العنوان صراع القيم والمصالح.. المعونات الأوروبية لإفريقيا
الكاتب أيمن السيد شبانة
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1999
مشاهدات 76
نشر في العدد 1372
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 19-أكتوبر-1999
فيما أعلن الاتحاد الأوروبي أن الالتزام بالديمقراطية وحقوق الإنسان شرط أساسي لمنح المساعدات التنموية للدول الإفريقية.. نجد أن التصرف الفعلي اتجه بعيدًا عن هذه المسائل.. وهاكم الأمثلة والدليل.
في تجربة الجزائر سلم الاتحاد الأوروبي بأن لفرنسا الحق في أن تأخذ دور القيادة في تشكيل سياسات الاتحاد تجاه بعض الدول.
في أعقاب الحرب الباردة حدث بعض التغيرات في الأجندة السياسية والاقتصادية للدول المانحة، التي أصبحت تؤكد على المسائل الخاصة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، كشروط مسبقة للحصول على المعونات، ويصدق ذلك على الاتحاد الأوروبي بشكل عام، والدول الأوروبية فرادى في الوقت ذاته، ففي أعقاب سقوط سور برلين تحدث وزير الخارجية البريطاني آنذاك- دوجلاس هيرد- قائلًا: «إن التنمية والحكم الجيد يسيران جنبًا إلى جنب في الدول النامية، وإن النجاح الاقتصادي يعتمد بالدرجة الأولى على وجود حكومة تتسم بالكفاءة والأمانة، وتأخذ بالتعددية السياسية، وفضلًا عن ذلك، فإن النجاح الاقتصادي يعتمد على احترام القانون والحريات والاقتصادات الأكثر انفتاحًا..».
وفي الشهر نفسه تحدث الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران في لقاء مع عدد من الرؤساء الأفارقة قائلًا: «إن فرنسا في المستقبل سوف تكون أقل التزامًا بمنح المساعدات إلى النظم ذات الاتجاهات السلطوية، والتي لا تتجه نحو الأخذ بمزيد من الديمقراطية».
وهناك الكثير من الأمثلة التي توضح هذا الاتجاه الأوروبي يمكن التعرف عليها من خلال رصد تصريحات القادة الأوروبيين حول هذا الأمر، وهي ما تؤخذ من خلال نصوص اتفاقية ماستريخت التي أنشئ على أساسها الاتحاد الأوروبي، وأيضًا اتفاقية لومي في الاتفاق الجديد الذي يغطي الفترة من عام ١٩٩٥- ٢٠٠٠م، حيث تم التأكيد على الديمقراطية وحقوق الإنسان كمبادئ حاكمة للعلاقات بين أطراف هاتين الاتفاقيتين، وكشرط مسبق للحصول على المساعدات التنموية التي يقدمها الاتحاد الأوروبي.
وسنحاول الإجابة عن السؤال التالي: إلى أي مدى تعتبر أوروبا جادة في التزامها بدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان في إفريقيا؟ وهل تؤثر قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان بالفعل على السياسة الأوروبية المتعلقة بالمعونات التي تقدم للقارة؟
وفي هذا الإطار نعرض لأربع حالات دراسية نوضح من خلالها الدوافع الحقيقية للمساعدات الأوروبية وهي: جنوب إفريقيا، كينيا، النيجر، الجزائر.
جنوب إفريقيا: التحول والديمقراطية
كانت جنوب إفريقيا واحدة من أهم الدول الإفريقية في الأولويات الأوروبية في اثناء الحرب الباردة، نظرًا لما تحويه أراضيها من ثروات كامنة، ومنذ أن أصبحت الديمقراطية السمة المميزة للمساعدات الأوروبية، فإن الجماعة الأوروبية أخذت على عاتقها مساعدة جنوب إفريقيا على التحول من نظام الأقلية البيضاء إلى النظام الديمقراطي القائم على أساس حكم الأغلبية، وقد اكتسبت المساعي الأوروبية دفعة قوية بعد الإفراج عن نيلسون مانديلا في فبراير عام ١٩٩٠م.
وكانت أوروبا قد أخذت على عاتقها مهمة دعم ومساندة الدول الإفريقية المناهضة لسياسة التفرقة العنصرية، حيث قدمت برنامجًا خاصًا لمساعدة ضحايا الأبارتهيد «التمييز العنصري»، بتمويل قدره عشرة بلايين إيكو سنويًا، اشتمل على الكثير من الخدمات التعليمية والتدريبية والمساعدات الإنسانية والاجتماعية، وذلك من خلال المنظمات التي لا تلجأ إلى استخدام العنف في العمل السياسي، والتي لا تنتمي إلى أبنية الدولة ومؤسساتها، وبنهاية هذا البرنامج في أكتوبر عام ١٩٩١م كانت الجماعة الأوروبية قد تمكنت من تمويل نحو ٤٠١ مشروع بتكلفة مقدارها ۱۳۰ بليون إيكو.
مع التحولات التي حدثت في جنوب إفريقيا والإفراج عن مانديلا قدمت الجماعة الأوروبية المزيد من الأموال، كما أنشأت مكتبًا للتنسيق في جنوب إفريقيا بهدف الإشراف على المشروعات التي تدعمها، حيث بلغ الاهتمام الأوروبي بجنوب إفريقيا حدًا جعل الكثير من المحللين يصفون البرنامج الأوروبي الخاص بجنوب إفريقيا، بأنه أكبر برنامج أوروبي للمساعدات من أي نوع خلال الفترة من عام ١٩٨٦ إلى ۱۹۹٤م، حيث رأت الجماعة الأوروبية أنها بتقديمها لهذه المساعدات يمكنها أن تدعم عمليات التفاوض بهدف التحول الديمقراطي في البلاد، ومراقبة ما يمكن أن يحدث من أعمال عنف متوقعة في مثل هذه الحالات، وذلك من خلال نشر العديد من المراقبين السياسيين الأوروبيين لأداء مهام عديدة أهمها: الترويج لفكرة عقد انتخابات عامة غير عنصرية، مع التأكيد على أهمية وجود إعلام حر مستقل، باعتبار أن ذلك من الأمور الحيوية للحملة الانتخابية.
ومع التحولات التي أسفرت عنها انتخابات أبريل عام ١٩٩٤ في جنوب إفريقيا تحول البرنامج الخاص للمساعدات الأوروبية إلى برنامج عام مصمم بهدف دعم عملية التحول نحو الديمقراطية المستقرة، وإقامة دولة غير عنصرية، ففي أعقاب تشکیل مانديلا لحكومته بدأت المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي وجنوب إفريقيا من أجل إيجاد نوع من التعاون بين الطرفين، وهي المفاوضات التي بلغت ذروتها في أكتوبر عام ١٩٩٤م، عندما تم توقيع اتفاق للتعاون بين الطرفين تم بموجبه إعادة تأسيس العلاقات بينهما على أساس احترام المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وإذا كانت الجهود السابقة للاتحاد الأوروبي في جنوب إفريقيا قد ساعدت بالفعل على نجاح عملية التحول الديمقراطي فيها، إلا أن الأمر لم يخل من بعض الفوائد التي سعت الدول الأوروبية إلى الحصول عليها، حيث كانت هناك طموحات تراود دول الاتحاد في تحويل الاتحاد إلى قوة دولية كبرى بما يعزز السياسة الأمنية والخارجية الأوروبية، وقد تزايدت هذه الطموحات بصفة خاصة بعد الحرب الباردة، حتى وإن كانت هناك لمسة من المثالية تتمثل في الرغبة الأوروبية في دعم عملية التحول الديمقراطي في جنوب إفريقيا- على الأقل بالنسبة للدول الإسكندنافية التي استمرت في محاربة الأبارتهيد منذ الستينيات- إلا أنه من الصعب تفهم هذه المثالية دون إدراك الفهم الأوروبي لآثار سياسة الأبارتهيد على الاستقرار، ومن ثم على الأمن في منطقة إفريقيا الجنوبية بالكامل، ولذلك فإن الدعم الأوروبي لعملية التحول الديمقراطي في جنوب إفريقيا كان- بلا شك- دعمًا تدفعه الاعتبارات الأمنية الأوروبية، أيضًا فإن الاعتبارات التجارية وما يرتبط بها من مصالح واتفاقات- كما هو الحال بالنسبة لاتفاقية لومي- كانت من أهم العوامل المؤثرة على سياسة المعونات الأوروبية في جنوب إفريقيا ما بعد التمييز العنصري.
