العنوان المعهد العالي للقضاء بالرياض .. يجدد مركز السلطة القضائية
الكاتب المحرر السياسي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-يونيو-1973
مشاهدات 41
نشر في العدد 153
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 05-يونيو-1973
في سبيل
استئناف حياة إسلامية أصيلة (فضيلة الشيخ مناع خليل القطان مدير المعهد
العالي للقضاء بالرياض)
في القضاء.. لا
يمكن للإنسان أن يطرد من مخيلته تلك النماذج الإسلامية لنزاهة هذه المؤسسة الحيوية
في الأمة.. ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقضي بين أصحابه بنفسه.. وكذلك كان
الخلفاء من بعده.. ولم تكن مكانة الخصم تمنعه من المثول أمام القاضي.. وما كان
هناك حصانات دبلوماسية ولا مناصب سياسية.. فهذا جبلة بن الأيهم ملك يحكم عليه
بلطمة من أعرابي فقير جزاء لطمه له.. وهذا ابن عمرو بن العاص يجلد في جمع من
الناس.. بجلده مصري اشتكاه إلى الخليفة عمر بن الخطاب فأنصفه منه وكاد العقاب أن
يصل إلى صفعة أبيه السبب في سلطانه الذي دفع ابنه إلى ظلم الناس.. وهذا علي بن أبي
طالب.. يغضب في مجلس قضاء حين يكنيه القاضي ولا يكني خصمه.. ونماذج القضاة
المنصفين يغص بها التاريخ الإسلامي في عصوره الزاهية وعصوره المختلفة على السواء..
إذ بقيت هذه المؤسسة مصونة لا تمس دهرًا طويلاً.. وكان منصب القاضي منصباً رفيعاً
يندب إليه ألمع الفقهاء وأئمة المجتهدين.
ولحساسية هذا
المنصب الخطير كان يعرض عنه كبار العلماء الأتقياء ورعاً وخوفاً من الوقوع في
الإثم أو من ممالأة السلطان، وهم يعلمون أن القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في
النار..
ولقد كان
القضاة في ذلك التاريخ ملتزمين بتطبيق الشريعة الإسلامية كمصدر وحيد في استنباط
الأحكام، غير أنهم كانوا من المرونة في الاجتهاد ومن الحدة في الذكاء والفطنة
وسرعة البديهة وسعة الحيلة بحيث يصعب على مجرم الإفلات بجرمه.. وبحيث يجدون لكل
معضلة حلاً مسترشدين بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اجتهد فأخطأ فله
أجر. ومن اجتهد فأصاب فله أجران».
● وفي أيامنا
هذه يعاني القضاء في بلادنا الإسلامية أزمات طاحنة تساهم في نقض عرى الإسلام
وإبعاده عن الحياة.. هذه الأزمات منها أن القاضي مرغم في أغلب الأحيان على الحكم
بقوانين من وضع البشر متنافية كل التنافي مع ما تقره الشريعة الإسلامية.. كأن يحكم
بفائدة محددة يؤديها مدين لدائن، ويعرض بذلك لغضب الله الذي يتوعد المرابين بقوله:
«فأذنوا بحرب من الله ورسوله»، والقاضي في بعض الأحيان أيضاً يجد نفسه معرضاً
للعزل والطرد إذا لم يقف مع السلطان ويسانده في تثبيت نظامه ويطالعه في كثير من
أحكامه، كما أن إغراء المال والجاه جعل بعضهم يحيد عن الحق ويخضع للهوى ويريح
ضميره من ملاحقة الحق وتوبيخه أينما كان.
● وسط كل هذا
الكم من المعاناة تبرز مؤسسة قضاء إسلامية تستوحي من التاريخ الإسلامي نماذجه
الفريدة، ومن الشريعة الإسلامية أساس الحكم، ومن العلم والمعرفة والاطلاع على كل
جديد أسلوباً مرناً في الاجتهاد وإصدار الأحكام.. تلكم المؤسسة هي المعهد العالي
للقضاء في السعودية، وتبوأ هذا المعهد مكانة فريدة في تاريخ القضاء الحديث في
بلادنا لأربعة أسباب:
أولها.. لأنه
المعهد العالي الوحيد الذي أسس لغرض تخريج القضاة. وثانيها.. لأن الأسس التشريعية
فيه مستمدة كلها من أصول إسلامية غير متداخل فيها وضع البشر الذي يتنافى مع أحكام
الإسلام.. وثالثها.. لأن المعهد يقام في موطن الرسالة الأول ومحبط الوحي الأمين..
وموضع الحرمين الشريفين.. جزيرة العرب.. ورابعها.. أن الذي يقوم على إدارة هذا
المعهد عالم من علماء المسلمين مشهود له بالكفاءة العلمية والاطلاع الواسع
والمثابرة على العمل والاجتهاد في الوصول إلى الحق.. مع تاريخ مجيد في الدعوة إلى
الإسلام والتصدي للطغاة.. ومحاربة الفساد.. ذلك هو فضيلة الأستاذ الشيخ مناع قطان
الذي شهد له العلماء وأساتذة الجامعات بسعة الأفق وغزارة العلم مع تمسكه بالحق
وحرصه عليه في ورع وتواضع وحسن خلق ولطف معشر، مما يؤهله لقيادة جيل من القضاة
الذين ينتظر تخريجهم من هذا المعهد.
النظام الأساسي
للمعهد ● لقد
جاء في مشروع النظام الأساسي للمعهد العالي للقضاء، والصادر من ديوان رئاسة مجلس
الوزراء ما يلي: 1 ـ ينشأ معهد للتخصص باسم (المعهد العالي للقضاء) يكون مقره
مدينة الرياض، الغرض منه إعداد قضاة أكفاء لتولي مناصب القضاء. 2 ـ يرأس المعهد
رئيس الكليات والمعاهد العلمية، وعند الاقتضاء يجوز تعيين نائب له بناءً على ترشيح
رئيس المعهد. 3 ـ يربط المعهد بالإدارة العامة للكليات والمعاهد العلمية في الشؤون
المالية. 4 ـ لغة التعليم في المعهد هي اللغة العربية. 5 ـ مدة الدراسة في المعهد
ثلاث سنوات يمنح الطالب في نهايتها بعد نجاحه إجازة المعهد العالي للقضاء (درجة
الماجستير)..
شروط الالتحاق
بالمعهد: أ ـ
أن يكون الطالب سعودياً، ولغير السعوديين نسبة 15%. ب ـ أن يكون حاصلاً على
الشهادة العالية من كليات الشريعة في المملكة أو ما يعادلها. ج ـ أن يحصل على 70%
من المجموع الكلي لدرجات الشهادة العالية في علوم التخصص. د ـ أن يحصل على شهادة
حسن السلوك من جامعته. هـ ـ أن ينجح في الكشف الطبي وأن يكون سميعاً بصيراً. و ـ
أن ينجح في اختبار المقابلة الشخصية. ز ـ أن يكون متفرغاً للدراسة، ويجوز عند وجود
مقاعد شاغرة قبول طلاب مستمعين بلا مكافأة. هذا ويمنح الطالب السعودي في المعهد
مكافأة شهرية تساوي أول درجة في المرتبة السادسة بنظام الموظفين إذا كان منتظماً.
واجبات أعضاء
هيئة التدريس أ ـ يتفرغ أعضاء هيئة التدريس لإلقاء الدروس والمحاضرات والبحوث
العلمية. ب ـ ينبغي أن يبثوا في الطلبة روح الغيرة على الإسلام ويبذلوا لهم
النصائح ويرعوا سلوكهم الاجتماعي ويوجهوهم إلى المباحث المهمة ويرشدوهم إلى
الطريقة المثلى في جمع شتاتها وتحقيقها. جـ ـ يحتفظ عضو هيئة التدريس بالنظام
أثناء إلقاء المحاضرات، ويقدم تقريراً لمدير المعهد عما قد يحدث مما يخل بالدراسة،
ويبين ما قام به تجاه ذلك. د ـ يراقب الأساتذة ذوو الكراسي سير المحاضرات ويقومون
بما من شأنه أن ينهض بالتعليم في المعهد من توجيهات ونصائح وبحوث علمية يقدمها كل
منهم في مجال تخصصه. هـ ـ نصاب المحاضرات في الأسبوع للأستاذ ثماني محاضرات،
وللأستاذ المساعد عشر محاضرات، وللمدرس اثنتا عشرة محاضرة، على أن يكون زمن
المحاضرة ساعة لكل منهم. و ـ ليس لأعضاء هيئة التدريس أن يلقوا دروساً ومحاضرات أو
يزاولوا نشاطاً في غير المعهد العالي للقضاء إلا في مستوى جامعي وبإذن من الرئيس
العام، مع مراعاة ألا يتعارض ذلك مع عملهم بالمعهد. ز ـ ليس لهم أن يعطوا دروساً
خصوصية.
كراسي
الأساتذة: أما
كراسي الأساتذة في المعهد العالي فهي: كرسي للتفسير. كرسي للحديث. كرسي للفقه
الإسلامي. كرسي لأصول الفقه.
اختصاصات مدير
المعهد دون
إخلال بما نص عليه النظام الأساسي يمارس مدير المعهد الاختصاصات الآتية: أ ـ تنظيم
الجهاز الفني والإداري بالمعهد وتحديد عمل كل موظف فيهما حسب ما تقتضيه المصلحة. ب
ـ حفظ النظام بالمعهد والرفع للرئيس العام أو نائبه عن الأحوال التي تخل بسير
العمل.
النظام
والمواظبة 1 ـ
يجب على الطالب المواظبة على سماع المحاضرات والمشاركة في البحوث العلمية وحضور
التمرينات العملية وفقاً لنظام المعهد. 2 ـ على الطالب أن يثبت حضوره المحاضرات
والبحوث والتمرينات بالطريقة التي تنظمها له إدارة المعهد إلا إذا منعه من ذلك ما
يراه مدير المعهد عذراً له. 3 ـ إذا تخلف الطالب المنتظم عشرة أيام تباعاً ولم
يقدم عذراً مقبولاً وجه إليه إنذار كتابي، فإن قدم بعد ذلك عذراً مقبولاً قبل به
وإلا طوي قيده بعد خمسة أيام من تاريخ بلوغه الإنذار. 4 ـ يطوى قيد من يتخلف أكثر
من تسعة شهور بسبب المرض.
نظام الاختبار: يجري الاختبار
بصورة علنية وباللغة العربية آخر كل سنة دراسية في الوقت الذي حدده مجلس الأساتذة،
ويكون في جميع العلوم التي قررت على الطالب دراستها تلك السنة، ولا ينقل من سنة
إلى التي تليها إلا إذا نجح بنسبة 60% في كل عام. ويتولى مدير المعهد رئاسة
الاختبارات، ويقوم كل أستاذ بوضع أسئلة درسه بالاشتراك مع زميل آخر، ويعتبر تقدير
الدرجات في كل من الاختبار التحريري والشفوي مستقلاً عن الآخر بالنسبة للنجاح.
يمنح الطالب بعد نجاحه في السنة الثالثة إجازة المعهد العالي للقضاء (درجة
الماجستير) وذلك بعد تقديم بحث علمي ناجح تتم مناقشته وإجازته من قبل هيئة علمية
مكونة من أستاذين من هيئة التدريس يشترك معهما أستاذان آخران من خارج المعهد ومن
المختصين في الدراسات العليا للشريعة الإسلامية.
● هذه فكرة
ألقينا بها الضوء على الغرض من هذا الصرح العلمي الشامخ الذي نرجو للقائمين عليه
كل توفيق في تخريج قضاة أكفاء للقيام بهذا العمل الحيوي الذي تحتاجه أمتنا التواقة
إلى العدل والإنصاف في أشد صورها تعنتاً وجبروتاً. ولا يفوتنا في نهاية هذا
التحقيق أن نشير إلى ملاحظتين جديرتين بالاهتمام، الأولى للقائمين على المعهد في
السعودية، والثانية للمهتمين بشؤون العلم في الكويت..
● الملاحظة
الأولى هي أن نسبة 15% لغير السعوديين الذين يقبلون في هذا المعهد نسبة ضئيلة
وخصوصاً أن فكرته إسلامية عالمية، ومن المفروض في مثل هذه الحالات أن تتاح لأبناء
المسلمين الفرصة الواسعة لدخوله حتى تنتشر الفكرة ويمكن تعميمها وحتى يكون
الخريجون دعاة خير إلى تحكيم ما أنزل الله في القضاء في بلادهم الإسلامية.
● الملاحظة
الثانية هي أن تحذو الكويت حذو جارتها السعودية في إنشاء مثل هذه المعاهد العليا
التي تجعل الدراسة المنتظمة مع تقديم البحوث النقية وسيلة لنيل الشهادات العليا،
بالإضافة إلى أن الحاجة ماسة إلى مثل هذا المعهد بالذات لتخريج قضاة أكفاء ومؤمنين
أتقياء نحن في انتظار ابتدائهم ليملأوا فراغاً ينتظرهم في هذا المجال الحياتي
المهم.