العنوان المصارف الإسلامية.. بين ضيق المداينات ورحاب المشاركات
الكاتب أشرف محمد دوابه
تاريخ النشر الجمعة 01-نوفمبر-2013
مشاهدات 2
نشر في العدد 2065
نشر في الصفحة 62
الجمعة 01-نوفمبر-2013
شهد النصف الأخير من القرن العشرين ميلاد تجربة المصارف الإسلامية، وقد أعلنت هذه المصارف منذ إنشائها اعتزامها القيام بالمشروعات التنموية للمساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلدان الإسلامية انطلاقًا من التزامها بمبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية.
ضرورة ابتكار أدوات مالية جديدة تجمع بين المصداقية الشرعية والكفاءة الاقتصادية
«المرابحة»... تميل إلى التمويل الربوي لأن غرضها أصبح تمويليًا بحتًا وليس عملية استثمارية تفضي إلى تملك الأصول وتحمل المخاطر من أجل الربح
«التورق»... ليس مطابقًا للشرع ولا مراعيُا للمقاصد الشرعية في تطبيقه
فكرة البنوك الإسلامية ارتكزت حول أسلوب المشاركة لكن المصارف ضيقت من استخدامه لخراب الذمم في زماننا مما يعرض أموال البنك للمخاطر
وقد مثلت تلك المصارف اللبنة الأولى للإقتصاد الإسلامي في العصر الحديث، وشهدت تطورًا سريعًا وانتشارًا واسعًا وتنوعت خدماتها ومنتجاتها لتغطي معظم احتياجات الأفراد والجماعات والمؤسسات على حد سواء، حتى تمكنت من فرض نفسها في ساحة الاقتصاد العالمي سواء على مستوى الدول العربية والإسلامية أو الدول الغربية، وأصبح من حق المسلم أن تكون له مؤسساته المصرفية التي تتعامل معه على أساس دينه وعقيدته وقيمه واهتماماته، فترفع عنه الحرج الذي يجده في التعامل مع المؤسسات المصرفية التقليدية.
مساهمة فعالة
وقد نجحت هذه المصارف في مجالات عديدة ولكنها في حاجة إلى المزيد من المساهمة الفعالة في عملية التنمية بشقيها الاقتصادي والاجتماعي في الدول الإسلامية، وفقا لما حددته لنفسها من أهداف، من خلال تقديم أوعية ادخارية وأساليب تمويلية واستثمارية أكثر تطورًا، وتمس حاجات أساسية ملحة للعملاء، وبخاصة في ظل التطورات الحديثة التي طرأت على العمل المصرفي، فضلًا عن حرية تجارة الخدمات.
وكلما امتلكت المصارف الإسلامية عددًا أكبر من الأدوات المالية المتنوعة والمتميزة حققت دورًا أكبر في التنافس من جهة، ولبت قدرًا أكبر من رغبات المتعاملين معها من جهة ثانية، وحققت أهدافها التنموية من جهة ثالثة.
ابتكار أدوات مالية
ومن هنا تظهر الحاجة إلى التطوير المستمر الأساليب التمويل والاستثمار في المصارف الإسلامية بتصميم وابتكار أدوات مالية بهذه المصارف تجمع بين المصداقية الشرعية وبين الكفاءة الاقتصادية.. فالمصداقية الشرعية هي الأساس في كونها إسلامية، والكفاءة الاقتصادية هي الأساس في قدرتها على تلبية الاحتياجات الاقتصادية ومنافسة الأدوات التقليدية، وتحقيق أهدافها الاستثمارية.
ويكشف واقع التطبيق العملي لأساليب التمويل والاستثمار في المصارف الإسلامية استحواذ أساليب المداينات على غالبية النشاط التمويلي والاستثماري في تلك المصارف، فلم تكتف المصارف الإسلامية بالعيش في سجن المرابحات، بل اتجهت إلى التورق المنظم الذي لا يمنعه عن الربا اسمه وليس مطابقًا للشرع ولا مراعيًا للمقاصد الشرعية في تطبيقه.
إن المرابحة ما زالت تترواح نسبتها ما بين 70-90% في المصارف الإسلامية، كما أدلى التورق المصرفي المنظم بدلوه في بعض هذه البنوك رغم تحريم المجامع الفقهية له.
والمرابحة في ذاتها ليست عيبًا ولا حرامًا، ولكن العيب كل العيب والحرمة كل الحرمة في تطبيقاتها العملية في بعض البنوك، حيث أصبحت فيها لا تحمل من الأمر إلا اسمه وأقرب للتمويل الربوي منه إلى التمويل الإسلامي.
غرض تمويلي: ويرجع ذلك في الأساس إلى طبيعة الأسلوب الذي يتبعه العديد من البنوك الإسلامية لتطبيق هذه الصيغة، والذي جعل الغرض الأساسي من عمليات المرابحة هو غرض تمويلي بحت، وليس عملية استثمارية بالمعني الذي يفضي إلى تملك الأصول وتحمل المخاطر من أجل الحصول على الربح، فالصورة المطبقة للمرابحة هي الصورة التي يسبق فيها الطلب العرض، أما الصورة العامة التي يسبق فيها العرض الطلب، فليست متداولة أو معروفة في معظم البنوك الإسلامية.
وكان من نتيجة ذلك أن تحولت المرابحة في بعض البنوك الإسلامية من صيغة شرعية إلى صيغة غير شرعية أشبه بما عليه التمويل في البنوك التقليدية، وأصبحت شكلًا لا مضمونًا، كما أن التورق المنظم ليس له هدف إلا التمويل النقدي للعميل بزيادة نقدية مع توسيط السلعة عينة ويرجع ذلك بصفة رئيسة إلى اتفاق هذه الأساليب القائمة على المداينات مع نمط المعاملات القائمة في البنوك التقليدية والتي تتمثل في الاقتراض والإقراض، وبخاصة وأن غالبية المصرفيين العاملين في حقل المصارف الإسلامية جاؤوا إليها من بنوك تقليدية تتعامل بالفائدة، أو لم يتوافر لهم التأهيل والتدريب المصرفي الشرعي الذي يميز لهم بين الحلال والحرام والطيب والخبيث.
تناقض كبير
ويكشف هذا الواقع للبنوك الإسلامية عن التناقض التام بينه وبين ما توصلت إليه حركة التنظير الأولى لفكرة البنوك الإسلامية، والتي رأت أن أسلوب المشاركة يمثل الصيغة الأساسية الأكثر ملاءمة والتي يجب أن تعتمد عليها البنوك الإسلامية لتوظيف مواردها المالية، ولم يكن في حسبانها أن تكون المرابحة الصيغة الأساسية الأولى بهذه المصارف وما لحقها من تورق منظم كما يتناقض هذا الوضع أيضًا مع ما أعلنت عنه البنوك الإسلامية في المرحلة الأولى لبداية نشاطها من أن الهيكل الحالي لأساليب الاستثمار والذي يعتمد على أسلوب المرابحة بصفة رئيسة هو وضع مؤقت؛ لأنه مرتبط بظروف خاصة ببداية نشاط هذه المصارف، وسوف يتم تعديله تدريجيًا في المراحل اللاحقة تجاه تزايد الاعتماد على أسلوب المشاركة في توظيف مواردها، ولكن ما حدث أن الاتجاه سار نحو تدعيم المداينات على حساب المشاركات التي لم تصبح شيئًا مذكورًا في تلك البنوك.
خراب الذمم
ويرجع العديد من المصارف الإسلامية تدني نسب المشاركات إلى خراب الذمم في زماننا المعاصر، وأن تمويل العميل من خلال المشاركة يحمل البنك الإسلامي مخاطر لا قبل له بها، مما يؤدي إلى ضياع الأموال، كما أن العملاء أنفسهم لا يرغبون في التعامل بالمشاركة، حيث إنها تكشف السرية المحيطة بأعمالهم، وما يحققونه من أرباحفعلية، كما أن هؤلاء العملاء لا يلتزمون بتقديم ما تقتضيه المشاركة من تقديم حسابات دورية ومتابعة ميدانية.
نجحت في مجالات عديدة وعليها زيادة المساهمة الفعالة في عملية التنمية بشقيها الاقتصادي والاجتماع وفي رأينا أن القضية يجب ألا تعلق على خراب الذمم، فما من مجتمع إلا وفيه أمناء وغير أمناء حتى إن مجتمع الصحابة لم يخل من ذلك.. وتبقى أهمية المصرف الإسلامي في الأخذ بالأسباب من خلال حسن اختيار العميل بصورة موضوعية بعيدًا عن الهوى من خلال دراسة شخصيته وقدرة مشروعه على توليد ربح ملائم، ومن ثم قدرته على الدفع، فضلًا عن دراسة مركزه المالي، وما يمكن أن يقدمه من ضمان للتقصير أو التعدي وكذا دراسة الظروف الاقتصادية المحيطة ومدى تشجيعها لتمويل المشروع من عدمه.
كما أن العميل يأتي للبنك وهو في حقيقته يذعن -غالبًا- لكل شروطه .
حساب جار
ورغم ذلك فقد وجدنا - للأسف الشديد بعض البنوك الإسلامية التي طبقت المشاركة افتقدت إلى التطبيق الصحيح لها حتى تحولت المشاركة إلى حساب جار مدين.. فالعميل لا يلتزم فيها بدفع حصته بل يمول البنك العميل تمويلًا تقليديًا كما في البنوك التقليدية، ويغمض عينيه عن متابعة العميل واستخدامه للتمويل، ثم يسوي المشاركة في نهاية المدة المقدرة بنظام الحساب الجاري المدين ودون أي اعتبار لنتائج المشاركة الفعلية. بل وصل الأمر إلى اكتفاء العميل بدفع فوائد أو ما يسمى عوائد المشاركة في نهاية مدتها مع بقاء أصل المشاركة وتدويرها دفتريا كمشاركة جديدة.. كل ذلك سعيًا وراء تحقيق أرقام معينة في التوظيف، وبعد ذلك تأتي المرحلة الأخيرة من خلال عجز العميل عن سداد أصل المشاركة وعوائدها ومن ثم ضياع الأموال. أهداف تنموية
وفي ضوء ما سبق، يمكن القول: إن تجربة المصرفية الإسلامية قد انفصمت في الجانب العملي للمشاركة عن النموذج النظري المفترض لها سواء في التطبيق أو في أولوية الاستثمار، وكان من نتيجة ذلك عدم قدرة المصارف الإسلامية على الوفاء بكثير من مسؤولياتها وتحقيق أهدافها التنموية المأمولة.. فلم يكن دور هذه المصارف منسجمًا مع ضرورة عملها على تجسيد بعض المعايير والقيم الإسلامية في العمل والإنتاج «كالغرم بالغنم»، «والعمل أساس الانتاج»، واستخدام المال بما يحقق صالح الأمة ويخدم أهدافها في تحقيق العدل والمساهمة في توزيع الدخل، والحد من التقلبات الاقتصادية والآثار التضخمية.
وكل هذا يضع البنوك الإسلامية على المحك العملي، ويبرز مسؤوليتها الاقتصادية والاجتماعية عما نظرته لنفسها منذ إنشائها، ويقرر أنه قد آن الأوان لها للاستفادة من التنوع المميز لصيغ التمويل والاستثمار الإسلامية التي حيل بينها وبين التطبيق العملي، وإدارة مخاطرها في ضوء المقاصد الشرعية، وعدم تغليب المداينات على المشاركات بالخروج من ضيق المداينات إلى رحاب المشاركات، ومن ثم المساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي جعلتها هدفًا محوريًا في نظمها الأساسية ..
إطلاق مؤشر للتعاملات المالية الإسلامية في بورصة لندن
أعلن رئيس الوزراء البريطاني «ديفيد كاميرون»، عن إطلاق مؤشر جديد للتعاملات الإسلامية في بورصة لندن، ضمن جهود بلاده للاستفادة من الأسواق المزدهرة للتمويل الإسلامي، مشيرًا إلى أن العاصمة البريطانية أكبر مركز للتمويلات الإسلامية خارج العالم الإسلامي، واليوم يمتد طموحنا إلى ما هو أبعد من ذلك ...
ونما سوق الاستثمارات الإسلامية بصورة كبيرة منذ عام 2006م، ويتوقع أن تصل قيمتها إلى تريليوني دولار العام القادم، وتعد العاصمة الماليزية كوالالمبور مركز التعاملات الإسلامية، ولكن لندن تبذل جهوداً حثيثة لجذب التعاملات الإسلامية.
وتلتزم التعاملات المالية الإسلامية بالشريعة الإسلامية التي تحرم الفائدة، ويتوقع أن تجتذب التعاملات الإسلامية المستثمرين الخليجيين الذين يسعون لاستثمار عائدات النفط والمسلمين الذين يريدون الحصول على خدمات مصرفية إسلامية، ويتزامن إعلان «كاميرون» مع المنتدى الاقتصادي للعالم الإسلامي الذي يعقد حاليًا في لندن.
مفاهيم اقتصادية
الاقتصاد الإسلامي «الاقتصاد» لغة: من اقتصد في أمره أي توسط فلم يفرط ولم يفرط، ويقال: اقتصد في النفقة لم يسرف ولم يقتر، وفي الحديث: «ما عال مقتصد» ولا يعيل أي ما افتقر من لا يُسرف في الإنفاق ولا يُقتر والقصد العدل والاستقامة، والاقتصاد علم يبحث في الظواهر الخاصة بالإنتاج والتوزيع والاستهلاك ويكشف عن القوانين التي تخضع لها .
يقول العز بن عبد السلام: «الاقتصاد رتبة بين رتبتين، ومنزلة بين منزلتين، والمنازل ثلاثة: التقصير في جلب المصالح، والإسراف في جلبها، والاقتصاد بينهما .. قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (الإسراء29:)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان:67).
وأما لفظ «الإسلامي» فهو وصف للفظ «الاقتصاد» جاء لتقييد دلالته بإخراجه من عموم معناه إلى خصوص الاقتصاد المنتسب إلى الدين الإسلامي دون غيره من المذاهب الوضعية التي من صنع الجهد البشري القاصر.
ويمكن تعريف علم الاقتصاد الإسلامي بأنه: «العلم الذي يوفق بين حاجات الأفراد المادية والروحية وما استخلفهم الله تعالى فيه من موارد وفقا لقيم وضوابط الشريعة لتحقيق الرفاه في والآخرة»
ومصطلح الاقتصاد الإسلامي لم يظهر كمصطلح سوى في أواخر القرن الرابع عشر الهجري؛ أي في النصف الثاني من القرن العشرين، وإن كان جوهر ومضمون هذا المصطلح ارتبط بالإسلام منذ ظهور رسالته التي وضعت الأسس الشرعية والفكرية والتطبيقية لعلم الاقتصاد، حيث عرفت الممارسات الاقتصادية منذ العام الهجري الأول، فقد أقام الرسول صلى الله عليه وسلم- سوقًا بالمدينة ووضع الضوابط اللازمة للمعاملات بما يكفل القضاء على الغش والغين والاحتكار والربا، وحرص على جمع الزكاة وإقطاع الأرض لمن يريد أن يحييها بالاستصلاحونظم استخدام الموارد المائية، ورسخ مفهوم العدل في المعاملات، واحترام الملكية الفردية، وحرية الأسواق وما يجري فيها من معاملات وأسعار ما دامت في إطار الشريعة الإسلامية الغراء، ووضع الضوابط اللازمة في مجالات الانتاج والتوزيع والاستهلاك.