العنوان المظلومون في تاريخنا- عباس بن فرناس (۳)
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 05-مايو-2007
مشاهدات 99
نشر في العدد 1750
نشر في الصفحة 66
السبت 05-مايو-2007
طار بلا مطار حقيقة قصة طيرانه
ونأتي إلى قصة طيرانه، أول محاولة طيران عملية ناجحة في التاريخ الحضاري والإنساني، وجرت بعده بنحو قرن وربع لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري (۳۹۳ هـ- ۱۰۰۳ م)، في مدينة نيسابور. ولم تكن مدروسة على ما يبدو، وإنما كانت كيفما اتفق فكان فيها حتفه في الحال (سير أعلام النبلاء، ۸/۱۷ ۸۲ تاريخ الأدب العربي / ٦١٥ ٣- ٦١٧- الأعلام ٣١٣/١)، كما ذكرت محاولة أخرى جرت في مدينة القسطنطينية سنة ١١٠٠م.
لابد أن عباس بن فرناس قد أفاد من جل تلك العلوم التي أتقنها، وأنفق جهدًا ووقتًا في حيازتها، حتى تهيأت له إمكانية القيام بهذه التجربة، ليطير في الجو مسافة، وبارتفاع غير قليل، ولقد جرت وتجري دراسات لمعرفة كيف تم له ذلك. فلقد تكلف العالم البريطاني روجر بيكون (نحو ١٢٢٠- ۱۹۲) Bacon ROGER دراسة ما قام به ابن فرناس، للتعرف على كيفية وفهم محاولته، وهو الذي جاء بعد ابن فرناس بأربعة قرون وكانت العلوم الإسلامية مصدره الوحيد، إلى جانب ما يذكر أنه زار قرطبة ودرس فيها.. كتب في علوم عدة، منها البصريات التي اعتمد فيها على ابن الهيثم، بشكل كلي.
يذكر أن بيكون ترجم في قرطبة العديد من المخطوطات العربية، منها تلك التي دونت فيها قضية تجربة الطيران الفرناسية للتعرف على الأدوات والآلات التي اعتمدها ابن فرناس، في تلك المحاولة الناجحة الفذة، وربما من بينها دراسات ومؤلفات دون فيها ابن فرناس كل ذلك، وقد تكون فيها مخططات ذلك كله، التي يبدو أنها قادت إلى اختراع ما عرف بالأورنيثوبتر Ornithopter جهاز بدون محرك وبجناحين، مما يشبه الطائرة. ربما ليكون قريبًا، أو على نسقه، ذلك الذي عمله العالم الإيطالي الشهير ليوناردو دافينشي البيزي "من مدينة بيزا" (1452- 1519A. D.) والذي جاء بعد ابن فرناس بما يزيد على ستة قرون. وكان قد ذهب إلى البلاد العربية، وتعلم لغتها، وترجم بعض كتبها. ولا أستبعد أبدا أنه نقل من مخطوطاتها، التي قد يكون جلب معه بعضها، ثم أودعها مكتبة الفاتيكان الغنية بالمخطوطات العربية، وذلك أنه لم يظهر في أوروبا قبل القرن الخامس عشر للميلاد، عالم لم يقتصر على استنساخ كتب العرب.
وعلى كتب العرب وحدها عول روجر بيكن وليونارد البيزي وأرنود الفيلنوفي وريمون لول وسان توما وألبرت الكبير والأذفونش القشتالي، إلخ "حضارة العرب ٥٦٨". حتى لقد أحصى أحد الدارسين الأوربيين "لكلير" الكتب التي ترجمت من العربية إلى اللاتينية في القرنين ١٢- ١٣م في بعض العلوم، فكانت نحو ٣٠٠ كتاب "حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي، ٥٢٤".
إذن ربما استمرت المحاولات ومتابعة التجارب وبذل المجهودات المتوالية التي قادت إلى نجاح المهندس الفرنسي كليمن أدر Ader Kiliman (.A.D 1925) كي يجهز آلة لأول مرة، ثم يطير بها، سنة ١٨٩٠ م. ثم ليقود ذلك -فيما بعد- الأخوين الأمريكيين رايت ويلبور (۱۹۱۲ م) وأورفيل (١٨): Wilbur and Orville Wright إلى أن يصنعا أول طائرة ذات محرك، وطارا بها سنة ۱۹۰۳ م، ليبدأ بعدها العصر الجديد للطيران.
وطيرانه حدث مرتين -على ما يقال- الأولى يوم كان كهلًا، حيث قفز من أعلى مئذنة مسجد قرطبة الجامع القديمة، التي كان ارتفاعها عشرات الأمتار، والتي هدمها سنة ٣٤٠ هـ (٩٥١ م) الخليفة الأندلسي عبد الرحمن "الثالث" الناصر لدين الله، ليقيم مئذنة جديدة بديلًا عنها، وهي الباقية إلى اليوم، والتي يبلغ ارتفاعها نحو خمسة وأربعين مترًا. ثم بعد ذلك بعدة سنوات، قام بالمحاولة الثانية والأخيرة، وذكر أنه تأذى بمقدار- قيل إن ذلك- بسبب ما فاته، إذ لم يعمل لنفسه كذيل الطائر، الذي به ينزل على الأرض، مقاومة لجاذبية الأرض، ومعلوم أنه لم يحدث البتة أن مؤرخًا أنكر تلك المحاولة في أي وقت.
وبناء على واقعية المحاولة اهتم الغرب بهذه الريادة، وعمل علماؤه على اقتفائها والبناء عليها، وذكر بعض المشيخة، أنه احتال "رتب حاله" في تطيير جثمانه فكسا نفسه الريش على سرق الحرير، ومد لنفسه جناحين على وزن تقدير قدره، فتهيأ "فتم" له أن استطار في الجو، فطار من ناحية الرصافة، واستقل في الهواء، فحلق فيه حتى وقع من مكان مطاره على مسافة بعيدة، وساء على ذلك موقعه لما تأذى في عجب ذنبه، إذ لم يحسن الاحتيال في وقوعه ولم يقدر أن الطائر إنما يقع على زمكاه فلها عن ذلك. وقد كان أفزع من عاين مطاره من أهل الصحراء، فكثر تحدثهم عما عاينوا منه ولا يعلمون شأنه. "المقتبس، / ٢ / ٢٣٩ ١- ٢٤٠، نفح الطيب ٣٧٤/٣". "العجب: أصل الذيل، زمكاه: مثنى زمك منبت ذيل الطائر لَهَا، غَفَل، يطم: يعلو، العنقاء: طائر متوهم، قشعم: النسر المسن"
لا يبدو أن ابن فرناس فاته اقتفاء التزود بذنب كالطائر، لكن الذي يبدو- إن صح تعليلهم - أن المادة التي كانت تمسك بالمؤخرة ذابت أو تبددت أو سقطت.
لا بد من وقفة هنا لمحاولة معرفة تاريخ حدوث طيرانه هذا، ولو بالتقريب، وهو ما لم يذكر عنه شيء أبدًا، لقد سخر الشاعر مؤمن بن سعيد من مسألة طيران ابن فرناس في أبيات شعرية، وهذا الشاعر توفى في "الثلاثاء رجب ٢٦٧هـ"، بعد سجن نحو سنتين، لمضيه في الهجاء. هذا يعني أن مؤمن بن سعيد كان طليقًا نحو سنة ٢٦٥ هـ (المغرب في حلى المغرب، ١٣٢/١- ۱۳۳). فيكون هذا الشاعر قد وجه سخريته من ابن فرناس قبل هذا التاريخ، وأقدرها نحو سنة ٢٦٠ هـ (٨٧٣ ـ ٨٧٤ م)، وإذا كانت لابن فرناس محاولة واحدة فيكون هذا بعد الثانية، وإلا فهي الوحيدة، وهذا تاريخها التقريبي.