العنوان المظاهرات نصرة لغزة بين المشروع والممنوع
الكاتب د. مسعود صبري
تاريخ النشر الأربعاء 01-أكتوبر-2014
مشاهدات 107
نشر في العدد 2076
نشر في الصفحة 66
الأربعاء 01-أكتوبر-2014
أدلة المشروعية:
أولاً: أنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ثانياً: حصول شبيه المظاهرات في عصر النبوة
ثالثاً: قاعدة "الأصل في العادات الإباحة"
رابعاً: قاعدة “للوسائل حكم المقاصد”
أما أدلة التحريم فمتهافتة: أنها غوئائية ولا خير فيها أو إفساد في الأرض
وصف بعض العلماء التظاهرات التي انطلقت في العديد من الدول العربية والإسلامية لنصرة الفلسطينيين في قطاع غزة في ما عرف 'بيوم الغضب'، بأنها 'أعمال غوغائية وضوضاء لا خير منها'، وأنها من الإفساد في الأرض.
أدلة التحريم:
وقد استند القائلون بتحريم المظاهرات المؤيدة لغزة بأنها غوئائية ولا خير فيها، حسب وصف الشيخين، وهذا استناد إنشائي لا يقوم على دليل معتبر من الكتاب والسنة، وهو مطعون فيه، لأن غالب المظاهرات التي تخرج لمناصرة غزة هي أكثر تنظيما وسلميا وليس فيها غوغائية، وهذا دليل على عدم حسن تصور المسألة مما أوقع في خطأ التكييف الفقهي.
أما الاستناد بوصف المظاهرات من أنها من باب الإفساد في الأرض هو خطأ محض، فتعبير المسلم عن نصرة قضايا الحق لم تكن يوما من الأيام إفسادا في الأرض، بل الإفساد في الأرض هو حصار الشعب المسلم من الحكومات التي من الواجب وظيفتها حماية الإسلام والمسلمين، والإفساد في الأرض هو تثبيط الناس عن قول الحق، والاعتداء على الأبرياء بالقتل والقصف وحصارهم وهي جرائم لم يتحدث عنها الشيخان.
أدلة المشروعية:
أما الأدلة على مشروعية تلك المظاهرات ما يلي:
أولا- أنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
وهو من أكبر أبواب الإيمان التي جاء الشرع بالحث عليها في الكتاب والسنة، ومن الكتاب قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة: 71].
وقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [آل عمران: 104]
وقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } [آل عمران: 110]
وهي من قبيل قوله تعالى في وصف المؤمنين: {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 114].
وهي من وصايا لقمان لابنه حين قال له فيما يقص القرآن من شأنه : {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } [لقمان: 17]
ومن السنة النبوية ما يلي:
عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ (1)الإيمَانِ». رواه مسلم.
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه: أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا مِنْ نَبيٍّ بَعَثَهُ اللهُ [ص:83] في أمَّة قَبْلِي إلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَوَأصْحَابٌ يَأخُذُونَ بِسنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلبِهِ فَهُوَ مُؤمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلسَانِهِ فَهُوَ مُؤمِنٌ، وَلَيسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ الإيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَل». رواه مسلم.
وعن أبي الوليدِ عبادة بن الصامِت - رضي الله عنه - قَالَ: بَايَعْنَا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى السَّمْعِ والطَّاعَةِ في العُسْرِ واليُسْرِ، والمَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَعَلَى أثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لاَ نُنَازِعَ الأمْرَ أهْلَهُ إلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ تَعَالَى فِيهِ بُرْهَانٌ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بالحَقِّ أيْنَمَا كُنَّا، لاَ نَخَافُ في اللهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وعن حذيفة - رضي الله عنه - عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ المُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ
ثُمَّ تَدْعُوْنَهُ فَلا يُسْتَجَابُ لَكُمْ». رواه الترمذي
وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أفْضَلُ الجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائرٍ». رواه أَبُو داود والترمذي، وَقالَ: "حديث حسن"
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أنَّهُ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ، فَيَقُولُ: يَا هَذَا، اتَّقِ الله ودَعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الغَدِ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ، فَلا يَمْنَعُهُ ذلِكَ أَنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وَشَريبَهُ وَقَعيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذلِكَ ضَرَبَ اللهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ» ثُمَّ قَالَ: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ} - إِلَى قوله - {فاسِقُونَ} [المائدة: 78 - 81] ثُمَّ قَالَ: «كَلاَّ، وَاللهِ لَتَأمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، وَلَتَأخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، وَلَتَأطِرُنَّهُ عَلَى الحَقِّ أطْرًا، وَلَتَقْصُرُنَّه عَلَى الحَقِّ قَصْرًا، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللهُ بقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ ليَلْعَننكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ». رواه أَبُو داود والترمذي، وَقالَ: «حديث حسن».
والمظاهرات من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في رتبته الوسطى، وهي الإنكار باللسان، مع وجود الإنكار بالقلب.
والأوجب هو الإنكار باليد، والمقصود به الخروج للجهاد في سبيل الله تعالى لطرد اليهود من أرض فلسطين المحتلة، وهو واجب على الأمة كلها، وأولها الحكومات بما تملك من جيش وأسلحة وعتاد.
ثانيا- حصول شبيه المظاهرات في عصر النبوة:
فمثل هذه الوسائل قد وقع شبيهها في السيرة فقد جاء في السيرة أن الصحابة في مكة لما أسلم عمر خرجوا صفين على رأس أحدهما حمزة وعلى الثاني عمر حتى دخلوا البيت كتظاهر وتعاون بينهم على إرهاب قريش وردعها عن التعرض للمؤمنين المستضعفين في مكة وقد أورد هذه القصة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في (مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم 1/91) في قصة إسلام عمر وذهابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في دار ابن الأرقم( فقال: ما أنت بمنتهٍ يا عمر؟ فقلت: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّك رسول الله، فكبّر أهل الدّار تكبيرةً سمعها أهل المسجد. فقلت: يا رسول الله، ألسنا على الحقّ، إن متنا أو حيينا؟ قال: بلى. فقلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحقّ لنخرجنّ، فخرجنا في صفّين. حمزة في صفٍّ، وأنا في صفٍّ ـ له كديد ككديد الطّحن ـ حتى دخلنا المسجد. فلما نظرت إلينا قريش أصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها قط. فسمّاني رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: الفاروق.وقال صهيب: لما أسلم عمر ـ رضي الله عنه ـ جلسنا حول البيت حِلقاً، فطفنا واستنصفنا مِمَن غلظ علينا)انتهى من مختصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب
ثالثا- قاعدة: الأصل في العادات الإباحة:
فالمظاهرات ليست عبادة فيكون الأصل فيها التحريم والتوقف، بل الأصل في العادات أن تكون مشروعة ومباحة، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله ، إما عن طريق النص الصريح، أو يدخل في عموم اللفظ، أو عن طريق القياس الصحيح، وإلا فإن سائر العادات لا يحكم عليها بالمنع والحرمة.
ذلك أن المقصود من العادات هو جلب المصالح في الدنيا، على وفق إرادة الشرع مع إدراك الحكمة والمقصد، أما العبادات فالمقصود منها مطلق التقرب إلى الله تعالى بما قد تخفى حكمته وتجهل حكمته، فمعرفة الحكمة والمقصد في العبادات سواء.
والمظاهرات من العادات وليس من العبادات، فيكون الأصل فيها أنها مشروعة، فلا يقال إنها محرمة إلا بدليل يبين حرمتها.
رابعا- قاعدة: للوسائل حكم المقاصد:
فأحكام الشريعة نوعان، النوع الأول: أحكام هي مقاصد، فهي مقصودة لذاتها، والنوع الثاني: أحكام وسائل، فهي تأخذ حكم مقصدها، فالوسيلة إلى الحرام حرام، وإلى الواجب واجبة،وإلى المستحب مستحبة، وإلى المكروه مكروهة، وإلى المباح مباحة.
فإذا كان مأموراً بشيء كان مأموراً بما لا يتم إلا به. فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.. وما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون. وإذا كان منهياً عن شيء كان منهياً عن جميع طرقه ووسائله.فالوسيلة إلى الواجب واجبة كالمشي إلى صلاة الفريضة، وأداء الحقوق ونحوهما. والوسيلة إلى المسنون مسنونة كالنافلة من الصلاة والصدقة والحج والعمرة ونحو ذلك.
وكذلك الوسائل إلى الشرك كلها محرمة، فيحرم كل قول وفعل يفضي إليه.
وكذلك الوسائل إلى سائر المعاصي كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر ونحوها كلها محرمة.
والوسيلة إلى المكروه مكروهة.. والوسيلة إلى المباح مباحة.
فالأشياء ثلاثة مقاصد: كالصلاة مثلاً.. ووسائل إليها: كالوضوء والمشي.. ومتممات لها: كرجوعه إلى محله الذي خرج منه.
فالوسائل تعطى أحكام المقاصد، وكذلك المتممات للأعمال تعطى أحكامها كالرجوع من الصلاة، والجهاد، والعمرة، والحج، وعيادة المريض، واتباع الجنازة ونحو ذلك.
والمظاهرات وسيلة، فالمقصود منها نصرة أهل غزة، ونصرتهم واجبة بنصوص الكتاب والسنة وفتاوى العلماء، فتكون المظاهرات لأجل نصرتهم من فروض الكفايات على الأمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل