العنوان المقاطعة العربية آيلة للسقوط!!
الكاتب المهدى الغربى
تاريخ النشر الثلاثاء 28-فبراير-1989
مشاهدات 72
نشر في العدد 906
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 28-فبراير-1989
• المقاطعة الشعبية المصرية عوضت عن المقاطعة الرسمية المصرية بعد كامب ديفيد.
• تجربة عمر الشريف وصباح مع المقاطعة العربية عبرة لكل فنان عربي تحدثه نفسه بالتعامل مع الأعداء الصهاينة.
• أمريكا تقاطع الدول على سبيل عقابها وإخضاعها.
• كانت اتفاقيات كامب ديفيد ضربة قاسية لمقاطعة الكيان الصهيوني ومقاطعة كل من يساعده ماديًا وأدبيًا.
• ماذا تعني المقاطعة العربية؟
المقاطعة العربية للأشخاص الطبيعيين والاعتباريين أي للأفراد والشركات مهما كانت أنشطتها أملتها حالة الحرب بين العرب والكيان الصهيوني وضرورة حماية أمن الأمة من خطر الاعتداء عليها، كما أملاها حقها المشروع في الدفاع عن النفس بكل الطرق والوسائل المتاحة، ولا بد أن نوضح أن المقاطعة العربية لا تقوم على تمييز عنصري أو ديني وليست موجهة ضد اليهود كما تحاول الصهيونية إظهارها، ولا أدل على ذلك من وجود شركات أصحابها من اليهود لا تشملها هذه المقاطعة لأنها لا تقوم بما يؤدي إلى دعم العدو الصهيوني عسكريًا أو اقتصاديًا، في حين أن هنالك شركات أصحابها من المسلمين وضعت في القائمة السوداء وطبقت عليها إجراءات المقاطعة لأنها لا تعير مصلحة الأمة العليا أي اهتمام، وقد أدى بها جريها وراء الربح والربح فقط إلى التعامل مع العدو الصهيوني تعاملًا يستفيد منه هذا العدو.
ثم إن المقاطعة الاقتصادية وغيرها ليس أمرًا استحدثه العرب، بل هي أسلوب اتبعته ولا زالت تتبعه العديد من الدول ومنها الدول الغربية لحماية ما تعتبره مصالحها المشروعة، وهي لا ترى في ذلك أدنى انتهاك لقوانين التجارة الدولية والأمثلة على ذلك كثيرة وبعض الدول طبقت المقاطعة لأسباب أقل أهمية من خطر العدوان، من ذلك مثلًا المقاطعة الشاملة التي فرضتها أمريكا على كل من فيتنام الشمالية وبولندا وكوبا على سبيل العقاب، ومن ذلك أيضًا مقاطعة بريطانيا للأرجنتين أثناء حرب المالوين وقد طلبت بريطانيا من حلفائها أن يتضامنوا معها بفرض المقاطعة نفسها.
وإذا نظرنا إلى المقاطعة العربية من الناحية القانونية نجد أنها لا تتعارض مع القوانين التجارية المعمول بها والتي تقوم على قاعدة «العقد شريعة المتعاقدين» ويترتب على هذه القاعدة أن لكل طرف الحق في اشتراط ما يراه من الشروط المناسبة لمصالحه ما دام الطرف الآخر يحتفظ بكامل الحرية في قبول أو رفض تلك الشروط، لكن المسألة على الصعيد الرسمي العربي ليست مسألة قانونية وإنما هي مسألة إرادة وطنية وقومية ومسألة اختيارات وتوجه سياسي، ولذلك كانت اتفاقيات كامب ديفيد ضربة قاسية لمقاطعة الكيان الصهيوني ومقاطعة كل من يساعده ماديًا وأدبيًا، ونحن نتساءل اليوم بعد أن عفا الدهر على تلك الاتفاقيات السيئة الذكر، ماذا بقي من المقاطعة العربية التي أنشئت عام 1950 لإحكام طوق الحصار حول الكيان الصهيوني؟ ولماذا لا نسعى لتطوير عمل مكاتب المقاطعة في الدول العربية؟ ولماذا لا نحسس المواطنين أفرادًا وجماعات بأهمية هذه القضية وندعوهم للقيام بواجباتهم وأداء دورهم في هذه المقاطعة إذا تعذر أن تقوم بها الجهات الرسمية في بعض بلداننا العربية والإسلامية؟
• أثبتت المقاطعة نجاعتها:
إن تجربة السبعينيات والثمانينيات أثبتت نجاعة المقاطعة العربية للأشخاص الطبيعيين والاعتباريين المتعاونين بشكل من الأشكال مع العدو الصهيوني، وأكدت أن هذه المقاطعة يمكن أن تحقق أهدافها كلما توفرت إرادة المقاطعة الجادة والقرارات الحازمة بالوقوف في وجه من يعادينا ويضع يده في يد عدونا الأول، وليس أدل على ذلك من أن المقاطعة العربية كانت -لا سيما في بداية السبعينيات- ولا تزال تشكل هاجسًا من هواجس الكيان الصهيوني المقلقة يدفعها إلى التحرك في كل الاتجاهات بحثًا عن منافذ للفكاك من طوق المقاطعة الاقتصادية بالخصوص المضروب حولها، وتتمثل حصيلة النجاحات التي حققتها المقاطعة العربية في تراجع عدد لا بأس به من الأشخاص والشركات ذات الجنسيات المختلفة والأنشطة المتنوعة عن بناء علاقات مع الكيان الصهيوني، وعدولها عن التعامل معه وتصفيته نشاطها في الأراضي العربية المحتلة، وآخر هذه النجاحات التي حققتها المطالبة العربية امتناع أكثر من 1500 من مندوبي وكالات السفر عن حضور مؤتمر رابطة وكالات السفر البريطانية «أيتا» الذي انعقد في نوفمبر 1988 بالقدس المحتلة، ومكاتب المقاطعة العربية مطالبة لتعزيز هذا النجاح بمقاطعة وكالات السفر والشركات التي أسهمت ورعت ذلك المؤتمر المستفز لشعور المسلمين قاطبة، ومن الأمثلة البارزة على نجاح المقاطعة العربية التزام شركة فورد بمبادئ وقوانين المقاطعة العربية وتقديمها للوثائق المصدق عليها والمثبتة لقطع كل علاقة مع الكيان الصهيوني، الشيء الذي أدى إلى رفع الحظر عنها وشطب اسمها من القائمة السوداء.
أما على مستوى الأفراد فأهم ما حققته المقاطعة العربية أنها حدت من ظاهرة تعامل بعض الفنانين والمثقفين العرب مع فناني العدو ومثقفيه، كما أنها حدت من القيام بأعمال فنية في الخارج من شأنها الإساءة إلى العرب وإلى مشاعرهم، ومن المظاهر الدالة على ذلك رفع الحظر عن الممثل المصري المشهور عمر الشريف والمغنية اللبنانية صباح بعد أن اعتذرا رسميًا لمفوض المقاطعة العربية وللأمة العربية كلها، وأوضحا موقفيهما بخصوص ما قاما به من أعمال فنية أساءت إلى شعور كل عربي ومسلم وبعد أن تعهد بالالتزام بمبادئ المقاطعة العربية والتمسك بعروبتهما والدفاع عنها.
فقد أرسل عمر الشريف رسالة من مقر إقامته بباريس إلى المفوض العام رئيس مكتب مقاطعة إسرائيل يطلب فيها رفع اسمه من القوائم السوداء ويقول فيها: «بعض أقوالي وتصرفاتي كانت بالتأكيد مصدر هذه العقوبة الخطيرة التي آسف لها وأعبر عن تعلقي العميق بجذوري وبالقضية العربية» ويضيف: «أيًا كان السبب وراء هذه العقوبة الخطيرة التي آسف لها لم أقصد أبدًا أو كان في نيتي الإساءة إلى قضية أو كرامة الأمة العربية التي أفخر بتراثها وإني أتعهد بأن لا تضر أعمالي في المستقبل بالأمة العربية». وقد وقعت مقاطعة عمر الشريف ومنع من دخول البلاد العربية ومنع تداول أفلامه منذ عام 1980 بسبب اشتراكه في تمثيل فيلم «اشانتي» الذي صور في الأراضي المحتلة وتضمن طعنًا بالعرب وإساءة إليهم، ويوضح عمر الشريف موقفه من هذا الفيلم فيقول: إنه أمضى ثلاث سنوات بدون عمل، ولذلك وقع عقدًا للقيام ببطولة هذا الفيلم الذي كان يفترض أن يتم تصويره في المغرب ولكن ظروف حرب الصحراء بين المغرب والبوليساريو جعلت المنتج يقرر تصويره في فلسطين المحتلة، وعندئذ رفض الذهاب إلى هناك رغم توقيعه العقد، وتنازل عن مبلغ ضخم بسبب ذلك، فعوض بممثل هندي وبما أن إعلانات الفيلم حملت اسمه فقد طالبوه بالظهور دقيقتين فقط في نهايته تم تصويرهما في جزيرة صقلية أما المطربة صباح فتقول إنها وقعت ضحية خدعة التليفزيون الفرنسي الذي قدمها في البرنامج الغنائي الراقص «البيدق الكبير» الذي يقدمه جاك سنسال على القناة الثانية في التليفزيون الفرنسي مع المغني اليهودي الفرنسي «ايريكو ماسياس» ومع الفرقة الإسرائيلية KOLAVIV، تقول صباح في معرض دفاعها عن نفسها: «والحقيقة أنني كنت ضحية سوء فهم فإنني لم أكن أعرف أنني سأظهر مع هذا المطرب في برنامج واحد، وقد صوروا أغنيتي ثم دمجوا التصوير بحيث ظهرنا معًا، وقد قدمت احتجاجًا في ذلك الحين إلى التليفزيون الفرنسي» وسواء صحت هذه الأقوال أم لم تصح فقد كانت للمقاطعة العربية مفعولها وأثرها الكبير ومقاطعة عمر الشريف وصباح لا بد أن يستظهرها ويعتبر بها أي فنان عربي آخر قد تحدثه نفسه بالقيام بأعمال مماثلة.
• اعتراف أم مقاطعة؟
كان يمكن للمقاطعة العربية أن تكون لها نتائج أفضل وأثر أكبر وأن تحكم طوق الحصار حول العدو المتربص بالأمة، ولكن للأسف ما إن بدأت هذه المقاطعة تؤتي أكلها وتظهر نتائجها حتى زعزعت أركانها معاهدة الصلح المصرية الإسرائيلية، وضربتها في الصميم دعوات الانفتاح والسلام المزعوم، وهمشتها زيارات المسؤولين الصهاينة لمصر والمغرب الأقصى، فبعد أن كان الاتجاه نحو تعزيز هذه المقاطعة وتنظيم مكاتبها وتطويرها بحيث تقوم بواجباتها على نحو أفضل، صار الاتجاه نحو الارتخاء والتباطؤ وحتى الإهمال، وإذا كانت المقاطعة العربية تشكو من قبل من بعض الثغرات كعدم وجود مكاتب إقليمية لها في دول المغرب العربي وجيبوتي والصومال، فإن ثغراتها اليوم لا حصر لها سواء على مستوى الفاعلية والنجاعة أو على مستوى التنسيق والتنظيم فيما بين المكاتب أو على مستوى الرصد والتحقيق أو غير ذلك، ولا يمكن أن تلام مكاتب المقاطعة العربية أو أن تحمل مسؤولية ذلك ما دام الأمر مرتبطًا أساسًا بإرادة سياسية.
وما دامت دعوات الصلح مع العدو والاعتراف به تقوض أركانها من الأساس، وكيف يمكن للمقاطعة أن تنجح عندما تطبق -ولو بحزم وصرامة- في دولة عربية ولا تطبق في دولة عربية أخرى، وعلى سبيل المثال عندما قوطعت شركة كوكا كولا الأمريكية والداعمة للكيان الصهيوني فإن تلك المقاطعة لم تنفذ في المغرب والجزائر وتونس، وبقيت شركة كوكا كولا تستفيد من هذه الأسواق العربية، وإذا أخذنا في الحديث عن الثغرات فلن ننتهي منها فكم من مرة اكتشف المواطنون في هذا البلد أو ذاك بضائع إسرائيلية الصنع دخلت أسواقنا بشهادات منشأ مزورة؟ وأين نحن من قرار مقاطعة نجيب محفوظ وموسى صبري وأنيس منصور وثروت أباظة والدكتورة سهير القلماوي والدكتور زكي نجيب محمود والشيخ حسين مخلوف والشيخ حافظ سليمان «لاحظ أن الأخيرين من الشيوخ!!!» وغيرهم من الكتاب والمثقفين الذين ركبوا موجة الانفتاح، وساروا في مواكب الساسة الانفتاحيين الداعين إلى مد اليد إلى الأعداء حتى لو صوب هؤلاء الأعداء إلينا بنادقهم عوض أن يمدوا أيديهم للسلام؟
وكم من فيلم شاهده المتفرج العربي على هذه الشاشة أو تلك أطل منه ممثلون أجانب هم على اللائحة السوداء بسبب ما عرفوا به من تعصب للكيان الصهيوني والسخرية من كل ما عربي؟ بل كم من فيلم عرضته التليفزيونات العربية لشركة كولومبيا الشهيرة والتي تمتلكها شركة كوكا كولا أو شركة «كانون» التي يملكها الإسرائيلي «مناحيم غولان وشريكه بورام غلوبوس»؟
• يبقى لأفراد الشعب دور:
إذا كانت المقاطعة العربية الرسمية آيلة للسقوط فإننا نعول على جماهير الأمة لدعمها وبث دماء جديدة في شرايينها للحيلولة دون انهيارها الذي يعتبر هدفًا من أهداف الأعداء طالما حلموا به، لقد استطاعت معاهدة كامب ديفيد أن تكسر حلقة من حلقات المقاطعة العربية الرسمية، ولكن جماهير الشعب المصري عزز المقاطعة الشعبية لكل ما هو صهيوني أو يمت للصهيونية بصلة وقد حاصر الشعب الشركات المصرية التي تعاملت مع الصهاينة، وقاطع البضائع الصهيونية وأغلق جناح الكتاب الصهيوني في معرض الكتاب بالقاهرة، كما طوق الكتاب والمثقفين والفنانين من دعاة الانفتاح على العدو مما جعل البعض منهم على الأقل يتراجع عن مواقفه السابقة فكًا للحصار واتقاء لشره، وهكذا أثبتت التجربة أن المقاطعة الشعبية لها دور وأي دور وإن كانت لا تلغي المقاطعة الرسمية، وفي ظل الوضع الراهن وفي غياب مقاطعة رسمية قوية وجادة وحازمة فإن المواطن العربي في أي بلاد عربية مدعو إلى رفع سلاح المقاطعة دفاعًا عن حقه وكرامته وتأمينًا لحياته وحياة أبنائه، حتى لا يقدم من حيث لا يدري دعمًا ولو بسيطًا لقاعدة العدوان المسماة «إسرائيل».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل