; المصالح الإسرائيلية في جمهوريات آسيا الوسطى | مجلة المجتمع

العنوان المصالح الإسرائيلية في جمهوريات آسيا الوسطى

الكاتب عامر الحسن

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يونيو-1998

مشاهدات 71

نشر في العدد 1304

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 16-يونيو-1998

  • الهدف الصهيوني هو تعويق الدول العربية بمساعدة كل من أمريكا وإثيوبيا وحصد المنافع البترولية ومراقبة الأنشطة النووية الإيرانية.
  • اهتمام إسرائيل بدول آسيا الوسطى بدأ مبكرًا لإرساء حواجز وقائية مبكرة تسبق التأثير الإيراني ولمنع الحركات الإسلامية من نشر أفكارها المحرضة. 

مثَّلت فترة ما بعد الحرب الباردة لإسرائيل فرصة سانحة لإعادة ترتيب سياستها الخارجية، وذلك عبر تفعيل خطواتها الاستراتيجية التالية: 

أولًا: حل مشاكلها الحدودية مع دول الجوار وتكوين حزام أمني داخل إطار التسوية السلمية.

ثانيًّا: ممارسة دور حيوي بشأن بقية مشاكل الشرق الأوسط وكأنها جزء فاعل في المنطقة. 

ثالثًا: استغلال ثروات المنطقة وإقامة مشاريع ثنائية مع دول الجوار عبر ضغوط الجاليات اليهودية ولوبياتها المختلفة داخل تلك الدول. 

رابعًا: التوسع باتجاه آسيا الوسطى وتطوير العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع بقية دول الشمال.

خامسًا: لعب دور حيوي في صياغة السياسة الدولية ككل بعيدًا عن الإطار الجغرافي التقليدي للشرق الأوسط.

 وتعود رغبة إسرائيل للخروج عن الإطار التقليدي للشرق الأوسط -الوطن العربي- للخمسينيات؛ حيث ارتبطت بمطامع ديفيد بن غوريون في تكوين حلف غير عربي مكون من تركيا وإثيوبيا وإيران وإسرائيل، يطوِّق الدول العربية، لكن سقوط الشاه وقيام الثورة الإسلامية في إيران ۱۹۷۹م أفشل المخطط الإسرائيلي، وحفز تل أبيب للبحث عن بدائل جغرافية أخرى.

فكان سقوط الاتحاد السوفييتي وتكون فراغ مفاجئ من دول آسيا المسلمة مدعاة لإسرائيل لأن تفكر جديًّا في مد تأثيرها على تلك الدول، عبر المشاريع الاقتصادية والتنموية المشتركة، لتكتمل بقية أضلاع الحلف غير العربي بعضوية تركيا التي كانت ولا تزال تمثل حليفًا عسكريًّا قويًّا للدولة العبرية، وسيكولوجيًّا، فإن إسرائيل تسعى من إقامة تحالفاتها مع تلك الدول المسلمة تركيا وآسيا الوسطى، لأن تظهر للعالم بأن صراعها مع الدول العربية صراعًا جغرافيًّا -سياسيًّا- قوميًّا مطلقًا، لا علاقة له بالدين والعقيدة بدليل علاقاتها الحسنة مع أوزبكستان وطاجكستان وتركمنستان وتركيا.

 وبدأ اهتمام إسرائيل بدول آسيا الوسطى في مرحلة مبكرة سبقت استقلالها، وكان اهتمامها يهدف لإرساء حواجز وقائية مبكرة تسبق التأثير الإيراني على تلك الدول بأفكار مناهضة للدولة العبرية، وأيضًا منع بعض الدول العربية والحركات الإسلامية فيها من نشر الأفكار الإسلامية التي تحرض شعوب الدول على إسرائيل.

وزادت مخاوف إسرائيل أكثر زيارات منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة عرفات للمنطقة، حيث زار رئيس السلطة الفلسطينية كازاخستان في يناير ۱۹۹۲م، وسحب منها اعترافًا رسميًّا بسلطته على الضفة، وأبرم مع حكومتها اتفاقية تعاون بعدها مباشرة قام رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها إسحق شامير بكتابة رسالة لـ ٢٣ نائبًا في الكونجرس الأمريكي يرجوهم استعمال علاقاتهم لإقناع كازخستان بإلغاء تقاربها مع الفلسطينيين، ودفع أيضًا بوزير الخارجية الأمريكي وقتها جيمس بيكر لإنذار كازخستان بإعادة النظر في علاقتها بمنظمة التحرير، وزار عرفات في تلك الفترة أيضًا كلًا من أوزبکستان وطاجكستان.

لكن بالرغم من أنشطة الفلسطينيين الدبلوماسية في هذا الإطار كانت هناك عدة عوامل جعلت دول آسيا الوسطى المستقلة حديثًا تميل لإسرائيل أكثر منها طموح حكومات تلك الدول في الانفتاح على الغرب ولا سيما الولايات المتحدة، في خلال البوابة الإسرائيلية باعتبارها الحليف الشرق أوسطي الأول للغرب، ولحاجة حكومات تلك الدول في مراحل بناء دولهم المستقلة لإعانات اقتصادية وتكنولوجية يمكن أن تزودهم بها إسرائيل.

 علاقة إسرائيل بأمريكا وروسيا وتركيا:

استدعى سقوط الاتحاد السوفييتي من إسرائيل تطوير دورها الاستراتيجي في المنطقة لضمان استمرار مبررات الدعم الأمريكي، على اعتبار أن دورها أثناء الحرب الباردة كان ردع الخطر الشيوعي وانتشاره في الشرق الأوسط، واستغلت إسرائيل ظهور الفراغ السياسي في آسيا الوسطى واستبدلت الخطر الشيوعي بالخطر الإسلامي، وأقنعت واشنطن بالدخول معها في مشاريع تكنولوجية مشتركة في تلك المنطقة بهدف تجذير نموذج الدول الغربية. 

كما حفَّزت إسرائيل لدى تركيا رغبتها في نقل تجربتها العلمانية الإقصائية للتيار الإسلامي إلى تلك الجمهوريات، مستغلة خشية أنقرة من الامتداد الإيراني والسعودي لنشر الفكر الإسلامي، وإنشاء دولة أصولية تطوق تجربتها التغريبية، ويلخص خبير في السياسة الإسرائيلية تحركات إسرائيل بين تركيا وأمريكا بقوله:

«لقد قدمت خشية أمريكا من خطر إسلامي في الشرق الأوسط أو آسيا الوسطى سلعة جديدة تقوم بتسويقها إسرائيل ومع تركيا التي فقدت دورها الاستراتيجي لدى أمريكا بعد انتهاء الحرب الباردة ورغبت هي الأخرى باستغلال نشوء آسيا الوسطى للبرهنة بأنها لا تزال تستطيع خدمة أمريكا، كما في السابق، بدت فكرة تحالف إسرائيلي - تركي لإسرائيل سياسة خارجية جديدة جديرة بضمان تقاربها مع أمريكا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي». 

وتأكيدًا لطبيعة التحالف الذي يجمع بين تركيا وإسرائيل وأمريكا، قامت هذه الدول في ٣١ أكتوبر ١٩٩٤م بتدشين مشروع زراعي مشترك في أوزبكستان وتركمنستان وتهدف إسرائيل من تنويع آفاق تحالفاتها الخارجية مع غير الولايات المتحدة كالجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى بينما العرب منشغلون بمحادثات السلام.

أما فيما يتعلق بروسيا، فهي غير مرتاحة للتقارب الإسرائيلي مع دول المنطقة وتنظر إليه بريبة ولذا فإسرائيل مهتمة باتخاذ خطواتها بحذر لئلا تزعج موسكو، وتفعل تركيا نفس الشيء أيضًا فيما يتعلق بفكرة توسيع الناتو التي لا يحبها يلتسين.

