العنوان المفكرون هم الجهاز العصبي للأمة
الكاتب أوات محمد امين
تاريخ النشر السبت 07-يناير-2006
مشاهدات 88
نشر في العدد 1684
نشر في الصفحة 56
السبت 07-يناير-2006
إعداد مبارك عبد الله
في مقال رائع بعنوان «لماذا يقتل العالم العربي المفكرين»، نقل د. خالد حلبي عن «برتراند راسل» قوله، إن كل النهضة الغربية يعود فضلها لمائة دماغ لو اغتيلت أو قضي عليها لأجهضت النهضة وانطفأ عصر التنوير، وفي البيولوجيا، فإن الدماغ هو النسيج النبيل، والمفكرون في الأمة مثل الخلايا العصبية في الدماغ يتقدون ويقودون، فإذا حل السرطان بالجسم انتقلت العدوى إلى بقية المكونات.
وحسب قانون «الكواكبي» فإن الناس ثلاث فئات: عوام، ومستبدون، وعلماء، والعوام يتأرجحون بين قطبي العلماء والمستبدين فإن جهلوا خافوا، وإن خافوا استسلموا والعلماء يعلمون والعلم نور، والخوف جهالة وظلام، فإذا انتشر النور لقشع الظلام وانزاح الخوف، وما يبدئ الباطل وما يعيد وجاء الأنبياء والفلاسفة يعلمون الناس فمنهم من أوذي ومنهم من قتل وما بدلوا تبديلًا.
الموهبة في الغرب هي مناط التكليف أما في الشرق فهي مناط التأديب والذرائع الناجحة عندهم تلف بالحرير وعندنا تلوى بعنف حتى تتوب من جريرة النجاح والتميز، وهذا هو معيار التقدم والتخلف لأن عالم التكنولوجيا والصناعات هو نتاج التفكير والإبداع الفكري وأجزم بأن معيار تقدم أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية يرجع إلى احترام وتقدير أصحاب الكفاءات العلمية، والحاضر والتاريخ خير شاهد على ما نقول فالشرق الإسلامي في العهد العباسي كان متقدمًا ومزدهرًا بالعلم والمعرفة، فقد أسس العلماء أسس كل الحقول العلمية التي يفتخر بها الغرب اليوم من «الطب والرياضيات والفيزياء والفلك و...» أما الجانب الأخلاقي فلا يزال يحتفظ الشرق به نسبيًا ويفتخر به ويرجع السبب والفضل إلى الدين الإسلامي، فلنا حضارة أخلاقية وهي مؤهلة إذا هذبت على الطريقة الإسلامية، أن تقود من جديد الحضارة التكنولوجية الغربية.
كان الغرب يعيش أحلك أيامه وأقتمها فكان مجرد التعبير عن نظرية علمية جزاؤه الموت أو الحرق وما حصل لـ «جاليلو وكوبرنيكوس و...» يؤكد صحة ما ذهبنا إليه، ولكن سرعان ما فطن الغرب لهذا الخلل الفكري، وأطاحت الثورة الإصلاحية بمثل هذه النظريات المتخلفة وبدأ بتأسيس حضارة علمية عملية تجريدية، ويرجع فضل هذا التقدم الهائل إلى العلماء والمفكرين
المفكرون هم الذين يوصلون حلقات الدنيا الثلاث بعضها ببعض الماضي والحاضر والمستقبل، وهذا من أجل التوازن الفكري والمعرفي والإنساني، إذن فهم حلقات الوصل والتوضيح، وهم مصابيح الهدى، وهم الذين يبشرون بتوطيد دعائم المجتمع المتمدن والقانوني والذي يتنكر الماضية التاريخي والمعرفي يكون إنسانًا مائلًا غير مستوي، ولا يستطيع بناء حاضره ومستقبله، والذي يعيش فقط للمستقبل دون الاهتمام بالماضي والحاضر لا يكون إنسانًا نافعًا لنفسه ولغيره.
والذي يعيش في الماضي وحده ويترك الحاضر والمستقبل وراء ظهره يصاب بعقدة «نوستلوجيا» أي الحنين إلى الماضي، ويصيب غيره باليأس والإحباط ويكون شعاره دومًا: كان أبي كان أبي أما المفكر والعالم فهو الذي يقوم بربط هذه الحلقات الثلاث بعضها ببعض.
واقعنا المعرفي
وباستقراء واقعنا في المجال المعرفي والفكري والعلمي نصل إلى أنه رغم انتفاء كل حوافز التشجيع والدعم المادي والمعنوي وتسهيل أمور الحياة للعالم أو المفكر فإنه يضايق في فكره وحركته وإبداعاته، وخوفًا على حياته ومحيطه ينكمش على نفسه ويخنق الإبداع والفكر في نفسه، فيجعل من نفسه مقبرة لأفكاره وإبداعاته.
مركز استراتيجي للمفكرين
فلماذا لا يوجد مركز استراتيجي لكل المفكرين دون تمييز للأفكار الحزبية الضيقة يفعل المراكز البحثية الاجتماعية لكي تقدم الحلول للمشكلات والقضايا الاجتماعية لأن المشكلات الاجتماعية التي تزداد يومًا بعد يوم وتستعصي على الحل الإداري بحاجة ماسة إلى الحل الفكري قبل الحل الإداري، فإن الباحثين الاجتماعيين في بحثهم عن المشكلات والقضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية يصلون إلى النقطة المركزية لهذه المشكلة ثم يحددون أسبابها وتداعياتها، ومن ثم يقومون بوضع العلاج المناسب للأشخاص والبيئة لكي يقضي على الوباء نهائيًا.
فنحن اليوم بأمس الحاجة إلى المفكرين لكل قضايانا، لكي يضعوا من جديد النقاط على الحروف، وتكون للكلمات معان نفهمها، ثم تكون منها جملًا مفيدة تكون بمثابة حلول جذرية لما تعاني منه، وهذه الطريقة ترجع إلى الدور الريادي للعلماء والمفكرين ومراكز البحوث، ثم نستطيع أن نقول بعد ذلك أننا بدأنا العروج في سلم المضي نحو جوهر التقدم، لأن الحياة بدأت تدب في الأعصاب من جديد، والمفكرون هم عصب هذه الأمة.