العنوان المغرب: حملة «الأيادي النظيفة» انطلقت .. وجيش الفساد هزمها!
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر السبت 29-مارس-2003
مشاهدات 54
نشر في العدد 1544
نشر في الصفحة 42
السبت 29-مارس-2003
لجنة برلمانية تكتشف:
العلاقات المتينة بين تجارة المخدرات وعالم السياسة وراء توقيف حملة التطهير في منتصف الطريق.
بعض مديري «سياش» يسكنون القصور وفواتير تليفونات أحدهم بالملايين!
اختلاس ۱۱ مليار دولار من مؤسسة سياش وحدها بنسبة تساوي ٨٠٪ من ديون المغرب.
وزير الصيد السابق:
٧٠٪ من الإنتاج الوطني البحري يتم بيعه بشكل غير قانوني.
نخبة من جنرالات الجيش يمتلكون سفنًا للصيد في أعالي البحار!
هيئة حماية المال العام:
إجمالي الاختلاسات من المؤسسات والمرافق العمومية يساوي حجم الاحتياطي لعام ٢٠٠١ أربع مرات و٣٤٪ من الدين الداخلي العام ويكفي لبناء ٢٢٤٠٠ مدرسة وكان يمكن أن يوفر أكثر من 4 ملايين فرصة عمل!
قضية الاختلاسات في الخطوط الجوية المغربية تدخل الأدراج بعد كشف كبار المتورطين.
رؤوس التهريب وأباطرة المخدرات.. بعضهم له علاقات تمتد إلى الأروقة العليا للسلطة.. دور بارز لمستشار يهودي كبير.
شكلت السنة الماضية في المغرب بتقدير المراقبين سنة فتح الملفات التي ظلت مغلقة لسنوات طوال فيما كانت أوراقها تتراكم تباعًا، وكان ما اصطلح على تسميته بـ«الصناديق السوداء» في المؤسسات التابعة لدولة كبرى يعني هذه الملفات، إذ ظلت هذه المؤسسات خلال العقود الماضية منذ استقلال المغرب عام ١٩٥٦ غير خاضعة للرقابة المالية والإدارية، فيما استمر نهب المال العام دون قيود على أيدي نخبة من المتنفذين اغتنوا على حساب المغاربة، وحين بدأ رفع الستار عن جزء من هذه القضايا والكشف عن المتورطين فيها كانت المفاجأة التي خلقت زوبعة سياسية عاش المغرب على إيقاعها على امتداد أكثر من عام عنصر المفاجأة هذه المرة لم يكن فقط في حجم المبالغ المختلسة ولكن في طبيعة الشخصيات المتورطة ذات الثقل في الساحتين السياسية والاقتصادية.
وقد طرحت قضية الفساد المالي والإداري في مؤسسات الدولة لأول مرة في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي على عهد الملك الحسن الثاني. إذ بعد خروج المغرب من مرحلة إعادة التقويم الهيكلي لاقتصاده تبعًا لتوصيات صندوق النقد الدولي، وهي مرحلة خلفت أضرارًا اجتماعية كبيرة مازالت نتائجها تلاحق البلاد. وضع الصندوق المذكور تقريرًا مفصلًا بشروط النهوض الاقتصادي في المغرب وكشفًا بالعوائق التي تحول دون ذلك، وكان مما رصده البنك وجود عوامل للفساد داخل المؤسسات العامة بشكل لا يمكن الاقتصاد من السير الطبيعي. وربما كان هذا التقرير سيظل سرًا إلا لدى المسؤولين، لكن الحسن الثاني قدمه إلى البرلمان في جلسة علنية عام ١٩٩٥، وشرعت الصحف في نشره كاملًا، مما اعتبر «ثورة» بمقاييس تلك الفترة في بلد بدأ منذ نهاية التسعينيات يسير بوتيرة أسرع مما يمكن توقعه، ولم يعد الفساد في الدولة موضوعًا يحظر الحديث فيه، ولكن لم تجر محاربته في ذلك الحين.
وبعد ذلك التقرير الشهير أطلق وزير الداخلية السابق إدريس البصري ما عرف حينها بحملة التطهير، التي تعقبت شبكات التهريب والمخدرات خصوصًا في منطقة الشمال المغربي المحاذية لأوروبا، حيث تنشط زراعة المخدرات وترويجها وتهريبها في الدول الأوروبية، بعد أن بدأت هذه الأخيرة تشتكي من كون المغرب معبرًا رئيسًا لتلك التجارة إليها. وقد قادت تلك الحملة إلى التعرف على رؤوس التهريب في المغرب وأباطرة كبار، بعضهم له علاقات تمتد إلى الأروقة العليا للسلطة، وظهور ترابط قوي بين المخدرات وعالم السياسة، الأمر الذي أدى إلى توقيف الحملة في منتصف الطريق.
قضية السياش... البداية:
في يوليو ۲۰۰۰ صادق البرلمان المغربي على قرار تشكيل لجنة خاصة للتقصي في الفضائح المالية لمؤسسة القرض العقاري والسياحي (السياش) بعد أن راج الحديث عن تحويل أموال بشكل غير مشروع من هذه المؤسسة لفائدة بعض الشخصيات النافذة، وبعد أن أصبحت المؤسسة على حافة الإفلاس.
وقد تم إنشاء هذه المؤسسة بهدف تمويل المشاريع السكنية والسياحية، وفي العام ۱۹۸۸ تحولت إلى مؤسسة بنكية مع بقاء الدولة مساهمة فيها بنسبة ٤٨ من رأسمالها تقريبًا.
وقد عملت اللجنة لمدة ستة أشهر استمعت خلالها لجميع المسؤولين فيها والمدراء الذين تعاقبوا عليها والشخصيات التي أخذت قروضًا منها دون إرجاعها، ووضعت تقريرًا ضخمًا مفصلًا قدمته إلى البرلمان.
وكشف التقرير عن اختلاسات مالية جاوزت ۱۱ مليار دولار ما يساوي ٨٠٪ من ديون المغرب الخارجية كما وجد أن النسبة الأكبر من القروض التي قدمتها المؤسسة لم تذهب إلى المشاريع الطبيعية التي يمولها بل إلى مشروعات شخصية، وأن الكثير منها منح بدون اشتراط الفوائد الربوية التي تشترطها على زبائنها وبدون دراسة الجدوى للمشاريع المنجزة والمخاطر الاقتصادية الناجمة عنها. والأغرب من ذلك أن تقرير اللجنة كشف أن بعض المديرين السابقين للمؤسسة كانوا يتقاضون أجورًا خيالية ويعيشون في مساكن أقرب إلى القصور ويغيرون سياراتهم عشرات المرات، بل إن أحدهم كان يدفع شهريًا الملايين فاتورة هاتفه المنزلي كل شهر، إلى غير ذلك من التفاصيل التي كشفت عن وجود جدران فاصلة بين نخبة من المغاربة وباقي المواطنين أما المستفيدون من أموال المؤسسة فقد كانوا من السياسيين والبرلمانيين وزعماء الأحزاب والنقابات بينهم الممثل الدائم للمغرب في الأمم المتحدة سابقًا.
وقد تم تقديم ۳۸ متهمًا إلى المحاكمة، ١٤ منهم معتقلون والآخرون مطلقو السراح، بينما فر المدير السابق للمؤسسة بين عامي ١٩٩٤ و۱۹۹۸ زين الدين الزاهيدي، إلى إسبانيا حاملًا معه أسرار مرحلة حرجة من عمر المؤسسة. ومن مكان اختفائه أطلق الزاهيدي تصريحات مثيرة لأسبوعية «لوجورنال إبدو مادير» المغربية قال فيها إن الكثير من الملفات موضوع التورط تدخل فيها القصر الملكي، وأن اللجنة البرلمانية التي حققت في فضائح المؤسسة تجنبت التطرق لتدخلات بعض أفراد العائلة الملكية لصالح عملاء البنك، وأنه راسل القصر مرات عدة بشأن بعض الحالات لكن الأوامر كانت تنزل عليه من فوق، واتهم أسماء معينة نافذة في الدولة منها المستشار الملكي اليهودي أندريه أزولاي.
لكن قضية القرض العقاري والسياحي لم تكن سوى بداية فتح الملفات الأخرى التي كشفت فجأة عمق الاختلالات السياسية والاقتصادية في البلاد، وارتباط الأزمة الخانقة التي عاشها المغرب في السابق بالفساد المالي والإداري، ومن بين هذه القضايا قضية الاختلاسات في الخطوط الجوية المغربية -التابعة للدولة- التي كلفت الدولة ملايين سنتيم تم تهريبها، علاوة على الديون التي تراكمت عليها -حيث تم الكشف عن أن أحد مديريها السابقين قام باقتناء عشر طائرات دفعة واحدة دون أن تكون هناك حاجة إلى تجديد الأسطول الجوي للشركة، ودون أن تكون الميزانية قادرة على تحمل هذه التكاليف الجديدة، كما وجد أيضًا أن عددًا من المسؤولين في الشركة كانوا يتقاضون أجورًا خيالية، وكانت فواتير الكهرباء والهواتف الشخصية لهؤلاء تدفع من ميزانية الشركة، ومع ذلك فقد أقبر الملف ولم تتم إحالته إلى القضاء.
القضية الثانية: تخص شركة كوماناف للملاحة، وكان حجم الاختلاسات يتجاوز ۱۸ مليار سنتيم، مع مديونية تفوق ۲۰ مليار سنتيم. ثم قضية البنك الشعبي، وهو مؤسسة مصرفية عمومية، تم الكشف عن اختلاس حوالي ١٦ مليار سنتيم منه بطرق غير مشروعة، والمكتب الوطني للنقل، ووكالة الأنباء الرسمية، والمكتب الشريف للفوسفات، وعدد من المصحات العامة والصندوق الوطني للقرض الفلاحي «٨٤» مليار درهم، وصندوق الضمان الاجتماعي «١١٥» مليار درهم، والمكتب الوطني للصيد البحري، وكان وزير الصيد السابق التهامي الخياري قد صرح العام الماضي أن %۷۰ من الإنتاج الوطني البحري الذي يشرف عليه المكتب المذكور يتم بيعه بطرق غير قانونية، وظهر من خلال ما نشرته الصحف أن نخبة قليلة من جنرالات الجيش المغربي يملكون عددًا من البواخر الخاصة بالصيد في أعالي البحار، والشيء نفسه مع شركتي صوديا، وصوجيتا اللتين أنشئتا عامي ۱۹۷۲ و۱۹۷۳ بهدف تسيير واستغلال الأراضي الزراعية التي كانت في يد المعمرين الفرنسيين إبان الاستعمار، إذ كانتا تملكان ٣٠٥ آلاف هكتار، ووجد أن ٩٩ ألفًا منها ذهبت إلى متنفذين سواء عبر كراء طويل الأمد لقاء مبالغ زهيدة أو بالاستيلاء عليها.
وفيما كان التحقيق يجري في بعض هذه الملفات أو يخضع المتهمون فيها للمحاكمة، كانت الصحف تتناقل وباستمرار أخبارًا عن اختلاسات في البلديات والجماعات من طرف المنتخبين، وبعض هؤلاء اختار مغادرة البلاد هروبًا من المحاكمة والمتابعة القانونية.
وحسب هيئة حماية المال العام التي تشكلت في العام الماضي بعد بروز هذه الفضائح المالية بمبادرة من جمعيات ومنظمات حقوقية وشبابية واقتصادية مختلفة، فإن المبالغ المختلسة في جميع هذه المؤسسات والمرافق العمومية تمثل أربع مرات الاحتياطي المغربي لعام ۲۰۰۱ وحده، و ٣٤ من الناتج الداخلي الخام لنفس السنة، كما كانت كافية لبناء ٢٢٤٠٠ مدرسة بمعدل ١٦ قسمًا في كل مدرسة من المدارس النموذجية، ويمكنها أن توفر ٤ ملايين و١٢٤٥٠ ألف فرصة عمل، مما يساعد في القضاء على البطالة.
إغلاق الملفات:
غير أن الذي يبدو هو أن الدولة آثرت التراجع وعدم الاستمرار في سياسة المحاكمات التي نادى بها العديد من المنظمات والجمعيات مطالبة في الوقت ذاته بإعادة المبالغ المختلسة. فقد تم الإفراج عن عدد كبير من المتورطين الذين كانوا قيد الاعتقال تمهيدًا لمحاكمتهم، بعد أن تشكلت الحكومة الجديدة التي يقف على رأسها وزير أول تكنوقراطي عهد إليه تحريك عجلة الاستثمار، إذ يبدو أن الحكومة رغبت في طي صفحة الاختلاسات والاختلالات دون إعمال المسطرة القانونية بقصد عدم إثارة حفيظة المستثمرين المغاربة والأجانب، وتغليب مبدأ اللاعقاب»، الأمر الذي ترك مساحة واسعة من التشويش لدى الرأي العام والمنظمات الحقوقية حول جدوى الترسانة القانونية دون تطبيقها، والتخوف من أن يتكرر الذي حدث في الماضي ما دامت سياسة التسامح مع الجريمة الاقتصادية هي التي سادت في التعاطي مع هذه الملفات الثقيلة، غير أن الأهم من كل ذلك هو تضرر صورة الدولة لدى الرأي العام الذي اطلع على تفاصيل الاختلاسات ليرى في النهاية أصحابها طلقاء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل