العنوان المصلحة والحق والاستراتيجية
الكاتب منير شفيق
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1999
مشاهدات 72
نشر في العدد 1356
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 29-يونيو-1999
ثمة «موضوعة» تبدو صحيحة في ظاهرها لكنها تحمل في باطنها الكثير من الخطأ والتضليل والتعمية، وقد راح البعض يعاملها باعتبارها مسلمة لا تناقش ويتعرض من يناقشها لتهمة عدم فهم السياسة.
تلك الموضوعة هي: أن «السياسة تحكمها المصالح»، وأن «الكل يرسم سياسته وفقًا لمصلحته، وأن من حق كل دولة أن تتبع مصالحها»، «ومن يتبع مصالحه فهو غير ملوم»، وأنه إذا تقاطعت المصالح فلا خطأ في عقد التحالفات أو التعاون، أو تبادل التأييد، فكل هذه التداعيات تنبع من الموضوعة الأساسية «أن السياسة تحكمها المصالح»، وصولًا إلى القانون القائل: «ليست هنالك عداوة دائمة أو صداقة دائمة، وإنما هنالك مصلحة دائمة ثم وصولًا إلى «التحالف مع الشيطان إن تلاقت مصلحته بمصلحتك».
أين المشكل في هذه الموضوعة وتداعياتها؟ الإشكال يكمن في كلمة «مصلحة» نفسها لأنها من العمومية إلى حد لا يفرق بين مصلحة وأخرى، أي لا يأخذ في الاعتبار محتوى المصلحة وما يميزه عن محتوى مصلحة أخرى، وعندما تؤخذ الكلمة بإطلاقها ويسقط محتواها تتساوى جميع المصالح أو قل السياسات والمواقف والأخطر أن جميع السياسات تعتبر عندئذ مسوغة ما دامت تصدر جميعها من الأساس نفسه، وما دام ذلك الأساس من حيث أتى هو صاحب الشرعية ولهذا ترى الذين يريدون تسويغ السياسات الظالمة أو سياسات الدول الكبرى، أو سياسات أمريكا، أو حتى الدولة العبرية يلجأون إلى تلك الموضوعة للتأكيد على أن السياسة تحكمها المصلحة، أن الكل يسعى وراء مصلحته، ولا فرق بين هذا وذاك، فكلنا في الهم شرق، وما من أحد «يمنعك» أن تكون «أشطر» وتحقق مصلحتك، وهنالك من يلجأ لهذه الموضوعة على المستوى الفردي ليسوغ الرشوة أو أخذ العمولة من وراء الظهر، أو الدخول في الكسب الحرام ما دام المعيار الموجه هو معيار المصلحة بإطلاقيته وعموميته.
لنأخذ مثلًا صارخًا إذا كان الإسرائيلي يرى أن مصلحته في الاستيلاء على أرض فلسطين، بينما يرى الفلسطيني مصلحته في أن يمنع ذلك الاستيلاء، فكيف يتساويان إذن في محتوى مصلحة كل واحد منهما؟
لا يستويان حتى وإن كانت المصلحة تظلهما بشكل أو بآخر ولهذا فإن الحديث عن المصلحة بتلك الطريقة واعتبارها القانون الحاكم وإعطاء الشرعية لذلك القانون يسقط كل ما له علاقة بالحق والعدالة والقيم والأخلاق وفي المقدمة يسقط من حسابه المنظور الإسلامي للسياسة، الأمر الذي يوجب أن نسأل عند الحديث عن المصلحة ما هي؟ وما أهدافها؟ وإلام ترمي؟ وماذا يترتب عليها؟ وعلى أي أساس من القيم تقوم ومن ثم يجب ألا تقبل تلك الموضوعة على علاتها حتى لو كان من يدافعون عن قضية عادلة أو عن حق يدافعون في الوقت نفسه عن مصلحة متضمنة في تلك القضية أو ذلك الحق، فوجود المصلحة هنا غيره في حالات الظلم والعدوان.
أما على المستوى السياسي فالسؤال الذي يجب أن يلحق بالأسئلة المتعلقة بمحتوى المصلحة ووضعها ضمن ميزان الحق والعدالة والقيم الأخلاق، أو قل ضمن ميزان الشرع فهو البحث عن الاستراتيجية التي تحكم السياسة، فسياسة الدول تنبع دائمًا من استراتيجية كلية، وتأتي هذه الاستراتيجية بأهدافها مكثفة للجوانب المتعلقة بالجغرافية والمصالح الاقتصادية، والنفوذ السياسي والهوية والثقافة والمطامح أي هي أبعد وأشمل من كلمة المصلحة أو المصالح، بل هي تشمل المصالح بعيدة المدى ولا تقتصر على المصالح الاقتصادية والآنية.
ومن هنا لا تفهم السياسة إلا من خلال فهم الاستراتيجية والأهداف الاستراتيجية، وهذا ما يجعل الذين يتهربون من مناقشة القضايا المتعلقة بالعدالة والحق والقيم والأخلاق يكثرون من الحديث عن المصلحة بصورة تعميمية تجريدية، ثم تراهم يحتمون بالمصلحة للتهرب من مناقشة الاستراتيجية والأهداف الاستراتيجية، فإذا كانوا يستطيعون اعتبار إثارة قضايا العدالة والحق والقيم والأخلاق نوعًا من «اللاسياسة» أو «كلام غير سياسي» فإنهم يسقطون مغشيًا عليهم حين يسألون عن الاستراتيجية والأهداف الاستراتيجية وراء هذه السياسة أو تلك، لأن الاستراتيجية وما تحمل من أهداف هي أساس السياسة حتى من المنظور العلماني الصرف.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل