; المعارضة الإسلامية لماذا تقفل من دونها الأبواب؟ | مجلة المجتمع

العنوان المعارضة الإسلامية لماذا تقفل من دونها الأبواب؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 09-ديسمبر-1980

مشاهدات 77

نشر في العدد 506

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 09-ديسمبر-1980

•مع أن ظاهرة تنامي المد الإسلامي أصبحت بارزة بوضوح في جميع أرجاء العالم الإسلامي ومع أنها تلاقي تجاوبًا شعبيًّا واستحسانًا لدى بعض الهيئات الحاكمة، إلا أن أحدًا من الحاكمين لم يجرؤ للاعتراف الرسمي بالمعارضة التي يمثلها التيار الديني، ولا حتى في معظم الأحيان السماح بحرية التعبير عن الرأي السياسي في وسائل الإعلام، فلماذا هذا التخوف ولماذا تُقفل الأبواب من دون المعارضة الإسلامية؟!

شرف في الغاية

قد يكون التخوف من المعارضة الإسلامية راجعًا إلى عدم وضوح الغاية والوسيلة لديها بالنسبة للحاكمين، ولو أن الأمر كذلك لكانوا معذورين! ولكن المعارضة السياسية الإسلامية ما فتئت منذ نشأتها توضح شرف غايتها ونُبل مقصدها، فمنذ أواخر القرن الماضي وأوائل القرن العشرين أوضحت المعارضة الإسلامية غايتها بأنها تريد إحياء القيم الدينية واستئناف الحياة الإسلامية بالمعنى الشمولي للإسلام سواء في الناحية السياسية والحكم أو الاقتصاد والإدارة أو الاجتماع والقانون

وقد كان هذا بحق هدف جميع تشكيلات المعارضة الإسلامية سواء كانت آراء فردية أو تيارات فكرية أو جماعات منظمة كجماعة الإخوان المسلمين في مصر وامتداداتها في معظم الأقطار الإسلامية، وإن اختلفت فيما بينها على ترتيب الأولويات أحيانًا أو في التركيز على جانب واحد من جوانب الإسلام أحيانًا أخرى على أن ظروف نشأة المعارضة الإسلامية هي خير دليل وبرهان على صدق توجهها وسمو غايتها، فلو عُدنا إلى التاريخ لوجدنا أن المعارضة الإسلامية تشكلت للحيلولة دون تغريب المجتمعات الإسلامية وسلخها عن عقيدتها وقد نشأت أحزاب سياسية وأنظمة حكم تبنت فكرة التغريب هذه، فقامت المعارضة الإسلامية تنافح عن الدين وتنصح الحكام من أبناء المسلمين لتطبيق الشريعة الإسلامية وبناء المجتمع الإسلامي بعيدًا عن المثل والقيم الغربية الجاهلية التي جاء بها الاستعمار وروَّج لها «المضيوعون» بالفكر الغربي، والدعوة إلى تميز المجتمع الإسلامي وبنائه من جديد على الأصول الإسلامية مطلب محمود شرعًا وعقلًا وضرورة، وعلى أية حال فقد أصبحت غاية المعارضة الإسلامية الآن واضحة كالشمس لا يعادي فيها أحد، ولكن لماذا يتخوف الحكام منها ولا يقفون منها موقف المؤيد المؤازر؟!  أو على الأقل يسمحون لها بالتعبير عن آرائها بحرية؟

وشرف في الوسيلة

•والحكم أيًّا كان شكله وأيًّا كانت طبيعته إن اطمأنَّ إلى غاية المعارضة؛ فقد لا يطمئن إلى وسيلتها، ويخشى من الثورة أو الانقلاب أو الاغتيال خاصة، وأن الشواهد على ذلك كثيرة وفي العالم العربي والإسلامي، ولكن المعارضة الإسلامية كما أكدت على نبل غايتها أكدت كذلك على شرف وسيلتها، وفي الإسلام تتساوى العقيدة والمنهج فكما أن الإسلام دين ربَّاني، كذلك طريق تبليغه وإقامته في الأرض طريق رباني، ولم يشأ قادة المعارضة الإسلامية المنظمة أن يجعلوا هذا الأمر غامضًا بل أوضحوه وفصلوه تفصيلًا لا يدع مجالًا للبس أو الشك، فهذا الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله يبين للناس طريق دعوة الإخوان المسلمين قائلًا «ينادون بالفكرة ويوضحونها ويدعون الناس إليها فيؤمنون لها ويعملون لتحقيقها ويجتمعون عليها، ويزدادون عددًا فتزداد الفكرة بهم ظهورًا حتى تبلغ مداها وتبتلع ما سواها، وتلك سُنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا» وحتى تتضح الأمور أكثر خاصة بالنسبة للحكام قال الإمام في رسالة وجهها للحكام في بلاد المسلمين آنذاك.. «وإنا لنضع أنفسنا ومواهبنا وكل ما نملك تحت تصرف أية هيئة أو حكومة تريد أن تخطو بأمة إسلامية نحو الرقي والتقدم نجيب النداء وتكون الفداء»

ولكن مع وضوح الغاية والوسيلة قد يستكبر الملأ ويقفون في طريق الدعوة فهل للقوة حساب لدى المعارضة الإسلامية؟؟ 

إن استخدام القوة مع الحاكم المسلم أمر مرفوض شرعًا، وفاعله يعاقب عليه وخلاصة الأمر في ذلك السمع والطاعة.. «ما لم تروا كفرًا بواحًا عندكم في الله فيه برهان» كما في الحديث الصحيح.. وحتى عندما كان المسلمون في مكة يعانون أشد العذاب من مشركي قريش أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر ونهاهم عن استعمال السيف أو في المصطلح الحديث «الاغتيال السياسي».. ولكن إذا وصل الأمر إلى طريق مسدود فهل تستخدم القوة؟!

وشرف في استخدام القوة

بعد توضيحه لطريق الدعوة يقول البنا رحمه الله «... القوة حيث لا يجدي غيرها 

وحيث يثقون «الإخوان المسلمون» أنهم استكملوا عدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون القوة سيكونون شرفاء صرحاء وسينذرون أولًا، وينتظرون بعد ذلك ثم يُقدِمُون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح، وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها...»

هكذا بوضوح يعلن البنَّا أن المعارضة الإسلامية لا تفكر بالثورة ولا تعتمد عليها، ذلك لأن التجربة التاريخية تؤكد أن الثورة تؤدي الهرج والمرج وتفرز نتائج اجتماعية وخِيمَة، عبَّر عنها فقهاء المسلمين بالفتنة وسفك الدماء.

وهكذا مع وضوح الغاية والوسيلة عند المعارضة الإسلامية يبقى التساؤل الذي طرحناه في المقدمة قائمًا، وقد يكون الجواب في أحد احتمالين: إما أن أنظمة الحكم وجدت في بعض تجاوزات بعض تشكيلات المعارضة الإسلامية مسوغًا لذلك، أو أن هذه الأنظمة لا تؤمن بشيء اسمه المعارضة بشكل عام والمعارضة الإسلامية بشكل خاص.

ردود أفعال

الاحتمال الأول: يستند إلى بعض حالات استخدام العنف من قبل بعض تشكيلات المعارضة الإسلامية كحادث الكلية العسكرية و«جماعة التكفير والهجرة» في مصر وبعض حالات العنف هنا أو هناك، ولكن نظرة فاحصة في مثل تلك الحوادث التي لم تكشف خفاياها بدقة حتى الآن تؤكد حقيقتين:

الأولى: أن مثل هذه الحوادث لم تكن أكثر من مجرد رد فعل للكبت والقهر والسخرية التي يلقاها الاتجاه الديني من قِبَل السلطات الحاكمة أولًا، ومن الإرهاب الفكري الذي تمارسه ضدهم وسائل الإعلام ثانيًا، فالأنظمة العربية والإسلامية بلا استثناء إما أنها تؤمن بالمعارضة أصلًا أو أنها تحكم باسم الحزب الواحد أو العائلة أو بطريق الوراثة.. ولم تكتفِ بذلك بل أوصدت جميع الأبواب من دون المعارضة الإسلامية وحرمتها من التعبير عن الرأي بل شنت عليها حربًا لا هوادة فيها في كثير من الأحيان، وكنتيجة لهذا التراكم من الكبت والقهر ضد الاتجاه الإسلامي إضافة إلى الهزائم المتلاحقة التي مُنِي بها المسلمون على أيدي حكامهم كان لا بد أن تظهر بعض ردَّات الفعل بتطرف في استخدام العنف، أو حتى الفكر، وهي على كل حال حوادث قليلات صغيرات.

والحقيقة الثانية: التي أكدتها تلك الحالات أن يُعطَى جماعات المعارضة الإسلامية حالها كحال معظم الأحزاب والجماعات في البلدان الإسلامية لا تزال تعاني من قلة الوعي السياسي، ولعل أبرز دليل على ذلك هو تشتت هذه الجماعات وعدم التقائها على برنامج واحد محدد، وما لم تدرك جماعات المعارضة الإسلامية هذا الأمر فستظل تعاني من الضعف وعدم الفاعلية إلى أن ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ (سورة الأنفال: 44)!

المعارضة الإسلامية

أما الاحتمال الثاني: فربما يكون هو عدم إيمان حكام المسلمين بالمعارضة عمومًا

 والمعارضة الإسلامية خصوصًا، ربما لسيطرة النزعة الفردية في اتخاذ القرار لديهم أو لظنهم أن ليس في الإسلام معارضة!

•والسؤال الذي يطرح نفسه على الحكام الذين بشروا بالديمقراطية الغربية هو: لماذا تمتدحون الديمقراطية الغربية وتَدْعُون لها ولكنكم لا تطبقونها إذا تعارضت مع أهوائكم؟! لقد أصبح واضحًا ومستقرا لدى جميع الأنظمة الديمقراطية الغربية، بأن المعارضة المنظمة أساس في النظام وضمانة لحسن أدائه وعدالته. 

وأما الذين حاولوا من حكام المسلمين أن يأخذوا بشيء من نظام المعارضة فيُطرح عليهم سؤال آخر: لماذا فتحتم الباب للحزب الواحد أو الحزبين في أحسن الأحوال ولم تفتحوا الباب للمعارضة الإسلامية؟! إن الحقيقة المؤلمة أن جميع الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين قد قطعت الطريق على المعارضة الإسلامية فلم تسمح لها بتشكيل أحزاب تشارك في العملية السياسية، ولا حتى بالتعبير عن آرائها المختلفة!!

فهذا سادات مصر يصدر قانونًا للأحزاب يحرم المعارضة الإسلامية من حقِّها في تنظيم نفسها وطرح آرائها بصورة قانونية.. وأمثاله كثر.

وأما الذين يتذرعون بالإسلام وبأن حكمهم قائم على الشورى ولا مكان فيه للمعارضة فيمكن الرد عليهم بأن المعارضة في الإسلام معروفة نظرية وتطبيقًا، فالقرآن الكريم يحث في كثير من الآيات على الشورى والتواصِي بالحق وكذلك الحديث الشريف حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال «الدين النصيحة» لله ولرسوله وللأئمة المسلمين وعامتهم، والخلفاء الراشدون من بعده كانوا يطلبون المشورة ويسمعون للنصيحة، وقصة الأعرابي الذي اعترض على أمير المؤمنين في المسجد مشهورة. 

وعلى أية حال فقد يقول بعض الحكام أن إبداء الرأي متاح ولا داعي لتشكيل المعارضة المنظمة كالأحزاب مثلًا، والجواب على ذلك أن المعارضة المنظمة أقدر على معرفة الخطأ من الصواب وأقدر على تقديم النصح ومتابعته، ومن أجل ذلك أصبحت الأحزاب في الغرب جزءًا من النظام السياسي يضمن فاعليته وحسن أدائه، والمعارضة الإسلامية لا تعارض لأجل المعارضة ولكن لأجل الحق والصالح العام، لأنها إن لم تفعل ذلك أو تجاوزت ذلك تقع في الإثم والحرج الشرعي، ثم إن أفعالها مقيدة بالشرع ومحروسة بالوازع الديني الذي لا يتوفر لغيرها، والمعارضة الإسلامية تتميز أيضًا بشمولية المنهج وقدسيته، لا تريد الحكم لنفسها بل تريد تطبيق شرع الله، وهكذا فالمعارضة الإسلامية شريعة الغاية، نبيلة الوسيلة، طريقها النصح والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة تدعو إلى الخير وتأمر به، فلماذا لا زال حكام المسلمين يصرُّون على قفل الأبواب من دونها؟ 

إن حالة التمزق والضياع والوهن التي تلف العالم الإسلامي.. وطبيعة القوى الاستعمارية الطامعة فيه تستدعي التماسك وتوحيد الأمة الإسلامية وبعثها من جديدة وأول خطوة ينبغي أن يتنبه لها الحكام بخاصة هو إصلاح ذات البين مع جماعات المعارضة الإسلامية وتمكينها من أداء رسالتها وتنظيم نفسها بصورة قانونية مشروعة.. للمشاركة في العملية السياسية، وما لم يبادر حكام المسلمين إلى ذلك فإن الأمة الإسلامية سيطول ليلها، ولن يطلع نهارها إلا على أنهار الدم وأكوام الجماجم ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الرابط المختصر :