كينيا: الضغط المشترك يمكن أن يصنع شيئًا مختلفًا
بعد قرار الجماعة الأوروبية في ٢٨ من فبراير عام ۱۹۹۱م أصبحت كينيا واحدة من أوائل الدول التي خضعت للضغط من جانب المانحين من أجل الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، ففي أعقاب المقابلة التي جرت بين المانحين وممثلي الحكومة الكينية في خريف عام ۱۹۹۱م قرر المانحون تخفيض المساعدات المقررة لكينيا بشكل حاد، حتى تقوم الحكومة بتحسين أوضاع حقوق الإنسان، والسيطرة على الفساد المنتشر في البلاد، وهو الأمر الذي دفع الرئيس الكيني «دانيال آراب مو» إلى الإعلان عن الاتجاه لعقد انتخابات حرة على أساس التعدد الحزبي، وهي الانتخابات التي عقدت بالفعل على المستويين الرئاسي والبرلماني في ٢٩ من ديسمبر عام ۱۹۹۲م، حيث أعيد انتخاب موي رئيسًا للبلاد.
ورغم إجراء الانتخابات، فإن المانحين لم يتخذوا قرارًا فوريًا باستئناف تقديم المساعدات إلى كينيا، ويرجع ذلك إلى الوضع المتردي للديمقراطية وحقوق الإنسان في البلاد، ووصول مستويات الفساد إلى أبعاد خطيرة، مما جعل المانحين يمسكون المساعدات عن كينيا، وهو ما يعني أن الحكم الجيد أصبح فجأة بمثابة الحجة غير الرسمية في مواجهة الحكومة الكينية، بما يكشف عن ازدواجية الدوافع لدى المانحين، ويثير التساؤل عن أي شروط المساعدات أكثر أهمية الديمقراطية أم الحكم الجيد؟
وفي منتصف عام ۱۹۹۳م وجد الاتحاد الأوروبي أن هناك تقدمًا يسير بخطى حثيثة في كينيا، لذلك قرر الاتحاد استئناف المساعدات لكينيا، ولكن بمقدار يقل عنه خلال عقد الثمانينيات؛ حتى إن المساعدات الأوروبية قد تقلصت من ٥١٦ مليون دولار أمريكي عام ۱۹۹۱م إلى ۲۰۰ مليون عام ١٩٩٥م، كما قرر الاتحاد الاستمرار في تقديم المساعدات للمنظمات غير الحكومية مع العمل على دفع المشروعات التنموية في البلاد، وبخاصة في مجالات الصحة والتعليم والطرق.
ورغم التحول الذي طرأ على سياسة الاتحاد الأوروبي إزاء كينيا، إلا أن ممارسات الرئيس موي كشفت عن عدم رغبته- وعدم قدرته أيضًا- على القيام بالمزيد من الإصلاحات السياسية التي كان ينتظرها الاتحاد، حيث استمر نظام موي في إنكاره حق المعارضة في الوصول إلى وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الحكومة، كما تزايدت حالات انتهاك حقوق الإنسان بشكل واضح، الأمر الذي دفع البعض إلى القول إن الرئيس موي قد عاد إلى حكمه الدكتاتوري مرة أخرى بحلول عام ١٩٩٦م.
وفي عام ۱۹۹۷م كانت لا تزال هناك الكثير من القيود على ممارسة الحقوق الديمقراطية، ومثال ذلك القيود التي فرضت على حرية التجمع والتنظيم، فضلًا عن استمرار حزب «كانو» في السيطرة على مقاليد الأمور في البلاد، وعدم استجابة حكومة موي لمطالب المعارضة الخاصة بإصلاح الدستور وقوانين الانتخابات، باعتبار أن ذلك أمر ضروري لضمان حرية الانتخابات، وفي ظل هذه الأوضاع أصدر الاتحاد الأوروبي بيانًا ناشد فيه كلًا من الحكومة والمعارضة بضبط النفس خلال الفترة الانتخابية المقبلة، كما أصدر الممثلون الدبلوماسيون للدول الإسكندنافية في كينيا بيانًا خاصًا يطالب بالرقابة على الحقوق الديمقراطية الأساسية مثل: حرية الكلام والتعبير وحق التجمع.
وفي ٣١ من يوليو عام ۱۹۹۷م أوقف صندوق النقد الدولي تقديم تسهيلات التكيف الهيكلي إلى كينيا، بعدما صدم بفشل الحكومة في السيطرة على مستوى الفساد المرتفع في البلاد، كما قدم الصندوق برنامجًا إصلاحيًا اشتمل على خمسة بنود كي تطبقه الحكومة الكينية حتى يستأنف تقديم قروض التكيف الهيكلي، وفي ظل هذه الأوضاع أعلن الرئيس موي أن حكومته تريد مناقشة الإصلاحات السياسية في البلاد بما في ذلك إصلاح الدستور والقوانين الانتخابية، كما تم إلغاء القيود التي كانت مفروضة على حق المواطنين في التجمع، وهو ما يعني أن الحكومة الكينية كانت أسهل انقياداً للقيود الخارجية.
وقد أوضحت الحالة الكينية أن الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء به يمكن أن يعملوا– وفقًا لمثالياتهم المعلنة والمتعلقة بدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان في الخارج- إذا لم تكن هناك مصالح جوهرية يخشى عليها، سواء على المستوى الأوروبي العام، أو على مستوى الدول فرادي، فالتجارة الأوروبية مع كينيا غير ذات أهمية، وكذلك الحال بالنسبة لحجم الاستثمار الأوروبي الخاص في البلاد، وهذا يمكن أن يقود إلى استنتاج مؤداه أنه في الحالات التي لا توجد فيها مصالح جوهرية- كما هو الحال بالنسبة لمعظم الدول الإفريقية- فإنه يمكن أن يكون هناك التزام بالمبادئ المعلنة الحاكمة لسياسة المعونات، رغم ذلك فإنه لا يمكن تجاهل أن الاتحاد الأوروبي قد استمر في دعم السلطات الكينية بعد عام ۱۹۹۲م في إطار اتفاقية لومي، حيث بدا الأمر وكان الاتحاد أقل استعدادًا لتعليق الالتزام القانوني المتضمن في الاتفاقية، وهو ما يكشف عن بعض جوانب عدم الاتساق في سياسة الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالمعونات حتى في الحالات ذات الأهمية السياسية والاقتصادية القليلة بالنسبة للاتحاد الأوروبي.
النيجر: الاستقرار أم المبادئ؟
وفي حالة النيجر تمثل الصراع بشكل جلي بين المصالح الوطنية للمانحين في جانب، وثقل المبادئ الأخلاقية على الجانب الآخر، كما حدث بعد الانقلاب العسكري الذي وقع بالنيجر في ٢٧ يناير عام ١٩٩٦م، والذي أدى إلى تغيير السلطات المنتخبة ديمقراطيًا، حيث تفاعل الاتحاد الأوروبي على الفور مع هذا الانقلاب الذي قطع عملية التحول الديمقراطي التي بدأت عام ١٩٩٣م، حيث قرر الاتحاد إيقاف تعاونه التنموي مع النيجر لمدة ستة أشهر.
