العنوان المظلومون في تاريخنا: يوسف بن تاشفين ( ٤ من ٦)
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 15-ديسمبر-2007
مشاهدات 59
نشر في العدد 1781
نشر في الصفحة 40
السبت 15-ديسمبر-2007
من يتولى أمور الناس ويرعاهم ويسوسهم قد تأتيه بعض الاتهامات.. وكلما كان دوره ونجاحه أكبر تعرض لها أكثر
سؤال مهم.. كم كان عمر القائد يوسف بن تاشفين يوم معركة الزلاقة؟ كان عمره ثمانين عامًا، أما هذه الغنائم الهائلة فلم يأخذ يوسف لنفسه شيئًا منها، بل وزعها جميعًا على جنده وعلى أهل الأندلس. بل إنه لم يقبل الهدايا التي قدمت له بعد المعركة، لم؟ ليبقى جهاده بتمامه خالصًا لوجه الله تعالى، وفرحًا بهذا النصر العظيم أحبوه كل الحب حتى قال أحد أمرائهم إنهم كانوا يتمنون أن يطعموه من لحوم أبدانهم.
وأرادوا أن يضفوا عليه الألقاب، لكنه رضي فقط بأن يلقب بـ أمير المسلمين، من يوم هذه المعركة بعدها لم تجر متابعة الفونسو، وجيشه ولا محاولة استرداد طليطلة، وكان ذلك سهلًا جدًا وغير مكلف، كما يقول البعض.
عبورات ثلاثة
عاد يوسف بعد المعركة إلى المغرب متعجلًا بعد أن مر بإشبيلية في ضيافة المعتمد ورعايته وكرمه متجهًا إلى جنوب الأندلس، عابرًا المضيق إلى المغرب، وقد ترك آلافًا من جنده تحت إمرة المعتمد، وكان هذا العبور الأول ليوسف إلى الأندلس، تلاه ثلاثة بعده، فقد عاد أهل الأندلس إلى الاستنجاد بيوسف، فعبر إليها في ربيع الأول سنة (١٨١هـ يوليو ١٠٨٨م) لنجدة حصن لبيط بين مرسية، والورقة.. شرقي الأندلس على البحر المتوسط، وكذلك لإنجاد بلنسية.. لكن لظروف عاد بعد مدة إلى المغرب سنة ١٨٢ هـ ( ١٠٨٩م).
وكان العبور الثاني في أوائل سنة ١٨٣هـ ( ١٠٩٠م) بعد استغاثات أندلسية، لكن هذه المرة ليس لصد عدوان إسبانيا النصرانية بل لمواجهة أمراء الطوائف أنفسهم، وبعد استشارات قبل التكليف، فسار أولًا إلى طليطلة ومناطق أخرى ثم عكف على المهمة لمدة وأوكل بقيتها إلى قادته، وعاد هو إلى المغرب في رمضان من العام نفسه، وتم خلعهم جميعًا، وكان آخرهم إمارة إشبيلية وذلك يوم الأحد ٢٢ رجب ١٨٤هـ (١٠٩١/٩/٧م)، وبه أصبحت الأندلس جزءًا من الدولة المرابطية، تمثل جناحها الغربي: الأندلس.
أما عبوره الثالث والأخير فقد عبره مجاهدًا سنة ٤٩٦ هـ ( ١١٠٢م) وسيِّر جيشًا بقيادة محمد بن الحاج تجاه طليطلة وغيرها، والتقوا في معركة حاسمة مع الفونسو والحقوا به هزيمة قوية، واتجه يوسف إلى قرطبة، ليأخذ البيعة لابنه أبي الحسن على خليفته من بعده، ثم عاد بعدها إلى المغرب إلى مراكش العاصمة.
وفي أواخر سنة ٤٩٨هـ، وفي مدينته التي بناها مرض يوسف بن تاشفين حتى كانت وفاته في يوم الإثنين الثالث من المحرم سنة ٥٠٠ه ( ١١٠٦/٩/٢م)، لتطوى هذه الصفحة الجليلة من حياة أحد أعلام الإسلام.
كنت أدرس في إحدى الجامعات للسنة الثالثة قسم التاريخ، فسألتهم هل عرفتم أو قرأتم أو سمعتم بيوسف بن تاشفين؟، قالوا : لا. فهل يقع اللوم عليهم؟ أم على الجامعات؟ ألا يعتبر الجهل بهذا المجاهد وأمثاله نوعًا من الظلم الكبير؟
ماذا بعد؟
والآن بعد هذه الجولة المتعبة الشاقة الطويلة التي كنت فيها وكأني أنحت في الصخر، من أجل بيان جوانب الموضوع وتعرف مواقعه واستيعابه ، لابد أن نتبين مواطنه، فأين تقع من هذا كله مظلومياته العديدة؟ وكيف وأين تكون؟
معلوم أن الذي يتولى أمور الناس ويرعاهم ويسوسهم قد تأثيه بعض الاتهامات، وكلما كان دوره أكبر تعرض لها أكثر، لا سيما إذا حاز نجاحًا أوفر.
ما مظلومياته؟
يمكن جمعها في ثلاث مظلوميات واحدة في أثناء ابتداء إمارته في المغرب والأخريان خلال جهاده في الأندلس.
الأولى: ذكر أنه حين أراد الأمير أبو بكر بن عمر الذهاب إلى الصحراء سنة ١٥٣هـ لمعالجة بعض مشاكل جدت بين أهلها، أوكل قيادة الدولة إلى ابن عمه يوسف، كما طلق أبو بكر زوجته زينب ليتزوجها يوسف وحين عاد أبو بكر من مهمته سنة ١٦٥هـ. أراد أن ينزع ابن تاشفين ويعزله من موقعه ويعيده إلى ما كان، فاحتار يوسف ماذا يصنع كي يزهده ويمنعه ويبعده من ذلك.
ليبقى في مكانه دونه، فاستشار يوسف زوجته زينب التي نصحته أن يلقاه بجفوة وغير ما كان يعهده منه من الأدب والتواضع، وأن يلاطفه مع ذلك بالأموال والهدايا والخلع والثياب والطعام والطرف وأن يستكثر من ذلك.. فالتقاه في الطريق فسلم عليه سلامًا مختصرًا وهو (يوسف) راكب فلم ينزل له، فنظر الأمير أبو بكر إلى كثرة جيوشه فقال له يا يوسف ما تصنع بهذه الجيوش كلها، قال أستعين بها على من خالفني، فارتاب أبو بكر من سلامه عليه راكبًا، ومن جوابه...
لكن الأمير أبا بكر لم يرد على يوسف بل نصحه وأوصاه بالرعية خيرًا وأن يتقي الله فيهم، فإنها التزام وأمانة ومسؤولية أمام الله تعالى في الآخرة، ثم انصرف أبو بكر إلى الصحراء، عائدًا إليها مجاهدًا حتى استشهد سنة ١٨٠ هـ ( ١٠٨٧م).
اتهام يناقض نفسه
والآن، إن اتهام يوسف هذا، من أنه قابل الأمير أبا بكر بمثل هذه الجفوة والغلظة والسوء، لا ينسجم مع ما يعرف عن يوسف من الخلق الكريم، مثلما لا يستقيم مع الأحداث، وكأنه كلام طفولي أوقع رواته فيه فقرهم في إيجاد شيء حقيقي يتهمون به يوسف، وجعلوا الهدايا ثمنًا للتنازل مسترخصين جهاده وتضحيته ونوعيته، ومع ما في هذا من تناقض ألا يعتبر استرخاصًا للمعاني واستصغارًا وإهانة لها؟
كما أنه ليس من حقه أن يفعل ذلك إذ إنه كان وكيلًا في الإمارة، وليس أصيلًا ولو كان راغبًا في التمسك بالحكم وإبعاد أبي بكر الأمير الأصيل، فإن الأمر يستوجب منه أن يتعامل معه عكس ذلك، أي يحسن استقباله والترحيب به، ويحتفي بلقائه ويكثر الهدايا له، كي يستدره للموافقة والإغراء بإبقائه.
ألا يبدو الأمر متناقضًا، سوء اللقاء وجفوته مع الهدايا الكثيرة كأنه طفل يسترضونه؟ وهل يمكن أن يكون مثل هذا المجاهد مهتمًا بذلك وهو الذي ضحى بكل ما يملك حسبة في سبيل الله؟ أليس من الواضح الضحك منه والاستهانة به والتندر له ومع ذلك ينصحه وهو متعلق بالإمارة وراغب فيها، كيف؟
لو حدث ذلك للأمير أبي بكر وهو راغب بموقعه فسيحمله هذا الأسلوب الذي اتبعه يوسف على التمسك بالأمر أكثر وأكثر، وبكل وسيلة متوفرة وهي كثيرة لديه، لكنه لم يقم بأية محاولة ولم ييد رغبة ما أو يقل كلمة، بل قلد الأمر ليوسف مختارًا.
ولو كان الأمير أبو بكر يريد التمسك بحقه ما كانت مثل هذه الإجراءات من قبل يوسف أن ترده عنها بحال، ولكان بإمكانه بسهولة بالغة أن يعود إلى رئاسة الدولة لحقه فيها، ثم لقوة موقعه وتقدير الناس وتأييدهم له، حيث إن القبائل كانت تؤيده ويوسف يعرف ذلك جيدًا، فما كان يمكن ذلك ليوسف حتى لو أراد...
فلا هو يروم مثل هذا ولا زوجته زينب وهي التي تتمتع بالأخلاقيات العالية، ولها تلك المواصفات يمكن أن تشير عليه بمثل ذلك، فلا نوعيته تسمح به ولا حق له ولا مكنة لو أراد، فما كان لهما أن يفعلاه ويبدأ عهده بمثل هذه الطريقة الشائنة وكيف يرتضيانها ويستريحان لها، مما يتعارض وما عرف عنهما؟
قصة ذات مغزى
وترد هنا قصة ذات مغزى مهم طريف أوردتها العديد من مصادرنا الأمهات، ذلك أن ثلاثة رجال اجتمعوا وتمنى كل منهم أمنية، كانت أمنية الأول ألف دينار ليعمل بها عملًا، وتمنى الثاني منهم عملًا عند الأمير يوسف، أما الثالث فتمنى أمنية جد صعبةن وهي أن يتزوج زينب زوجة الأمير يوسف فبلغ الخبر الأمير فأحضرهم، فأعطى الأول ألف دينار واستعمل الثاني عنده، وقال للذي أراد زوجته: يا جاهل ما حملك على تمني الذي لا تصل إليه؟ ثم أرسله إلى زوجته فتركته في خيمة ثلاثة أيام تحمل إليه في كل يوم طعامًا واحدًا، ثم أحضرته وقالت له: ما أكلت في هذه الأيام؟ قال: طعامًا واحدًا، فقالت له: كل النساء شيء واحد، وأمرت له بمال وكسوة وأطلقته (صدقت زينب وكذب المدعون) الذين يزورون الحقائق ليروجوا رغباتهم ويسوغوا انحرافاتهم.
دليل تاريخي
وهناك دليل تاريخي يدحض هذه التهمة، فيما يتعلق بخطة يوسف وزوجته في لقاء الأمير أبي بكر المصادر كافة تجمع على أن وفاة زينب كان سنة ١٦٤هـ، وإذا علمنا أن عودة الأمير أبي بكر من مهمته في الصحراء واللقاء الجاف من قبل يوسف له عملًا بنصيحة زوجته زينب كان سنة ١٦٥ هـ أي بعد وفاتها بسنة، فكيف يمكن أن تكون نصحته بذلك؟ ألا يبدو أن هذه التهمة منهارة من نفسها بوضوح تام، وأنها من نسج الخيال، ويتأكد أنها عارية عن الصحة ومقتعلة بكاملها؟
المراجع
الوافي بالوفيات الصفدي.
نفح الطيب المقري التلمساني.
روض القرطاس ابن أبي زرع.
الكامل في التاريخ ابن الأثير
سیر أعلام النبلاء الذهبي.
شذرات الذهب ابن العماد.