; المصطفى صلى الله عليه وسلم والتربية الأخلاقية (4) رحمته وحياؤه | مجلة المجتمع

العنوان المصطفى صلى الله عليه وسلم والتربية الأخلاقية (4) رحمته وحياؤه

الكاتب د. جمال نصار

تاريخ النشر الأحد 01-أغسطس-2021

مشاهدات 110

نشر في العدد 2158

نشر في الصفحة 60

الأحد 01-أغسطس-2021

المصطفى صلى الله عليه وسلم والتربية الأخلاقية (4)

رحمته وحياؤه

رحمته لم تقتصر على الحيوانات بل تعدّتها إلى الجمادات كما في حادثة حنين الجذع

كان يهتمّ بأمر الضعفاء والخدم الذين هم مظنّة وقوع الظلم عليهم والاستيلاء على حقوقهم

كان يعطف على الأطفال ويرقّ لهم حتى كان كالوالد لهم يقبّلهم ويضمّهم ويلاعبهم ويحنّكهم بالتمر

مِن مظاهر حيائه مِن الله ذلك لما طلب موسى منه ليلة المعراج أن يراجع ربَّه في تخفيف فرض الصَّلاة

د. جمال نصار

أستاذ فلسفة الأخلاق بجامعة إسطنبول صباح الدين زعيم

تناولت في المقالة السابقة بعض الصفات الأخلاقية لسيد البشر صلى الله عليه وسلم (العدل، والصبر) التي تمثل نموذجاً ربانياً في التعامل مع الآخرين، وفي هذه المقالة نستكمل بعضاً من هذه التربية الأخلاقية التي تربّى عليها الحبيب صلى الله عليه وسلم لتكون لنا نبراساً في حياتنا: 

سابعاً: رحمته، صلى الله عليه وسلم: 

من سمات الكمال التي تحلّى بها نبينا صلى الله عليه وسلم خُلُقُ الرحمة والرأفة بالغير، وكان مثالاً واضحاً لقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 7)، وقال تعالى: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: 128)، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم رحيماً فقط، وإنما حثّ على الرحمة أيضاً، فقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعاً: «إنه من لا يَرحم لا يُرحم»(1)، وفي رواية: "لا تُنزع الرحمة إلا من شقي"(2).

وهناك العديد من المواقف التي تدل على رحمته وشفقته بقومه وأهل بيته، حتى البهائم والجمادات، منها:

رحمته بالضعفاء واليتامى والأرامل: فكان، صلى الله عليه وسلم، يهتمّ بأمر الضعفاء والخدم، الذين هم مظنّة وقوع الظلم عليهم، والاستيلاء على حقوقهم، وكان يقول في شأن الخدم: "هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم ، فإن كلفتموهم فأعينوهم"(3)، ومثل ذلك اليتامى والأرامل، فقد حثّ الناس على كفالة اليتيم، وكان يقول: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة، وأشار بالسبابة والوسطى"(4)، وجعل الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالذي يصوم النهار ويقوم الليل.

رحمته بالأطفال: فكان، صلى الله عليه وسلم، يعطف على الأطفال ويرقّ لهم، حتى كان كالوالد لهم، يقبّلهم ويضمّهم، ويلاعبهم ويحنّكهم بالتمر، كما فعل بعبدالله بن الزبير عند ولادته، وجاءه أعرابي فرآه يُقبّل الحسن بن علي رضي الله عنهما، فتعجّب الأعرابي وقال: تقبّلون صبيانكم؟! فما نقبلهم، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: "أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟"(5)، وكان يحمل الأطفال، ويصبر على أذاهم، فعن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: "أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فأتبعه إياه"(6)، ولما مات حفيده، صلى الله عليه وسلم، فاضت عيناه، فقال سعد بن عبادة، رضي الله عنه: يا رسول الله، ما هذا؟ فقال: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء"(7).

رحمته بالنساء وأهل بيته: تجلّى ذلك في خلقه وسيرته على أكمل وجه، فحثّ، صلى الله عليه وسلم، على رعاية البنات والإحسان إليهنّ، وكان يقول: "مَن ابتُليَ مِن البَناتِ بشَيءٍ، فأحْسَنَ صُحبَتَهنَّ، كُنَّ له سِتراً مِن النارِ"(8)، بل إنه شدّد في الوصية بحق الزوجة والاهتمام بشؤونها فقال: "ألا واستوصوا بالنساء خيراً؛ فإنهنّ عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة"(9)، وضرب، صلى الله عليه وسلم، أروع الأمثلة في التلطّف مع أهل بيته، حتى إنه كان يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رضي الله عنها رجلها على ركبته حتى تركب البعير، وكان عندما تأتيه ابنته فاطمة رضي الله عنها يأخذ بيدها ويقبّلها، ويجلسها في مكانه الذي يجلس فيه(10).