وتحرص إسرائيل على استبقاء علاقات حسنة مع روسيا كي تمارس عليها ضغوطًا دبلوماسية تتعلق بمنعها من تسليح إيران وسورية، حيث قام نتنياهو في 1 مارس ۱۹۹۷م بزيارة لموسكو التقى خلالها يلتسين ورئيس وزرائه السابق شيرنوميردين، ووزير الخارجية بريماكوف، وطرح معه مخاوفه بشأن طهران ودمشق.

علاقة إسرائيل بالجمهوريات الإسلامية:

في البداية، حرصت إسرائيل على تفعيل علاقاتها مع الجمهوريات الإسلامية عبر القنوات الدبلوماسية والتجارية وليس عبر تفعيل دور الجاليات اليهودية داخل هذه الدول برغم وجود عدد كبير منهم؛ حيث قامت إسرائيل في نهاية ١٩٩٢م بالاعتراف الرسمي باستقلالية كل من أذربيجان وكازخستان وكيرجستان وطاجكستان فيما أقامت علاقات دبلوماسية مع تكمنستان في ۱۹۹۳م. 

لكن علاقة إسرائيل بالجاليات اليهودية في تلك الجمهوريات توطدت فيما بعد، خاصة على إثر هجرة اليهود الروس لإسرائيل، مما حفزها لاستغلالهم في اختراق تلك الدول سياسيًّا، مثلًا قامت المؤسسة اليهودية في مارس ۱۹۹۲م بعقد مؤتمر عن «التجربة الاقتصادية الإسرائيلية في طشقند»، وفي يونيو من السنة نفسها، دعت جمعية الصداقة الإسرائيلية - الأذري للقاء في حيفا للمناداة بدعم أذربيجان ضد أرمينيا، وفي سبتمبر نظمت المؤسسة نفسها مخيمًا صيفيًّا لأطفال كازخستان وكيرجستان، وفي الوقت نفسه، عينت إسرائيل أول سفير لها في الجمهوريات الإسلامية في أوزبكستان.

 أذربيجان: تتهم إيران كلًا من إسرائيل وتركيا بمساعدة أذربيجان بإمدادها بالسلاح والصواريخ والخبرات الأمنية، حيث زار وفد من الاستخبارات الإسرائيلية أذربيجان في أغسطس ۱۹۹٥م لتدريب قواتها على الخبرات الأمنية، وينظر الأذريون إلى علاقاتهم بإسرائيل نظرة إعجاب ولا يلقون بالًا لمشاكلها مع المسلمين والعرب وإنما يعتبرونها «شريك استراتيجي» في المنطقة حسب قول بعض المحللين ويعيش في أذربيجان مئات من رجال الأعمال اليهود الذين يتمتعون بعلاقات جيدة مع الحكومة الأذرية، وفي مارس ۹۲ بدأت خطوط الطيران بين أذربيجان وإسرائيل تسير بانتظام، فيما فتحت إسرائيل سفارة لها في أذربيجان في فبراير عام ١٩٩٣م.

طاجكستان: تملك هذه الجمهورية موارد بشرية وطبيعية ضخمة جذبت إليها المستثمرين الإسرائيليين، لكن إسرائيل لم تتخذ خطوات ملحوظة في هذا الاتجاه، بسبب اندلاع الحرب الأهلية نهاية سنة ۱۹۹۲م، ومع هذا حرصت إسرائيل المحافظة على علاقتها الدبلوماسية بطاجكستان ولديها بعض المشاريع الاقتصادية هناك، ففي فبراير ۱۹۹۲م زار وفد إسرائيلي طاجكستان للتوقيع على اتفاقية لنقل الخبرات الإسرائيلية في مجال الزراعة في مقابل استغلال موارد الجمهورية النفطية.

أوزبكستان: تتمتع معها إسرائيل بعلاقات متميزة قائمة على تنمية مشاريع تكنولوجيا الري، حيث قامت شركة «بيتا شيتا» الإسرائيلية في سبتمبر ۱۹۹۲م بتوقيع اتفاقية لإنشاء أنظمة ري متطورة بمنطقة أنذرهان، وتقوم الشركة نفسها بممارسة النشاط نفسه في كل من تركمنستان وطاجكستان، كما تقوم إسرائيل بتدريب الأوزبكيين على تنمية خبراتهم في مجال الزراعة وتنمية الأرياف، وذلك عبر كورسات تقام في تل أبيب، وذكر تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز اللندنية في مايو ۱۹۹۲م أن إسرائيل تصدر لها خبراتها في مجال القطن، وأشار وزير التجارة الأوزبكي صادق سفايف إلى وجود ٤ شركات إسرائيلية تتعامل مع أوزبکستان بانتظام. 

تركمنستان: تعود علاقة إسرائيل الدبلوماسية معها إلى عام ۱۹۹۳م، لكن هذا لم يمنع تل أبيب من إقامة مشاريع اقتصادية مع الجمهورية قبل هذه السنة، حيث قام في صيف ۱۹۹2م وفد تجاري إسرائيلي بزيارة لتركمنستان لتدشين مشاريع مختلفة تعنى بتكنولوجيا الزراعة وتنمية الأرياف وتبلغ قيمة تلك المشاريع ١٥ بليون دولار، لا تتمكن الحكومة التركمانية من دفعها سوى عن طريق المقايضة، فيما بلغت قيمة التبادل التجاري بين البلدين في ١٩٩٥م حوالي ٤٠ مليون دولار، وهناك نية إسرائيلية لمد أنابيب غاز من ترکمنستان عبر تركيا إلى تل أبيب في مقابل أن تقوم إسرائيل بتقديم المساعدات والإعانات الجمهورية في مجال الري والزراعة والتنمية الصحة.

كازخستان: لإسرائيل تغلغل دبلوماسي اقتصادي واضح في هذه الجمهورية، وتعتبر الشركات الإسرائيلية «بيتا شيتا»، و«تيتافيم» و«مرهاف» من أنشط الشركات العاملة هناك، في فبراير ۱۹۹۲م قامت تل أبيب بإبرام 4 عقود مختلفة لزراعة الطماطم والأقطان وفي أكتوبر1992م قام البلدان بتوقيع عدة اتفاقات في طاعات أخرى غير الري والزراعة في مجال البنوك والجمعيات التجارية، وتقوم إسرائيل أيضًا بتطوير أجهزة الاتصالات، فاكس، هواتف، تلغراف، أقمار صناعية، كما هناك خطوط طيران منتظمة بين البلدين.

وفي ديسمبر ۱۹۹٥م قام رئيس كازخستان نور سلطان نزاربايف بزيارة إسرائيل، وأجرى مباحثات مع وزير الخارجية الإسرائيلي إيهود باراك، وصرَّح قائلًا إن بلاده تشاطر الموقف الإسرائيلي من إيران، وتسعى لمنع التغلغل الإيراني في كازخستان.

 كيرجستان: اعترف رئيس جمهوريتها أصكر أكاييف بإسرائيل خلال زيارته لها في يناير ۱۹۹۳م، وبالرغم من اعتراض عدة دول إسلامية على ذلك قام أكاييف بافتتاح سفارة لبلده في القدس، وبرغم قلق إيران من متانة العلاقة بين البلدين، إلا أن كيرجستان قامت بإبرام عدة اتفاقات تعاون مع الدولة العبرية في شؤون الإعلام والتكنولوجيا والأنشطة الثقافية والاستثمار.

 وتهدف إسرائيل في النهاية من علاقتها بجمهورية آسيا الوسطى إلى تطويق الدول العربية بمساعدة كل من تركيا وإثيوبيا تعويضًا عن غياب الضلع الإيراني، وبالإضافة للمنافع النفطية والغازية التي ترجوها إسرائيل من تلك الجمهوريات، فإنها ستتمكن من أن ترقب عن قرب الأنشطة النووية التي تقوم بها إيران وبخاصة أن تلك الجمهوريات لا تزال تمتلك مخزونًا كبيرًا من المواد النووية من مخلفات الحرب الباردة وسباق التسلح. 

الرابط المختصر :