العنوان المعارضة التركية.. ومحاولات فرض واقع جديد
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر السبت 08-يونيو-2013
مشاهدات 66
نشر في العدد 2056
نشر في الصفحة 16
السبت 08-يونيو-2013
على مدى يومين من المظاهرات التي خرجت في الأساس اعتراضاً على البيئة وقطع الأشجار حدثت خسائر تقدر بآلاف الليرات التركية
الذين أعلنوا ما ادعوه بـ «الربيع التركي» هم أول من عارضوا الثورات في الدول العربية بتونس ومصر واليمن وليبيا وصوروها بأنها «ربيع أمريكي – إسرائيلي»
«أردوغان»: أستطيع إخراج الملايين إلى الشوارع.. لكن لتكن الحرب حرب الصناديق وإرادة الشعب
ليست هي المرة الأولى التي يجتمع عشرات أو مئات من الأشخاص ليتظاهروا ضد مشروع لبلدية، أو مدافعة عن حقوق الفنانين والعمال والمسرح، بل هو حدث يومي تجده في ميادين وشوارع إسطنبول وأنقرة بشكل مستمر من التيارات اليسارية المختلفة، ومن يتجول بالشوارع يعرف هذا جيدًا.
ما حدث في تركيا قبل أيام ليس بالحدث الجديد، لكن تصرف الشرطة مع المتظاهرين في مظاهرة عادية شبه يومية لا يتجاوز المشاركون فيها مائة شخص من الشباب، وتغيير مجرى الأحداث، وتركيز الإعلام على مشاهد عنف الشرطة مع المتظاهرين؛ حوله إلى حدث على مستوى الدولة، استغلته القوى اليسارية المتمثلة في «حزب الشعب الجمهوري»، حزب المعارضة الأم، وبعض الأحزاب اليسارية الصغيرة، ونقابات ومنظمات مجتمع مدني هي في الأساس تعارض بشدة الحزب الحاكم في تركيا.
تهويل الإعلام
لقد كان -كذلك- لتجييش الإعلام الاجتماعي دور في تهويل الأحداث وتحريك الكثير من الشباب للخروج في تلك المظاهرات، حيث ملئ الإعلام الاجتماعي بالصور غير الحقيقية عن عدد المتظاهرين وما يتعرضون له من ضرب وإصابات كثيرة، وتصوير الحدث كأنه ثورة عارمة.
لقد خرج الحادث من اعتراض عادي لعشرات الأشخاص على إجراء لبلدية إسطنبول في توسيع أحد المنتزهات في «ميدان تقسيم» المعروف إلى حدث جلل من اجتماع الكثير من المتظاهرين في مختلف المدن على الميادين الرئيسة؛ تضامنا مع المتظاهرين الذي تعرضوا للعنف على يد الشرطة في «ميدان تقسيم».
وهكذا كان استغلال المعارضة لهذه الأحداث، ومحاولة منها لكسب شعبية، وإظهار الحكومة التركية بمظهر الدكتاتور الذي يقمع المطالبين بالحرية، وقد فقد المتظاهرون مَنْ أيدوهم في اليوم الأول بعد أن رأوا أن الأحداث قد خرجت عن مسارها الصحيح إلى التخريب والتكسير.
على مدى يومين من المظاهرات التي خرجت في الأساس اعتراضا على البيئة وقطع الأشجار، حدثت خسائر تقدر بآلاف الليرات التركية لما وقع في المظاهرات من تخريب وحرق للمباني والمؤسسات وسيارات الشرطة ، وتكسير الحافلات التابعة للبلديات، وإرهاب المواطنين، كذلك بعد تكسير النوافذ، وإلقاء الحجارة على بعض البيوت وكان واضحا أن الأمر هو محاولة لتصوير الحدث على أنه ربيع تركي»؛ لفرض حالة يتم البناء عليها لفرض واقع جديد بعد ذلك، لكن الواقع لم يسمح لهم بذلك.
«أردوغان» واثق
اللافت للنظر في هذه النقطة، أن الذين أعلنوا ما ادعوه بـ«الربيع التركي»، هم أول من عارضوا الثورات في الدول العربية بتونس ومصر واليمن وليبيا، وصوروها بأنها «ربيع أمريكي إسرائيلي»، وخطة جديدة للعالم الخارجي للسيطرة على الدول العربية، واستكمال لمشروع «الشرق الأوسط الجديد»، وهم إلى الآن يدعمون «بشار أسد» في سورية، حتى أن منظماتهم تقوم بمظاهرات دعم الشرعية في سورية، التي تتمثل في «بشار الأسد»، حسب رؤيتهم، فـ«حزب الشعب الجمهوري» العلماني أرسل وفدا رسميًا لمقابلة «بشار الأسد» وإعلان دعمه له ضد المؤامرات الدولية.
في اليوم التالي للأحداث، كانت تصريحات رئيس الوزراء التركي «رجب طيب أردوغان» والمسؤولين حول الحادث مليئة بالثقة والوعي بالواقع، مع اعترافه بتجاوزات الشرطة، وتشديده على عدم استخدام العنف، وفتح التحقيقات في ذلك، وأنه من حق الجميع التعبير عن رأيه.
وهاجم بشدة حزب المعارضة الأم (الشعب الجمهوري) لاستغلاله الحدث، وأكد أنه يستطيع أن يُخرج الملايين إلى الشوارع إذا أراد، ولكن الحرب حرب الصناديق وإرادة الشعب.
نجاحات «أردوغان»
لا شك أن هناك ضغطًا شديدًا لدى المعارضة التركية تجاه حزب «العدالة والتنمية» الحاكم؛ لما يحققه الحزب والحكومة من إنجازات على مختلف المستويات، وصعود شعبية الحزب من دورة انتخابية إلى أخرى، وكذلك السياسات التغييرية المتزايدة التي تقوم بها الحكومة التي تتجاوز الخطوط الحمراء في عُرف القطاع العلماني واليساري؛ من محاولات تعديل الدستور، والنظر في قضايا الانقلابات العسكرية على الحكومات السابقة، ومحاسبة العسكر ومحاكمة الكثير منهم حاليًا، وكذلك محاولات الإصلاح والتغيير التي تجري في مؤسسات الدولة والتي تراها المعارضة كفرض نفوذ ودكتاتورية.
ولا ننس التطور الكبير في القضية الكردية، والنجاح الذي قادته الحكومة كخطوة مهمة في إحدى المشكلات العسيرة التي تواجه الدولة التركية في تاريخها الحديث، وفقدان المعارضة مكسبًا كبيرًا كانت تتخذه كإحدى الأدوات القوية لمعارضة الحزب الحاكم.
وكان للسياسات الداعمة للثورة السورية وعدم رضا «اللوبي العلوي» في تركيا عنها دور كبير في دعمهم لتلك الأحداث والخروج إلى الشارع.
لا شك أن المعارضة التركية كانت تنتظر الحدث الذي تستغله لإيجاد واقع جديد في الخروج للشوارع، وهز صورة السلطة لدى الشعب والعالم الخارجي من خلال الإعلام، حتى أنه بعد ساعات من الأحداث وفي اليوم التالي بدأت الأحداث تسير في منحى آخر، وبدأت تتكلم عن دكتاتورية الحزب الحاكم و«أردوغان»، وخرج الحدث من مسألة حماية البيئة إلى مطالب استقالة الحكومة، وحاولت تمهيد الشعب من خلال شعارات مثل «القضية ليست قضية شجرة، ولكنها قضية وطن» لما يمكن أن يتخذوه حجة لما يريدون القيام به، والتشبه بـ«ميدان التحرير» في القاهرة رمز الثورة المصرية، وإلصاق الحدث بـ «ميدان تقسيم»، وخروج المظاهرات في باقي المدن التركية دعما لـ«تقسيم» لمحاولات تمديد وإشعال الأحداث واستغلالها بشكل معارضة قوية.
فكما ذكرت فالمعارضة التي فشلت في تأليب الرأي العام على الحكومة، وفشلت في الانقلابات العسكرية، وفشلت في عرقلة الحزب عن مساراته، وفشلت في جذب قلوب الشعب نحوها؛ يبحثون الآن عن سيناريوهات جديدة للمعارضة، واستغلال المشهد الإعلامي لاستجداء ولفت الأنظار نحو الأحداث بأنها خروج على ظلم دكتاتور.
من ناحية أخرى لا يمكن الاستخفاف بالحدث إلى حد كبير، فالتحليل المجتمعي والسسيولوجي للأحداث يحتاج إلى حذرٍ شديد من عودة تركيا لما كان قبل ٣٠ عامًا من كابوس العنف في الشوارع، واستمرار أحداث التوتر داخل المجتمع، وخاصة أن أي تحرك داخل تركيا سيحوز على دعم كبير من عدة أطراف منزعجة من تركيا وسياسات الحزب الحاكم حاليا، غير أن الأحداث يمكن أن تسير بشكل ممنهج بعد ذلك، وهو المراد والمنتظر من أطراف عدة.
التوازن في المرحلة القادمة مهم جدًا، فحادث بسيط وتصرف فردي من الشرطة كان سببا في حدث كبير لفت أنظار العالم كله فتركيا بعد الثورة السورية وتداخل الملفات ودعمها الكامل لـ«الربيع العربي» جعلها على المحك .
[1] باحث مصري مقيم في تركيا