; المغرب: هل يشارك الإسلاميون في الحكومة المقبلة؟ | مجلة المجتمع

العنوان المغرب: هل يشارك الإسلاميون في الحكومة المقبلة؟

الكاتب بلال التليدي

تاريخ النشر السبت 20-يونيو-2009

مشاهدات 60

نشر في العدد 1857

نشر في الصفحة 14

السبت 20-يونيو-2009

  • مستقبل المشهد السياسي المغربي غامض في ظل نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة.
  • حزب العدالة والتنمية يحقق المرتبة الأولى في المدن بزيادة ٥٠٠ مقعد عن انتخابات ٢٠٠٣م.
  • رغم حصول حزب الأصالة والمعاصرة على المرتبة الأولى إلا أن نجاحه يبقى محدودا فقد فشل في اختراق الوسط الحضري حيث النخبة المثقفة والواعية.

شهد المغرب يوم الجمعة ١٢ يونيو الجاري انتخابات بلدية مثيرة في وقائعها ونتائجها، الأمر الذي يحتاج إلى وقفة تحليلية مطولة لتبيان ما جرى.

فمنذ سنة ١٩٦٣م تعززت مقولة سياسية مفسرة للخرائط الانتخابية التي أفرزتها الانتخابات الجماعية (البلدية) عبر جميع محطاتها (١٩٦٣، ١٩٦٩، ۱۹۷۶،۱۹۸۳، ۱۹۹۲، ۱۹۹۷، ۲۰۰۳، ۲۰۰۹م)، وهي أن البادية بدوائرها القروية هي صانعة الخريطة السياسية الجماعية في المغرب، ليس لأن البادية في المغرب تتمتع بوعي وحراك سياسي يجعلها تتحكم في المشهد السياسي الجماعي، ولكن لأن طبيعة التقطيع الانتخابي، والتقسيم الذي تعتمده وزارة الداخلية يفرض هذه النتيجة، فبالنظر إلى التقطيع الانتخابي الذي تم اعتماده في الانتخابات الجماعية الأخيرة (البلدية)، نجد أن عدد البلديات القروية يبلغ ۱۲۸۲ بلدية في مقابل ۲۲۱ بلدية فقط في الوسط الحضري (مجموع الجماعات الانتخابية في المغرب هو 1503 جماعة)، وبالنظر إلى عدد المقاعد المخصصة للعالم القروي نجد ٢١٠٩٤ مقعداً، في حين لا تتجاوز مقاعد الوسط الحضري ٦٧٠١ (مجموع المقاعد المتنافس حولها هو ٢٧٧٩٥ مقعدا)؛ ولذلك لا تشذ هذه الانتخابات في شيء عن سابقاتها من حيث كون السلطة السياسية في البلاد تراهن دائما على العالم القروي لضبط التوازنات السياسية، على اعتبار أن هذه البادية وحسب كثير من الدراسات المتخصصة في العلوم السياسية تبقى المجال المحفوظ للسلطة السياسية، وأنه يصعب على أي حزب أن يخترق هذا المجال إلا أن يكون دائرا في فلكها، وبالإضافة إلى هذا المعطى، هناك جانب ثان تابع لهذا الأصل المفسر، وهو يتعلق بنمط الاقتراع.

فالبادية بقيت محتفظة بنمط الاقتراع الفردي، وهو ما يعني عدم اشتراط الحصول على نسبة 6% التي تشترط في نظام الاقتراع باللائحة، وهو ما يعني أيضا سهولة الحصول على مقاعد بالنسبة إلى الأعيان، إذ إن المقعد يمكن أن يكون بأقل من ١٥٠ صوتا، بينما يشترط في الاقتراع اللائحي الحصول على 6% والتي قد تصل في بعض الأحيان إلى ٦٠٠٠ صوت !!

وبالنظر إلى الجماعات التي تخضع لنمط الاقتراع الفردي نجد أنها تصل إلى ٢٠٥٧٥ جماعة، بينما لا تتجاوز الجماعات الخاضعة لنمط الاقتراع اللائحي ٧٢٥٠ جماعة.

هذه مقدمات أولية لا يمكن فهم نتائج الانتخابات البلدية المغربية لـ ١٢ يونيو ٢٠٠٩م دون استحضارها .

الأصالة والمعاصرة حزب البادية

المغربية الجديد

تصدر حزب الأصالة والمعاصرة المرتبة الأولى في الانتخابات البلدية الأخيرة وحصل على ما مجموعه ٦٠١٥ مقعدا، بنسبة 21.69 % من مجموع المقاعد و 1.155.247 صوتا، أي بنسبة 18.72% .

