهود، فكيف يمكن إذن أن نثق في تعاملنا معهم؟ إن غايتهم هي السيطرة على مؤسسات المنطقة الاقتصادية، فالمسألة ليست فقط تسويق منتجاتهم الصناعية وإن كانوا يفعلونها الآن باستخدام علامات تجارية زائفة. ففي مصر مثلا نرى بوضوح محاولات التغلغل في كل من القطاعين الزراعي والصناعي من خلال السيطرة على النظام النقدي، ولا عجب أن نرى مفتي الديار المصرية يحلل جميع التعاملات البنكية مخالفا بذلك رأي شيخ الأزهر وما أجمع عليه علماء المسلمين.

المجتمع: إذا فتحت الأسواق العربية أمام منتجات الكيان الصهيوني، فما الواجب على الشعوب أن تفعله لمواجهة هذا الخطر؟

أ. غانم: التمسك بالأسس الشرعية؛ لأنه يحرم عليك شراء أو حتى استعمال منتجاتهم؛ فمثلا شراء البرتقال القادم من فلسطين المغتصبة، والذي يبيعه هذا المغتصب يحرم على كل مسلم، وتقاس على ذلك بقية المنتجات. إن وجود الكيان الصهيوني في فلسطين هو بمكانة خنجر في جسد الأمة الإسلامية مما أفقدها توازنها، ولا سبيل لإعادة هذا التوازن إلا البدء بعملية «عسكرية»، وليست جراحية لانتزاع هذا الخنجر، فمرحلة «التطبيع» التي يطالب بها الكيان الصهيوني ما هي إلا دليل على إقراره بأن وجوده في هذه المنطقة هو أمر غير شرعي.

المجتمع: هل تعتقد أن الكيان الصهيوني سينجح فيما يصبو إليه؟

أ. غانم: من رحمة الله تعالى بنا أنه جل وعلا لم يطالبنا بإحراز نتائج، إلا أنه عز وجل وعدنا بالنصر إذا ما أخذنا بمنهجه وسرنا عليه، ونحن إن تهاونا في ذلك سيعلو علينا الكيان الصهيوني، وكل يوم يمضي ونحن على نفس حالنا هذه سنندم عليه ندما شديدا وسنحاسب عليه يوم القيامة حسابا عسيرا.

حاوره في لندن: فهد العوضي


سوق الشرق الأوسط.. هدفه السيطرة الأجنبية على المنطقة

بقلم: د. توفيق الشاوي*

الذين يخدعون أنفسهم بالقول بأن شعار الشرق الأوسط تعبير عن السلام الذي يضع حدا للصراع العربي الإسرائيلي، نسألهم: إن كان المقصود من هذا السلام المزعوم هو السيطرة الإسرائيلية التي تفرضها الدول الكبرى لصالحها، أم مجرد الاعتراف والتعاون والمشاركة العادلة؟ من حقنا أن نسأل إن كان تعهد أمريكا على لسان رئيسها بضمان التفوق العسكري لإسرائيل على العرب، وضمان احتكارها للسلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل هو وسيلة للتعاون أم أنه طريق إلى السيطرة؟

إذا سلمنا بأن معنى السلام أن تصبح إسرائيل إحدى دول المنطقة ويقوم بينها وبين جيرانها علاقات سلمية على أساس المساواة، فإن هذا الاحتكار للسلاح النووي والتفوق العسكري في نوع السلاح وكميته ليس وسيلة للسلم؛ بل هو تهديد بالعدوان والحرب. وقد بقي للعرب سلاح واحد لوقف مطامع إسرائيل في السيطرة وهو سلاح المقاطعة الاقتصادية، ولكننا نرى بعض الدول الكبرى تريد أن تجردنا من هذا السلاح الأخير، وادعوا أن بناء ما يسمونه «سوق الشرق الأوسط» يبدأ بإلغاء المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل، ثم وضع الاقتصاد العربي والإسلامي تحت نفوذها وسيطرة حلفائها من الدول الأجنبية الكبرى.. ومعنى ذلك أن يصبح لها «ولهم» السيطرة الاقتصادية إلى جانب التفوق النوعي والكمي في الأسلحة.. فلا يبقى أمام حكوماتنا ودولنا إلا الخضوع والاستسلام لها ولهم.

وزيادة في إذلال حكوماتنا نراها تتهمهم دائما بأنهم «غير ديمقراطيين»، وأنهم مستبدون بشعوبهم وينتهكون حقوق الإنسان في بلادهم، وتتباهى إسرائيل وحلفاؤها بأنها هي «الديمقراطية الوحيدة» في المنطقة فيصبح لها تفوق نوعي ثالث في السياسة الداخلية وفي الديمقراطية إلى جانب التفوق الاقتصادي والعسكري. وحلفاء إسرائيل وسادتها يريدون أن تبقى الحكومات في بلادنا بعيدة عن الديمقراطية، بل يفرضون ذلك على من يتعاون معهم من الحكام، ووسيلتهم لذلك سهلة وهي أنهم يفرضون على دولنا وحكامنا إجراءات الاستسلام والخضوع لإرادتهم دون الرجوع إلى شعوبهم بحجة التطبيع مع إسرائيل والتعاون معها فيما يسمونه سوق الشرق الأوسط، وهم يعلمون أن شعوبنا ترفض ذلك وتقاومه.. وتزداد مقاومتها للحكام كلما زادوا استسلاما لطلبات إسرائيل وللقوى الأجنبية التي تحاول فرض ذلك على حكوماتنا بما زودوا به إسرائيل من القوة العسكرية والسيطرة الاقتصادية والسياسية، مطمئنين إلى تبعيتها لهم وتنفيذها لسياستهم ويتخذونها أداة لتفرض مزيدا من الإذلال والإهانة ومزيدا من الخضوع على حكومات المنطقة.. ليستمر العداء وتشتعل الفتن بين حكوماتنا وبين شعوبها وتزيد حاجة الحكام لمساعداتهم المالية والعسكرية وتحرضهم لكي يقضوا على مقاومة شعوبهم وأن يفرضوا عليها السياسة الاستسلامية التي تريدها إسرائيل والقوى الكبرى التي تحركها.. فاستمرار الحكم الاستبدادي في دولنا هدف من أهداف الدول الكبرى المعادية لنا.. لكي يفرضوا به على شعوبنا وحكامنا مزيدا من الخضوع لهم والاستسلام لقراراتهم.. بواسطة إسرائيل من جهة وما يسمونه النظام العالمي الذي يدعمها من جهة أخرى.

إن شعار الشرق الأوسط ما زال كما كان في بدايته بعد الحرب العالمية الثانية حيلة تستخدمها الدول الكبرى الأجنبية لتفرض بها على شعوبنا سيطرتها العسكرية أولا ثم السيطرة الاقتصادية والسياسية تبعا لذلك.. وإن إسرائيل ليست إلا أداة أوجدوها وفرضوها ومكنوها من التفوق العسكري والاقتصادي والسياسي لتنوب عنهم في إخضاع دولنا وإذلال شعوبنا واستغلال مواردنا بحجة ما يسمونه سوق الشرق الأوسط. ولكن يبقى هذا التفوق الإسرائيلي الذي أوجدوه ليكون سلاحا في أيديهم دائما ولا نستطيع الإفلات منه.. فإن ما يسمى بمشروعات «الشرق الأوسط» أصبح شعارا لاستراتيجية بعيدة المدى لمنع أي خطوة تخطوها شعوبنا أو دولنا نحو الوحدة العربية أو الإسلامية؛ لأن هذه الوحدة هي الملجأ الأخير الذي يمكن لشعوبنا أن تلجأ إليه لتستعيد قوتها وتسير في طريق النهضة في جميع ميادين الاقتصاد والسياسة والدفاع كذلك.. ضد الهجوم الأجنبي والسيطرة الاستعمارية.

وهذا الهدف هو أخطر أهداف هذا الشعار المبتكر، الذي نرى بعض المخدوعين والسذج يروجون له دون أن يدركوا أنه سلاح يستخدمه أعداؤنا للقضاء على وحدة هذه الأمة العريقة الكبرى، بل ووجودها الذي يقوم عليه تضامن شعوبنا؛ لأن انتماءها لأمة واحدة يربط بينها برباط التعاون والاتحاد في الإطار العربي والإسلامي، وإذا كان هناك من يشكون في ذلك فإننا نذكرهم بما يلي:

١- لا يكتفي دعاة مشروعات الشرق الأوسط بفرضها على حكوماتنا باسم التعاون مع إسرائيل اقتصاديا وسياسيا رغم معارضة شعوبنا ومقاومتها، بل يريدون أن تكون لها الأولوية على علاقات التعاون بين الدول العربية والإسلامية، ولذلك لا يسمحون لهذه الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي أن تتشاور في هذه المشروعات أو تناقشها في هاتين المنظمتين، بل يفرضون على كل دولة أن توقع اتفاقية ثنائية منفردة مع إسرائيل دون علم شقيقاتها العربية والإسلامية، بل ومن وراء ظهورهم، ولذلك يشترطون في أكثر الأحيان أن تجرى المفاوضات الثنائية في صورة سرية حتى لا تتمكن الحكومة العربية من إبلاغ شقيقاتها أو التشاور معهم.

٢- تضع الدول الكبرى الطامعة في السيطرة على المنطقة ثقلها ونفوذها وراء هذه الخطة وتلوح بأن مساعداتها المالية والعسكرية لأي دولة ستكون معلقة على السير في هذه المشروعات الأوسطية.. دون أي اعتبار للمشروعات المشتركة فيما بين العرب أو المسلمين التي يمكن أن تكون نواة للوحدة الاقتصادية أو الدفاع المشترك أو التضامن العربي أو الإسلامي.. ولأن تعامل إسرائيل مع كل دولة منفردة يضمن لها التفوق، في حين أنها لو تعاملت مع كتلة موحدة تضم دول الجامعة العربية الاثنين والعشرين أو دول المؤتمر الإسلامي الخمسة والأربعين فإنهم سيكونون الطرف الأقوى.

إن مشروعات التعاون مع إسرائيل باسم الشرق الأوسط يقصد بها فرض سياسة تمليها الدول الكبرى الأجنبية بواسطة إسرائيل وتحت شعار الشرق الأوسط.

  • أستاذ القانون الدولي السابق بجامعة القاهرة.

مد إسرائيل بـ٢ مليون طن من الغاز الطبيعي يهدد خطط التنمية المصرية ويحل للصهاينة مشكلتها في الطاقة

في إطار محاولاتها المتواصلة بعد اتفاق غزة- أريحا، تحاول إسرائيل توسيع عمليات التطبيع مع مصر وخاصة في الاتجاهات التي تحل مشاكلها المزمنة وفي مقدمتها مشكلة الطاقة. فقد توصل وزير الطاقة الإسرائيلي موشي شاحال إلى اتفاق من حيث المبدأ مع وزير البترول المصري حمدي البنبي خلال زيارته الأخيرة لمصر يقضي بأن تزود مصر الصهاينة بكميات إضافية من البترول الخام وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي.. ومع أن وزير البترول المصري نفى حدوث مثل هذا الاتفاق في رده على أسئلة أعضاء مجلس الشعب (البرلمان)، ومع نفي الدكتور محمد شوكت المتحدث الرسمي باسم وزارة البترول المصرية أيضا هذا الكلام في تصريح «للمجتمع»، إلا أن وزير الطاقة الإسرائيلي والمتحدثة باسم وزارته والتلفزيون الإسرائيلي المسموع جيدا في شمال مصر أكد حدوث هذا الاتفاق من حيث المبدأ، وأعلنوا أن ما تم الاتفاق عليه هو أن تقوم مصر بتصدير ٢ مليون طن غاز لمدة ٢٥ سنة، كما تطالب إسرائيل بزيادة حصتها الاستيرادية -المنصوص عليها في اتفاقية كامب ديفيد- من مصر، والتي تبلغ ٢٠٪ من إنتاج البترول المصري (٢ مليون طن سنويا).

وقد أكد عمرو كمال حمودة الباحث المصري في شؤون الطاقة «للمجتمع» أن مثل هذه الاتفاقية لو طبقت ستكون تهديدا كبيرا للطاقة ولثروة مصر البترولية الاستراتيجية، خاصة أن احتياطي مصر من البترول لن يكفيها -حسب إحصاءات وزارة البترول المصرية- سوى عشر سنوات. وكشف عن أن دراسات جدوى مشروع نقل الغاز من مصر لإسرائيل معدة ومجهزة منذ مدة في إسرائيل، وأن هذه الدراسات تؤكد أن تكلفة نقل طن الغاز من مصر لإسرائيل تبلغ ستة دولارات فقط، بينما يتكلف نقل الطن عبر السفن من أقرب نقطة لإسرائيل بعد مصر وهي إيطاليا ٣٣ دولارا، وبالتالي يتم توفير ١٧ دولارا لإسرائيل في نقل الطن الواحد. وقال: إن هذا المشروع -المزمع الاتفاق عليه- سوف يهدد خطط التنمية في مصر لأنه سيخلق سوقا تنافسية صهيونية لسوق السماد النيتروجيني المصري؛ إذ إن هذا الغاز سيستخدم في تشغيل مصانع وإنتاج النيتروجين في إسرائيل المطلوب في أوروبا أكثر، ولذلك فإن الصهاينة يطلبون الغاز من الحقول المستخدمة في إنتاج السماد المصري في منطقة طلخا وأبي قير.

ويلفت الانتباه إلى أن إسرائيل سعت جاهدة لهذه الاتفاقية لما تعانيه من أزمة بترولية حادة من جهة (لا تنتج سوى ٢٪ من احتياطاتها البترولية)، وبالتالي لاحتياجها الشديد للغاز خاصة من أجل تشغيل المصانع الصغيرة ومحطة الكهرباء التي أنشئت حديثا في مستوطنتي نامال بيتا وروس بيتا الواقعتين على الحدود المصرية، وكذلك من أجل تشغيل محطات الكهرباء في أشدود وعسقلان والتي تعمل بالمازوت المستورد بأسعار باهظة من الخارج. وكانت خطة وزارة الطاقة الإسرائيلية إحلال الفحم كبديل للمازوت، ولكن ثبت لهم أن التشغيل بالغاز من مصر سيكون أكثر توفيرا.

وقد لاقت هذه الاتفاقية المزمع توقيعها معارضة شديدة من خبراء الطاقة والبترول المصريين؛ لأنها تمثل في نظرهم اعتداء على ثروة مصر البترولية؛ إذ إنه بمرور الوقت تزداد أهمية الغاز الطبيعي في توليد الطاقة خاصة أن احتياطي مصر من البترول الخام لن يكفي إلا لمدة وجيزة بما يحتم على مصر الحفاظ على ما لديها من غازات لاستخدامه في سد متطلبات الطاقة مع تقليل إنتاجنا من البترول الخام للاحتفاظ به للأجيال القادمة؛ حيث سيندر الحصول عليه في المستقبل مع الوضع في الاعتبار أن الغاز لا يخزن عكس البترول. هكذا يؤكد الجيولوجي رؤوف محمد فائق نائب رئيس هيئة البترول السابق لشؤون الغازات ويقول: إن إنتاج مصر من الغاز نفسه لا يكفيها، وذلك حسب البيانات الرسمية؛ إذ يبلغ إجمالي الإنتاج في العام الواحد عشرين مليار متر مكعب (تعادل ١٥١.٨٤٠ مليون برميل بترول) في الوقت الذي تؤكد فيه الخطة الحكومية الرسمية أن إجمالي احتياجات مصر من الغاز حتى عام ١٩٩٠م فقط هو ١٦.٥ مليار متر مكعب، ولا شك أن الرقم ارتفع في عام ١٩٩٣م بعد التوسعات في استخدام الغازات بما يؤكد أن الاحتياجات من الغازات صارت تفوق ما تنتجه.

ويكشف رؤوف فائق أنه ليست هذه المرة الأولى التي تطلب فيها إسرائيل استيراد الغاز المصري، فقد طلبت ذلك في أكتوبر من عام ١٩٨٢م وخلال تسليمها لبقية سيناء، وبالتحديد طلبت مدها بغاز سيناء من منطقة «أبو رعد» على مسافة ١٠ كم جنوب مدينة رفح، وعلى بعد ٥ كم إلى الغرب على خط الحدود مع إسرائيل، وهو حقل يتكون من ٦ آبار تسلمتها مصر من إسرائيل بواسطة الشركة العامة للبترول.. لكن الجانب المصري رفض يومها هذا الطلب بناء على تقرير من إدارة الغازات التي كان يرأسها في ذلك الوقت. وكان هذا الرفض بمثابة فاتحة خير على مشروعات التنمية في مصر؛ حيث استخدم غاز هذا الحقل في تشغيل محطات الكهرباء المغذية لمشروعات التنمية في سيناء والمدن والإنشاءات الجديدة في منطقة القناة.

وقال رؤوف محمد فائق: إن مصر تستورد سنويا ١٥.٢٨ مليون طن من المازوت الخاص (قيمتها ٢.٥ مليار دولار على الأقل) لتشغيل عدد من محطات الكهرباء، ويجب توفيرا لهذا المبلغ الضخم تعديل تشغيل هذه المحطات لتعمل بالغاز بديلا عن المازوت الخاص. وكل ذلك يؤكد في النهاية أن مصر ليس لديها فائض من الغاز لتصديره للصهاينة، وإنما في حاجة لمزيد من إنتاجه للوفاء باحتياجات المشروعات الجديدة!

القاهرة- للمجتمع

الرابط المختصر :