على أن فرنسا انتهكت نظم الاتحاد الأوروبي بعد أقل من شهرين من صدور القرار السابق، عندما قررت في 7 من مارس عام ۱۹۹۳م استئناف تعاونها الخاص بالمعونات الثنائية إلى النيجر، وهو التعاون الذي اشتمل على المساعدات المدنية والعسكرية ودعم الميزانية، حيث تم تخصيص سبعة ملايين فرنك من هذه المعونات لدعم الانتخابات التي وعد المجلس العسكري بإجرائها، كما أكدت فرنسا أيضًا استعدادها لدعم النيجر داخل مؤسسات «بريتون وودز»، ورغم ذلك أعلن الاتحاد الأوروبي في بروكسل في ١٤ من مارس أن المعونات سوف تظل مجمدة حتى يظهر دليل فعلي على العودة إلى الديمقراطية.
وبعد التصديق على الاستفتاء الدستوري، قرر الاتحاد الأوروبي إعادة تقديم المعونات إلى النيجر بشكل تدريجي، كما أعلن أنه في ضوء رفع الحظر عن الأحزاب السياسية، وإنهاء حالة الطوارئ في البلاد، فإن الاتحاد يرى أن النيجر أوفت بتعهداتها، وبالتالي فإن التعاون سوف يستأنف بشكل حثيث بحيث يتضمن دعم العملية الانتخابية ودعم إجراءات التكيف الهيكلي.
ومن أجل تغيير الصورة الدكتاتورية العسكرية قررت السلطات في النيجر إجراء انتخابات رئاسية في يوليو عام ١٩٩٦م، مما دفع صندوق النقد الدولي إلى الموافقة على قرض جديد لمدة 3 سنوات في إطار تسهيل التكيف الهيكلي، وفي أعقاب الانتخابات أصدر الاتحاد الأوروبي بيانًا ينتقد فيه العملية الانتخابية التي أحاط بها الكثير من الشكوك التي تنتقص من مصداقية النتيجة التي انتهت إليها، رغم ذلك فقد أعلنت فرنسا رضاها التام عن نتائج الانتخابات، واستمرت في تقديم إحدى المساعدات الثنائية إلى النيجر، كما حضر وزير التعاون التنموي الفرنسي مراسم تنصيب الرئيس «إبراهيم باري» في أغسطس عام ١٩٩٦م، وهو الأمر الذي انتقدته بشدة أطراف الاتحاد الأوروبي الأول الأخرى مثل ألمانيا والدنمارك.
وعلى الرغم من الشكوك الأوروبية إزاء احترام السلطات في النيجر لحقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، فإن الاتحاد الأوروبي اتخذ قرارًا بدعم برنامج التكيف الهيكلي في البلاد، متجاهلًا بذلك تقارير منظمة العفو الدولية التي استمرت في الإشارة إلى تزايد أحداث العنف ضد المواطنين والمعارضة، وتزايد حالات انتهاك الديمقراطية وحقوق الإنسان، وقد برر الاتحاد الأوروبي قراره السابق بأن طبيعة الحكومة التي شكلها الرئيس باري عقب الانتخابات البرلمانية في سبتمبر عام من ١٩٩٦م قد اتسمت بالمعقولية، حيث ضمت العديد من ممثلي المعارضة، فضلًا عن اتجاه النظام الحاكم إلى إطلاق سراح معظم السجناء السياسيين، وإدخال المزيد من الإصلاحات الديمقراطية.
والواقع أن حالة النيجر تعد مثيرة للاهتمام لعدة أسباب، منها: أن النيجر دولة إفريقية تنطوي على قدر محدود جدًا من المصالح الاقتصادية والسياسية بالنسبة لأوروبا بصفة عامة، ولذلك فقد كان متوقعًا أن تكون الدول الأوروبية أكثر التزامًا بتطبيق مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان- كما هو الحال بالنسبة لكينيا- وخاصة أن النيجر تعد واحدة من أكثر الدول الإفريقية اعتمادًا على المساعدات الخارجية خاصة من دول الاتحاد الأوروبي.
والواقع أن نقص الحزم وعدم الاتساق في الموقف الأوروبي إزاء النيجر يمكن أن يفسر أيضًا من خلال محاولات حكومة «نيامي» لتجنب انتهاكات حقوق الإنسان الأكثر سوءًا، حيث بدأ الأمر كأن الحكومة جادة بالفعل في مسعاها لوضع العملية الديمقراطية موضع التطبيق، على أن الموقف الفرنسي في هذا الإطار يمكن تفسيره في ضوء المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الخاصة بفرنسا في النيجر، فهناك مخاوف من عدم الاستقرار الإقليمي فيما لو سقطت الحكومة المركزية في نيامي باعتبار أن ذلك سوف يفسح المجال أمام النفوذ الليبي في غرب إفريقيا، فضلًا عن أن النيجر أهم مصدر لليورانيوم الذي تعتمد عليه فرنسا بنسبة تقترب من 100%، لذلك سعت فرنسا عام ١٩٩٦م إلى اكتساب تأييد دول الاتحاد الأوروبي لوجهة نظرها التي تقول: إنه إذا ما أرادت إحدى دول الاتحاد القوية رعاية مصالحها القومية، فإنها يمكنها القيام بذلك دونما اعتبار للقرارات المشتركة في مجلس الوزراء الأوروبي، ومن ثم فإن حالة النيجر توضح نقطة مهمة بخصوص العلاقات الأوروبية الإفريقية، وهي أن فرنسا تسيطر تقليديًا على العلاقات الأوروبية مع القارة منذ قيام الجماعة الأوروبية، حيث يتجه معظم الدول الأعضاء فيها إلى اتباع القيادة الفرنسية في العلاقة مع إفريقيا.
الجزائر: الأمن بدلًا من الديمقراطية!!
وتمثل الجزائر نموذجًا للسيطرة الفرنسية على السياسة الأوروبية في إطار العلاقات مع الدول الإفريقية، فبعد أقل من شهرين من إعلان مجلس وزراء التنمية لدول الاتحاد الأوروبي عن أن الديمقراطية وحقوق الإنسان يجب أن تكون شروطًا مسبقة للحصول على المعونات الأوروبية، قام الجيش الجزائري بانقلاب في يناير عام ١٩٩٣م ليوقف بذلك عملية التحول الديمقراطي في البلاد.
وعلى الرغم من أن معظم الدول الأوروبية ظلت صامتة إزاء تدخل الجيش، بل إن عددًا منها اعتبرت أن الحكم العسكري في الجزائر أقل خطرًا من حكم جبهة الإنقاذ الإسلامية- على الأقل في الأجل القصير- وهو ما يعني أن الكارثة التي حاقت بالجزائر قد طابت للدول الأوروبية.
الروابط التقليدية بين فرنسا والجزائر دفعت الاتحاد الأوروبي إلى الاعتقاد بأن فرنسا يجب أن تأخذ دور القيادة في تشكيل سياسات الاتحاد الأوروبي إزاء الجزائر، ومن ثم أخذت دول الاتحاد توازن بين مصالحها المحدودة في الجزائر، وبين تمام دعم السياسة الفرنسية في قيادة عملية الدفاع عن مصالحها في المنطقة، الأمر الذي ساعد على غلبة الأولويات الفرنسية على سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه الجزائر بصفة خاصة، والشمال الإفريقي بصفة عامة.
وعلى الرغم من التسليم الفرنسي بأن الحكومة العسكرية في الجزائر لا تمثل نموذجًا للديموقراطية، فإن فرنسا ترى أن الحكم العسكري كان يمثل المعقل الأخير في مواجهة الإسلاميين، ولهذا السبب ساد أوروبا قبول عام للموقف الفرنسي الذي كان يرى أن الحكومة العسكرية لا يجب أن تدخل في حوار مع الإسلاميين، ومن ثم اقتصر الموقف الأوروبي على تقديم المساعدات الاقتصادية والمالية للحكومة العسكرية، حيث أعلن وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه أن أوروبا يجب أن تدعم الإصلاحات الاقتصادية التي تستهدف وضع حد لمشكلة البطالة المتنامية، والتي يعتقد أنها السبب الأساسي في عدم الاستقرار في الجزائر.
إن التحليل السابق للموقف في الجزائر هو الذي دفع باريس لمضاعفة مساعداتها الثنائية وتسهيلاتها الائتمانية لجارتها الجنوبية عبر البحر المتوسط، حيث زادت المساعدات الفرنسية للجزائر من ۱۲۲ مليون دولار أمريكي عام ۱۹۹۰م إلى ۲۰۹ ملايين دولار عام ١٩٩٤م، بالإضافة إلى نجاح فرنسا في إقناع أعضاء الاتحاد الأوروبي بتقديم المزيد من التسهيلات الائتمانية للحكومة الجزائرية، حتى بلغت هذه التسهيلات نحو ٤٠ مليون دولار عام ١٩٩٤م مقابل۱۰ ملايين دولار فقط عام ۱۹۹۰م.
في هذا الإطار يمكن القول إن الموقف الأوروبي تجاه الجزائر اثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن الاتحاد الأوروبي لديه بالفعل اتجاه لتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان على الورق فقط، فإذا ما دعيت دول الاتحاد لوضع هذه المبادئ موضع التنفيذ الفعلي، فإنها غالبًا ما تفتقر إلى الإرادة التي تمكنها من تنفيذ تعهداتها، ومن ثم فقد أوقعت الحالة الجزائرية الاتحاد الأوروبي في مأزق عميق حينما فرضت عليه الاختيار بين حكومة عسكرية غير ديمقراطية وجبهة إسلامية منتخبة بطريقة حرة ولكنها...
وهناك بعض الاتجاهات التي تميل إلى القول إن عدم الالتزام الأوروبي بوضع مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان موضع التطبيق في الجزائر مرجعه انشغال دول الاتحاد الأوروبي بالمخاوف القادمة من جيرانهم الجنوبيين، وأهمها: الأوضاع الأمنية المتدهورة، وتنامي أعداد المهاجرين إلى القارة الأوروبية، ليس هناك من شك في أن المسائل الأمنية ما زالت ضمن قضايا السياسة العليا بالنسبة للدول الأوروبية، بينما تندرج قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان ضمن قضايا السياسة الدنيا التي يمكن العمل على دعمها عندما لا توجد مسائل أخرى ملحة.
وبينما تعتبر المسائل الخاصة بالديمقراطية وحقوق الإنسان في مقدمة الشعارات التي روجت لها الدول الأوروبية والاتحاد الأوروبي، واعتبرتها شروطًا أساسية لمنح المساعدات التنموية في بداية التسعينيات، فإن التصرفات الأوروبية اتجهت بعيدًا عن هذه المسائل في مناسبات عديدة، أهمها المسلك الأوروبي في التعامل مع عملية التحول الديمقراطي في جنوب إفريقيا، وانتكاس تجربتي التحول الديمقراطي في كلًا من الجزائر والنيجر.. وإذا كانت الحالة الكينية تمثل استثناء من القاعدة السابقة في ضوء تراجع أهمية الاعتبارات الاقتصادية والأمنية بالنسبة للمانحين الأوروبيين، إلا أنه يمكن القول إن أوروبا أصبحت أكثر انشغالًا بالمسائل الأمنية، وخاصة منع اندلاع الصراعات وحفظ السلام في إفريقيا بعد عام ١٩٩٤م.
وبالطبع فإن الاهتمام بهذه المسائل سوف يحول دون تمتع المسائل الخاصة بالديمقراطية وحقوق الإنسان بموقع متميز في إطار السياسات الأوروبية المستقبلية تجاه القارة الإفريقية، وهو ما يؤكد أن الدوافع التقليدية لسلوك الدول المانحة ما زالت تلعب دورها في عالم ما بعد الحرب الباردة، الأمر الذي يثبت صدق المقولات التي نادت بها المدرسة الواقعية والمدرسة الواقعية الجديدة في العلاقات الدولية، والتي تؤكد على أن سلوك الدول ما زال يعتمد على المصالح الوطنية.