رحمته بالبهائم والجمادات: فكان، صلى الله عليه وسلم، يحثّ الناس على الرفق بها، وعدم تحميلها ما لا تطيق، قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحدّ أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته"(11)، ولم تقتصر رحمته، صلى الله عليه وسلم، على الحيوانات، بل تعدّت ذلك إلى الرحمة بالجمادات، وقد روت لنا كتب السير حادثة عجيبة تدل على رحمته وشفقته بالجمادات، وهي حادثة حنين الجذع، فإنه لمّا شقّ على النبي صلى الله عليه وسلم طول القيام، استند إلى جذعٍ بجانب المنبر، فكان إذا خطب الناس اتّكأ عليه، ثم ما لبث أن صُنع له منبر، فتحول إليه وترك ذلك الجذع، فحنّ الجذع إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمع الصحابة منه صوتاً كصوت البعير، فأسرع إليه النبي صلى الله عليه وسلم فاحتضنه حتى سكن، ثم التفت إلى أصحابه فقال لهم: "لو لم أحتضنه لحنّ إلى يوم القيامة"(12).

ثامناً: حياؤه، صلى الله عليه وسلم: 

كان، عليه الصلاة والسلام، أشد الناس حياء وإغضاء، قال أبو سعيد الخدري‏:‏ كان أشد حياء من العذراء في خِدْرها، وإذا كره شيئًا عرفناه في وجهه(13). 

وكان لا يثبت بصره في وجه أحد(14)، خافض الطرف‏،‏ نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جُلُّ نظره الملاحظة(15)، لا يشافه أحداً بما يكره حياء وكرم نفس، وكان لا يسمي رجلاً بلغ عنه شيء يكرهه، بل يقول:‏ ‏"‏ما بال أقوام يقولون كذا وكذا"‏(16)‏‏.‏

ومِن مظاهر حيائه، صلى الله عليه وسلم، حياؤه مِن خالقه سبحانه وتعالى؛ وذلك لما طلب موسى عليه السَّلام مِن نبيِّنا، صلى الله عليه وسلم، في ليلة الإسراء أن يراجع ربَّه في تخفيف فرض الصَّلاة، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لموسى عليه السَّلام: "قد استحييت مِن ربِّي"(17).

ومِن صور حيائه، صلى الله عليه وسلم، ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بـزينب بنت جحش(18) رضي الله عنها، فبعد أن تناول الصحابة رضي الله عنهم طعامهم تفرق أكثرهم، وبقي ثلاثة منهم في البيت يتحدثون، والنبي صلى الله عليه وسلم يرغب في خروجهم، ولكن، ولشدة حيائه صلى الله عليه وسلم لم يقل لهم شيئاً، وتركهم وشأنهم، حتى تولى الله سبحانه بيان ذلك، فأنزل عليه قوله تعالى: (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) (الأحزاب: 53).

وكان من أمر حيائه، صلى الله عليه وسلم، أنه إذا أراد أن يغتسل اغتسل بعيداً عن أعين الناس -ولم تكن الحمامات يومئذ في البيوت، كما هو شأنها اليوم- ولم يكن لأحد أن يراه، وما ذلك إلا من شدة حيائه، روى ابن عباس رضي الله عنه، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل من وراء حجرات، وما رأى أحد عورته قط»(19).

الهوامش

(1) صحيح البخاري، حديث رقم (5997).

(2) سنن أبي داود، حديث رقم (4942). 

(3) صحيح البخاري، حديث رقم (2545).

(4) سنن الترمذي، حديث رقم (1918).

(5) الأدب المفرد، البخاري، ص67.

(6) صحيح البخاري، حديث رقم (222).

(7) صحيح مسلم، حديث رقم (923).

(8) مسند أحمد، حديث رقم (26060).

(9) سنن ابن ماجة، حديث رقم (1513).

(10) سنن أبي داود، حديث رقم (5217).

(11) صحيح مسلم، حديث رقم (1955).

(12) البداية والنهاية، (6/ 132).

(13) صحيح البخاري، حديث رقم (6102).

(14) طبقات الشافعية الكبرى، السبكي، (6/ 322).

(15) الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع، ابن حجر العسقلاني، (1/ 25).

(16) سنن أبي داود، حديث رقم (4788).

(17) صحيح البخاري، حديث رقم (3342).

(18) صحيح مسلم، حديث رقم (2664).

(19) فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، (6/ 667).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

244

الثلاثاء 24-مارس-1970

كيف أعود ولدي الصلاة؟!

نشر في العدد 4

129

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الوحدة وصلاة الجماعة في المدارس

نشر في العدد 3

152

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة