العنوان المشكلة الإسكانية إلى متى؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1982
مشاهدات 67
نشر في العدد 574
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 08-يونيو-1982
السياسة الإسكانية تفتقد إلى خطة مسبقة مدروسة وشاملة.
برامج الإسكان بدأت منذ عام ٥٤ ولكن المشكلة لا تزال بدون حل.
المشكلة لها جوانب اقتصادية اجتماعية سكانية وأخرى إسكانية.
تعدد واختلاف وتضارب الأجهزة المسؤولة عن السياسة الإسكانية.
الندوة التي افتتحت يوم السبت الماضي حول أبعاد مشكلة الإسكان تعتبر مؤشرًا على أن الإحساس بالمشكلة لم يعد محصورًا في فئة معينة من السكان، بل المحتاجين للسكن. بل وكما جاء على لسان رئيس جمعية المهندسين عبد الرحمن الحوطي في يوم افتتاح الندوة أصبح الإسكان أبرز مشكلات العصر، وهذا صحيح إلى حد ما، خاصة بالنسبة للكويت التي تطورت سكانيًا واقتصاديًا وبعد اكتشاف النفط بشكل فاق التصور والتوقعات.
مظاهر المشكلة:
وتبرز المشكلة الإسكانية في الكويت في أنه بالرغم من انتباه الحكومة لموضوع الإسكان منذ عام ١٩٥٤ حيث بدأت برامج الإسكان، إلا أن المشكلة تفاقمت منذ أوائل العقد الماضي ولا تزال بدون حل، ولعل أبلغ دليل على ذلك أنه لا يزال هنالك ٣٥ ألف طلب متراكمة طوال سني الخطة الإسكانية الخمسية الثانية كما جاء على لسان مدير الهيئة العامة للإسكان إبراهيم الشاهين، وأنه إلى جانب ذلك لا تزال الحكومة تستأجر حوالي ٧٥٠٠ وحدة سكنية لإسكان سكان العشيش التي تمت إزالتها في الكويت نهائيًا، هذا فضلا عن العائلات التي تدفع لها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بدل إيجار، ومن الأمثلة التي تبرز المشكلة الإسكانية لذلك الحيرة التي يعيشها الأعزب، حيث لا يستطيع الحصول على بيت ما لم يكن قد تزوج، وإذا تزوج فلا يحصل على البيت إلا بعد سنوات، فأين يسكن إذًا في ظل معدلات الإيجار المرتفعة جدًّا ؟!
لقد فضل بعضهم فعلاً أن يبقى عزبًا أو بالأحرى اضطر أن يظل عزبا. فهل فكرت الأجهزة المختصة في ما قد يترتب على ذلك من آثار اجتماعية ؟! وقد انعكست المشكلة في وجود مساكن قائمة لا تتلاءم ومتطلبات التطور الاقتصادي والحضري والاجتماعي، وازدحام سكاني بسبب زيادة عدد السكان، مما سبب ارتفاع إيجارات المساكن وأصبح الإنفاق على المسكن يشكل حوالي ۲۲% من الإنفاق العام للأسرة الكويتية وحوالي ٥٠٪ للأسر غير الكويتية، فما أسباب المشكلة ومن المسؤول
عنها؟
أسباب متشابكة:
الملاحظ أن أسباب المشكلة ترجع إلى جانبين: جانب طبيعي يتعلق بالتطور الاقتصادي والسكاني، والجانب الثاني يتعلق بالحلول التي وضعت للمشكلة أو بصورة أخرى تتعلق ببرامج الإسكان. وفي الجانب الأول تشابكت مجموعة من الأسباب أدت إلى نمو الطلب على المساكن. وتشمل ثلاث مجموعات وهي :
●أسباب سكانية اجتماعية: وتتمثل في الزيادة الطبيعية في عدد السكان الكويتيين، واستقدام قوة عمل كبيرة ومتزايدة من الخارج، وارتفاع معدلات الزواج وتكوين الأسر المستقلة.
●أسباب اقتصادية: وتتمثل في ارتفاع مستوى المعيشة، وتدفق أعداد كبيرة من البدو والوافدين وغيرهم على المراكز الحضرية والمناطق المجاورة لمنشآت النفط سعيًا وراء طلب الرزق. وهذا ما أدى بالتحديد إلى ظهور ظاهرة العشيش. وكذلك نمو القطاعات الإنتاجية الذي أدى إلى زيادة الطلب على القوة العاملة الوافدة.
●أسباب إسكانية: وتتمثل في المساكن القديمة والآيلة للزوال، إسكان من هدمت بيوتهم نتيجة تنفيذ مشروعات عامة، ارتفاع تكاليف البناء وندرة الأيدي العاملة، ثم محدودية الطاقة الإنتاجية لصناعات مواد البناء المحلية، وأخيرًا غياب سياسة إسكانية شاملة ومتناسقة.
جهود .. ولكن:
أما فيما يتعلق ببرامج الإسكان فلا شك أن الحكومة عبر الأجهزة المختصة قد بذلت جهودًا كبيرة وقدمت تسهيلات كثيرة لحل المشكلة وتهيئة السكن المناسب للمواطنين، ولو قارننا هذه الجهود بالجهود المماثلة في دول أخرى، لاتضح أنها جهود كبيرة فعلا وسخية بشكل ملحوظ، لكن ألم تكن تلك الجهود المبذولة والأموال المصروفة قادرة فعلًا على حل المشكلة الإسكانية ؟! ابتداء لا بد من التسليم بأن المشكلة كبيرة وصعبة وتنطوي على تحديات كبيرة. لكن المراقبين والمختصين يرون أن السياسة الإسكانية التي اتبعت حتى الآن تعاني من كثير من أوجه القصور يمكن حصر أهمها بالتالي:
الجهات المسؤولة:
- فالمتتبع لتطور السياسة السكانية يجد أنه كان هنالك تعدد واختلاف وتضارب أحيانًا، بين الجهات الحكومية المسؤولة عن الإسكان والمرافق الأساسية. وأنه لم يكن للدولة خطة مسبقة لإسكان الأسر ذات الدخل المنخفض، وإنما كان نشاطها يتم لمواجهة الظروف الاضطرارية. فعندما صدر قرار إنشاء مجلس الإنشاء في ديسمبر ١٩٥٤ لبناء ألفي بيت شاركت في توزيعها البلدية. وقد تبين أن عدد هذه البيوت يزيد على عدد المحتاجين فعلاً! ثم بدأت مرحلة دائرة أملاك الدولة في أغسطس ١٩٥٦ التي كانت تستأنس بآراء البلدية في توزيع بيوت ذوي الدخل المحدود. ثم تشكلت لجنة الإسكان في 6/1/58 من مديري بعض الدوائر الحكومية تبعتها لجنة توزيع المساكن من عناصر أهلية، ثم ضمت إدارة أملاك الحكومة إلى إدارة الإسكان التابعة لوزارة المالية والاقتصاد، ثم عهد بالمسؤولية لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عام ٦٢. وكانت وزارة الأشغال وبنك التسليف والادخار يساهمان في إنشاء البيوت. وفي عام ١٩٧٤ صدر قانون إنشاء الهيئة العامة للإسكان ومنحها الشخصية الاعتبارية وأعفاها من رقابة ديوان المحاسبة ولجنة المناقصات المركزية.
ثم أسندت مهمة السياسة الإسكانية لوزارة الإسكان التي أنشئت في11/3/75، وتم إلحاق الهيئة بوزارة الإسكان. وفي عام ٧٩ تم تعديل اختصاصات الوزارة ثم إنشاء المجلس الأعلى للإسكان في 21/3/82 الذي انبثق عن هيئة استشارية بمكتب أمير البلاد يرأسها الدكتور سالم الطحيح. ومع أن وزارة الإسكان أنشئت لحصر أجهزة الإسكان فيها، إلا أن البلدية، وبنك التسليف والادخار ظلا طرفين في المشكلة الإسكانية، مما ترتب عليه تعقيد الإجراءات الروتينية على المواطن، ولا ندري هل سيضع المجلس الأعلى للإسكان حدًّا لهذا التعدد في الأجهزة أم لا؟
المشكلة السكانية:
سياسة غير واضحة
- ونتيجة لما سبق لم يكن للجهات المسؤولة خطة مسبقة واضحة، ففي حين كان هدف الإسكان ابتداء يقتصر على ذوي الدخول المحدودة وهي المشكلة الأساس، ثم تحولت السياسة إلى تلبية رغبات ذوي الدخول المتوسطة، ثم عمل بسياسة تخصيص القسائم والقروض العقارية، ثم ألغى العمل بالقسائم والقروض، وتم التحول للفلل والشقق السكنية. وقد كان السبب في معظم الأحيان عدم ملاءمة السكن للمتطلبات الاجتماعية والبيئية المحلية.
وقد اتسم توزيع البيوت الحكومية على النحو السابق بنوع من عدم العدل في التوزيع، كما انطوى في بعض الحالات على معلومات فنية خطأ أدت إلى هدم بعض البيوت أو إلغاء بعض المشاريع كمشروع الشويخ، ويكاد يجمع الكويتيون على عدم موافقتهم على شقق مشروع الصوابر نظرًا لعدم تقبلهم لنظام الشقق من جهة، ولكن المشروع في مركز المدينة من جهة أخرى مما يسبب إزعاجًا وإرباكًا لحركة المرور.
وإذا كانت القسائم غير متساوية فإن الفلل التي وزعت حتى الآن هي كذلك غير متساوية. فمثلا فلل العارضية ٦٠٠ متر بينما فلل بیان ٥٠٠ متر.
تفاقم الأزمة:
- ولم يقتصر الأمر على عدم تبني خطة مسبقة واضحة، بل إن بعض إجراءات الحكومة أسهمت في تفاقم الأزمة. فمثلًا تقديم التسهيلات الائتمانية للشركات العقارية وبيع أراضي الدولة لها بهدف بناء مجمعات سكنية كبيرة، أسهم في زيادة حدة المشكلة، لأن هذه الشركات لجأت إلى المضاربة مما زاد تكاليف شراء الأرض
وبالتالي تكلفة البناء. وهذا ما أدى بالإضافة إلى غلاء مواد الإنشاء الأخرى إلى الإحجام عن حركة بناء المساكن من جهة وإلى رفع إيجار المساكن على المستأجرين.
إغفال الوافدين:
- ومع أن الهيئة العامة للإسكان في خطتها الخمسية الأولى والثانية حاولت النظر للمشكلة بشمول أكثر، كما استندت على الإحصاءات والدراسات، إلا أنها ركزت فقط على إسكان السكان الكويتيين، أما إسكان الوافدين الذين يزيد عددهم على الكويتيين ويشكلون دعامة أساسية للتطور الاقتصادي والاجتماعي للبلد، فقد أهملوا نهائيا. فضلا عن أن قانون الإيجار الذي صدر قبل أربع سنوات جاء في غير صالحهم.
التركز العمراني:
- ويلاحظ أن برامج الإسكان الحكومية قد تركزت على الشريط الساحلي للبلاد مع التركيز على مدينة الكويت وضواحيها، بالرغم من أن ذلك يؤدي إلى مشاكل مرورية وضغط على وزارات الخدمات والمرافق الأساسية. ولا تزال الأرض المعمورة تشكل نسبة صغيرة من مساحة الكويت. فلماذا لم يجر التفكير الجاد بإنشاء حواضر ومدن في نواحي البلاد المتعددة؟ ذلك سؤال مطروح على واضعي السياسة الإسكانية نظرًا لما في ذلك من سهولة تخطيط المدن الجديدة، وما فيه من إعمار للأرض وتجميلها.. ونحن هنا لا نحصي جميع الثغرات وأوجه القصور في السياسة السكانية في الوقت نفسه لا تركز كثيرًا على الإيجابيات التي نوهنا إليها، لأن المقصود هو تلافي النقص نحو الكمال. ولكن يلاحظ أن الناحية الجمالية قد اختلت بسبب عدم وضوح الرؤيا وعدم وجود الخطة. ففي بعض المناطق النموذجية نجد الفلل الراقية إلى جانب بيوت ذوي الدخل المحدود التي بنيت منذ فترة وتختلف في مواصفاتها وترتيبها عن نظام الفلل والقسائم، وما دمنا نبني بلدنا ابتداء، فلماذا لا نحرص على جماله وحسن ترتيبه.
إلى متى؟
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى متى مشكلة الإسكان؟ لقد تم الكشف عن كثير من نواحي القصور والثغرات من قبل المختصين والمسؤولين على السواء. ولقد صرح أكثر من مصدر مسؤول بأهمية المشكلة الإسكانية وضرورة الإسراع في حلها. ولكنها لا تزال بلا حل؟ وواقع التجربة يقول: إن الخطة الخمسية الجديدة للهيئة العامة للإسكان بكل طموحاتها لن يكتب لها التنفيذ كاملة. وهذا يعني أن قصة الانتصار لفترة طويلة منذ عام ١٩٦٥ وحتى عام ۱۹۷۸ ستتكرر، وأن فقراء الناس سيظلون مشغولين بقضية السكن، كما ينشغل الأغنياء منهم بسوق المناخ والبورصة. وهذا ما دعا البعض إلى الاعتقاد بأن الحكومة ربما كانت غير جادة في حل المشكلة الإسكانية فهل هذا صحيح ومتى يكون الرد؟ إننا لمنتظرون!