لكن هذا النجاح الذي حققه هذا الحزب يبقى محدوداً بحكم أنه فشل تمامًا في اختراق الوسط الحضري؛ حيث النخبة المثقفة والواعية التي يفترض أن تكون المجال الحيوي لاستقطاب الخطاب الجديد الذي يبرر به هذا الحزب وجوده، فقد استثمر هذا الحزب بحكم أن مؤسسه (وزير الداخلية السابق) كان مهندس الانتخابات المغربية مقولة "الفلاح صانع الخريطة السياسية" وفاز من أصل 6015 مقعدا التي حصلها في هذه الانتخابات بـ ٥٥٠٠ مقعد في الدوائر الخاضعة لنمط الاقتراع الفردي، بينما تؤشر النتائج على محدودية حضوره في المجال الحضري (حصل على المرتبة الثالثة بعد العدالة والتنمية وحزب الاستقلال).

هذه المعطيات تؤكد أن حزب الأصالة والمعاصرة فشل في استقطاب النخب الحضرية، وصنع نجاحه الانتخابي من خلال المراهنة على العالم القروي الذي يكون فيه التصويت في الغالب غير خاضع لاعتبارات البرنامج والخطاب السياسي، وإنما تحدده اعتبارات قبلية وعلائقية واجتماعية.

هذه النتيجة التي حصل عليها الحزب، وإن كانت بعض التناولات الإعلامية تحاول أن تذهب بها بعيدا، وتفترض على منوالها المستقبل السياسي للمغرب، وأن هذا الحزب سيكون على رأس الانتخابات التشريعية المقبلة، وأن تجربة "حزب جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية" ستعاد في ثوب جديد للوقوف أمام تنامي المد السياسي الحزب العدالة والتنمية، إلا أن فشله من جهة في اختراق العالم الحضري وموجة التشكك العارمة التي تحملها عنه كل مكونات المشهد السياسي بما في ذلك الأحزاب التي أبدت نوعا من الاستعداد للتنسيق معه في البداية بالإضافة إلى الاختلاف الكبير بين الانتخابات التشريعية والبلدية، والتي يكون للمجال الحضري في الأولى دور مؤثر، فيما يكون المجال القروي في الثانية حاسما، كل هذه العوامل تطرح أسئلة عميقة على مثل تلك التحليلات، خاصة وأن الرهان السياسي لخروج هذا الحزب (عمره فقط ٨ أشهر) كان هو محاصرة العدالة والتنمية، وهو الرهان الذي كشفت نتائج الانتخابات البلدية فشله .

الحزب الأول في المدن

أظهرت نتائج الانتخابات بخصوص حزب العدالة والتنمية ثلاثة معطيات أساسية:

۱- تصدره نتائج الجماعات ذات الاقتراع اللائحي، إذ حصل على المرتبة الأولى بـ ٧٣٤ مقعدا، بعدما حصل على المرتبة الثانية في انتخابات ۲۰۰۳م بعد حزب الاستقلال بـ ٣٨٦ مقعدا.

وقد حقق حزب العدالة والتنمية هذه المرتبة الأولى متقدما على حزب الاستقلال الذي احتل المرتبة الثانية بـ ٦٥٥ مقعدا. وحزب الأصالة والمعاصرة بـ ٦٤٨ مقعداً، وحقق الحزب المرتبة الأولى في 8 مدن هي: الدار البيضاء، ووجدة، والقنيطرة، وتمارة، وأبي الجعد، والعرائش، وشفشاون، والرشيدية.

٢- فوز الحزب في البلديات التي كان يديرها، وقد عزز موقعه في ١٥ بلدية كان يسيرها، إذ حصل على الغالبية المطلقة في كل من بلدية "آسن"، وجماعة "سبت الكردان" بتارودانت، وبلدية "واد زم"، وحصل على المرتبة الأولى في كل من "تمارة"، و"القصر الكبير"، وعزز موقعه في بلدية "تابريكت" (إضافة ستة مقاعد)، وبلدية "يعقوب المنصور" بالرباط (إضافة مقعد واحد) واحتفظ بنفس النتيجة في كل من بلدية "قصبة تادلة" وبلدية "ويسلان مكناس" وبلدية "أزرو"، وعلى الرغم من الحملة التي استهدفته في مدينة مكناس، إلا أنها لم تؤثر على نتائجه في الانتخابات، إذ لم ينقص من مقاعده سوى ٣ مقاعد.

3- فوز الحزب بالأغلبية المطلقة في 12 بلدية حضرية، وهو ما يعني أنه سيضاعف رصيد تجربته البلدية على الأقل فيما يفوق ١٥ بلدية يكون له فيها التسيير المباشر.

ويمكن تفسير تقدم حزب العدالة والتنمية في المدن بجملة من العوامل المتداخلة، فهناك أولا، طبيعة بنية الحزب التي ترتكز بشكل أساس على النخبة المتعلمة والطبقة الوسطى وهي التي جعلت استراتيجيته الانتخابية منذ أول انتخابات بلدية عام ١٩٩٧م تتوجه إلى المدن، وهو الأمر الذي تعزز خلال انتخابات ۲۰۰۳م، وظهر بشكل أوضح في تصدره للمرتبة الأولى في انتخابات ۲۰۰۹م، وهناك ثانيا موقعه في المعارضة وخطابه السياسي المعارض الذي تجاوبت معه الطبقة الوسطى والشرائح الشعبية المتعلمة في المدن، وهناك ثالثا الجانب المتعلق برصيد المصداقية الذي يتمتع به أعضاؤه في المدن بالقياس إلى ظاهرة الفساد وسوء التسيير الذي يطغى على تدبير الشأن المحلي في المدن.

وبشكل عام، إذا قارنا نتائج حزب العدالة والتنمية منذ أول مشاركة له عام ۱۹۹۷م إلى هذه المحطة الانتخابية سنجد أنه ضاعف مقاعده بـ ١٥ مرة، ففي انتخابات ۱۹۹۷م حصل فقط على ۱۰۰ مقعد (شاركت الحركة الإسلامية بمرشحين مستقلين)، في حين ضاعف مقاعده بالمقارنة مع مقاعده في اقتراع ۲۰۰۳م بحوالي ثلاث مرات، إذ حصل في انتخابات ۲۰۰۳م على ٥٩٣ مقعدا، وحصل في هذه الانتخابات على ١٥١٣ مقعداً.

اليسار يتراجع

وتبقى الملاحظة الثالثة في هذه الانتخابات هو التراجع الذي حصل لليسار في هذه الانتخابات؛ حيث تراجع "الاتحاد الاشتراكي" إلى المرتبة الرابعة، ولم يحصل إلا على ٣٢٢٦ مقعداً، بنسبة ١١.٦٣%، و 667.986 صوتاً، أي بنسبة 10.82% وكان قد حصل على ۳۳۷۳ مقعدا.

أما بالنسبة لحزب التقدم والاشتراكية فقد سجل تراجعاً ملحوظاً، فبعد فوزه في انتخابات ۲۰۰3م بـ ۱۲۰۰ مقعد، و 5.5% من نسبة الأصوات على الصعيد الوطني، تراجع الحزب في انتخابات ۲۰۰۹م، ولم يحصل إلا على ۱۱۰۲ ، بنسبة 3.97%، أو بـ 4.24% من نسبة الأصوات على الصعيد الوطني، بينما لم يحقق حزب اليسار الموحد» سوى تقدم طفيف، فبعد أن حصل على ٣٠٠ مقعد سنة ۲۰۰۳م، أضاف إلى رصيده ٢٥ مقعداً جديداً، لكن هذه الإضافة لا تعني الشيء الكثير، لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار ارتفاع البلديات بنسبة 7% مقارنة بانتخابات 2003م.

مستقبل المشهد السياسي

تتيح لنا نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة بالمغرب الوقوف على حقيقتين متناقضتين:

  • فوز الأصالة والمعاصرة في الدوائر القروية.
  • فوز العدالة والتنمية في المدن. وهو المعطى الذي لا يسمح بتوقع في أي اتجاه تمضي الخريطة السياسية.

فالقراءة التي تعتبر أن تقدم حزب الأصالة والمعاصرة كان هدفه تقليص مقاعد العدالة والتنمية، تقابل بحجم التقدم الكبير الذي حصل عليه الحزب في هذه الانتخابات.

أمام هاتين الحقيقتين يصعب التنبؤ بمال المشهد السياسي ومستقبل التشكيلة الحكومية، لكن من المؤكد أن التحالفات التي ستنسج لتشكيل المجالس المسيرة للبلديات يبقى هو المؤشر الواضح الذي يمكن أن نعتمده في توقع مستقبل الخريطة الانتخابية، فأي ضغط في اتجاه قطع الطريق أمام العدالة والتنمية للوصول إلى رئاسة هذه المجالس سيكون مؤشرا في صالح القراءة الاستئصالية، وفي المقابل فإن تصدر حزب العدالة والتنمية لرئاسة بعض المدن الكبرى أو على الأقل المشاركة فيها بحجم كبير سيفتح المشهد السياسي على احتمالات مشاركة العدالة والتنمية في التشكيل الحكومي.

الرابط المختصر :