العنوان المشروع الإسلامي والمتغيرات الدولية
الكاتب محمد امين العباس
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1990
مشاهدات 83
نشر في العدد 953
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 06-فبراير-1990
إن سقوط الماركسية كعقيدة ومنهج سياسي يعد من أكثر الإيجابيات التي أسفرت عنها التطورات الدولية مؤخرًا، باعتبار الماركسية فكرًا حديثًا ارتبط بالثورية والإنجازات.
الربع الأخير من العام المنصرم أسفر عن متغيرات كبرى انتظمت أكثر الثوابت الدولية رسوخًا والتي لم يكن في الحسبان احتمال قابليتها للتغيير... ففي الوقت الذي تجمعت فيه مؤشرات الرصد السياسي على إكمال نهج الانفراج الدولي الذي أفرزته سنوات ما بعد الحرب الباردة ولقاءات "الكبار" واتفاقيات "سالت 1" و**"سالت 2"**.. وغير ذلك لم يتم، بل انقلب الأمر إلى انفجارات سريعة أودت رأسًا بإلغاء التقسيم الدولي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وساعد على ذلك السياسة الخارجية المعلنة للاتحاد السوفياتي ولقاء مالطا الذي أُريد له تقنين المتغيرات الدولية وفقًا لاستراتيجيات القوى العظمى، وجاءت الآثار في صورة الانفراط التي اجتاحت أوروبا الشرقية كاشفة عن أوضاع جديدة رافضة لكل علائق الماضي وشعاراته وأدبياته وسلوكياته السياسية مما تحتم معه إقصاء الأيديولوجية الحاكمة وانزاحت بذلك الماركسية الشيوعية عن مركز الحاكمية هناك...
والآثار تبدو أيضًا في نفي إمكانية المواجهة بين الشرق والغرب بعد أن تقلصت أسباب التنازع وبانت الأحلاف العسكرية التي كانت الرمز الحاضر في استراتيجية المراحل السابقة مجرد مخلفات زمنية تنتظر التصفية... ومهما يكن فإن تلك المتغيرات التي أحدثتها سياسة إعادة البناء ليست محدودة بما برز حاليًا من آثار؛ فالقضية على ما يبدو أكبر من تغير تحصره المرحلة الزمنية القائمة... ومع التغيير في السياسات تجيء هجرة اليهود السوفيات إلى الكيان الصهيوني واحتمالات الوحدة الأوروبية والوحدة الألمانية. وبالإضافة لهذا الانحسار فإن عدة مؤشرات تدلل على حالة انفراج في العلاقات السياسية سوف تنتظم الدول العربية والإسلامية مما يتيح فرصًا واسعة للتعامل مع المتغيرات السياسية ضمن أجواء الانفراج السياسي وربما تبرز التعددية السياسية لتدعم الحريات السياسية وهو واقع بدأت تباشره كثير من الدول العربية. مما يوفر على الحركة إشكاليات الكيفية في التعامل وتجاوز حالة عدم الثقة التي سادت في فترات سابقة مع بعض الأنظمة... وينتج هذا بدوره أجواء حوارية خصبة تساعد كثيرًا على إنضاج المشروع الإسلامي في بعض جوانبه... وثالث المكتسبات التي وفرتها أجواء المتغيرات الدولية يتصل بالاهتمام البالغ الذي توليه دول الغرب الرأسمالي "لمنظومة" الدول الشرقية وينعكس هذا الاهتمام إيجابيًّا بعدم التركيز على محاربة الحركة الإسلامية وتيار بعث الحضارة الإسلامية.
النواقض
كما أن المتغيرات الدولية أفرزت إيجابيات متفاوتة على الحركة الإسلامية ومشروع استئناف الحضارة الإسلامية، كذلك لها سلبيات عديدة تتمثل بصورة مباشرة في النقاط التالية:
1. التمدد اليهودي في فلسطين المحتلة: ما أن تفرقت سفينتا غورباتشوف وبوش عن جزيرة مالطا حتى اصطكت الآذان العربية بعملية هجرة اليهود السوفيات إلى دولة الكيان الصهيوني، ويقال أن ما يضاهي نصف مليون أو يزيد هو حجم الهجرة اليهودية من السوفيات وهو رقم كبير بكل المقاييس، وإذا عرفنا بأن اليهود السوفيات ذوو توجهات يمينية مغلقة بالإضافة لمكاسبهم العلمية والتقنية نعرف كم كان ميزان العدو الصهيوني نهمًا وبالتالي خسارتنا نحن كمسلمين ودعاة مشروع حضاري يأبى أن يبقى تحت رحمة السيطرة والنفوذ اليهودي. ولعله من فضل القول أن نذكر بأن وجود الكيان الصهيوني أساسًا أنشئ لمحاربة انبعاث الحضارة الإسلامية ومن باب أولى السعي لتحطيم الحركة الإسلامية.
2. استمرار التجزئة ومشاريع التفتت والاقتتال: إن الواقع العربي القائم يكرس الإقليمية مع تقدم الزمن مما يجعل سبل الوحدة الشاملة للعالم العربي والإسلامي تزداد صعوبة من جانب، كما ينمي الوهم المرتكز على إمكانية التنافس بين الأقطار العربية الإسلامية من جانب آخر، وهو وضع شاذ أوجدته القوى الاستعمارية في الماضي ولم يجد قدرًا كافيًا من المعالجة والنهوض من قبل شعوبنا العربية، وقد تسبب في هدر الإمكانيات وتشتت الجهود وبقيت طاقات الأمة معطلة في كثير من الأحيان لأن التجزئة القطرية تحول دون التنسيق والاستخدام الأمثل، والحركة الإسلامية تعاني من جراء الواقع الإقليمي القائم، كما تحس بالإفرازات المستقبلية التي ربما تتفاقم مع أوضاع التفتت والتجزئة لا سيما وأن هناك حروبًا مشتعلة في أكثر من موقع - جنوب السودان - لبنان - كشمير - السنغال، وهي تضاعف بلا مراء من معاناة الأمة وتؤخر مشاريع النمو والتقدم عندها.
3. قيام التكتلات العالمية الكبرى: في الوقت الذي تسعى فيه أوروبا الغربية إلى بناء وحدة اقتصادية واستراتيجية في عام 1992 وتتلاقى معه جهود الألمان لبناء ألمانيا الواحدة تجد أن أمتنا العربية تتعامل مع تلك الحقائق من ذات المنظور السابق دون تفكير في مدى التغير النوعي الذي ينتج عن قيام التكتلات الكبرى وأثره على النهج الاقتصادي القائم عندنا حيث تُحجِم مساحة التحرك داخل الاحتكارات؛ مما يفرض أسعارًا وأساليب تجارية أكثر تطفيفًا، وهو ما ينعكس على اقتصاديات الأمة بالسلبية والدوران في دائرة الاحتكارات المخططة في النظام الأوروبي المستقبلي، وتنسحب هذه الأوضاع على الحركة الإسلامية من باب تردي الأوضاع الاقتصادية وما ينتج عنه من ضعضعة في البنية الاجتماعية خاصة في ظل الظروف الحياتية القائمة.
الاستجابة
تعمل الحركة الإسلامية في إطار الهامش المتاح من الحريات في العالم العربي والإسلامي وهي ما زالت في بعض البلدان العربية والإسلامية تبحث عن تأشيرة الاعتراف الرسمي، وبالرغم من هذا إلا أن الحركة الإسلامية تجسد التيار الشامل لتجديد المآثر وشحذ الهمم الشعبية بالإيمان لاستئناف الحضارة الإسلامية في اعتباراتها الفكرية والاجتماعية هداية للأمة واستجماعًا لأسباب النهوض القويم الذي يُمكّن الأمة من أداء دور الأستاذية على البشرية اعتمادًا لاختيارها بالإسلام خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ولا تبغي في الأرض الفساد. والمتغيرات الدولية في السياسات الراهنة والمستقبلية تتصل بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالمشروع الإسلامي ومساعي استئناف الحياة الإسلامية؛ ولذا لا مناص من الاستجابة للتحديات المطروحة وذلك بالمساهمة في توجيه الأمة إلى خطر التفاعلات التشكيلية التي انتظمت العالم المعاصر أو أنها في سبيل المثول، ويقتضي هذا توسيع دائرة التحرك على المستويات الرسمية والشعبية وصياغة الأولويات التي تأخذ في الحسبان بأن تخلف الأمة عن حيازة التكنولوجيا وبناء التقدم يشكل عوائق أساسية أمام بناء الحضارة الإسلامية وهو ما يحدو بالحركة إلى ترشيد الاهتمامات الجادة في الأمة ونبذ أساليب التخاصم في دائرة تباين وجهات النظر ما لم تتسع دائرة الخلاف لتصل للمنهج وهو سعي قد يساعد كثيرًا في تفهم أهداف المشروع الإسلامي من جانب كما يمهد إلى خلق نوع من تكييف العلاقة مع الحكومات وتطويرها من أجل العمل الإسلامي، ومن البديهي انعكاس دواليب المتغيرات على واقعنا العربي الإسلامي وتداخلها مع مشاريعنا الراهنة والمستقبلية وفي تفريعاتها السياسية والاقتصادية والثقافية... وعليه فإن نقاط الخلاف والتلاقي لا بد من تواصلها مع الحركة الإسلامية باعتبار العلاقة الكلية الجامعة لها مع المشروع الحضاري للأمة العربية الإسلامية، ومن هنا تنطلق جدلية العلائق طردًا وعكسًا برغم حالة التفاوت التي تنتظم المفارقة بين الحركة الإسلامية "مشروع" وبين الأحداث الدولية "واقع" غير أن الرابطة العضوية لا تنفصل بين الواقع العربي الإسلامي والحركة الإسلامية.
تبدل ومكتسبات
إن من أكبر الإنجازات التي أسفرت عنها المتغيرات الدولية مؤخرًا هو انحسار الشيوعية الدولية عن أوروبا الشرقية وتبدل السياسة الخارجية للاتحاد السوفياتي الرامي لعدم التشابك العقائدي مع الأحداث وانتهاج سياسة التبشير بالمصالح بدلًا من التبشير بالعقيدة الماركسية، وفي هذا السياق تجد الحركة الإسلامية أنها لن تتحمل مؤونة التصادم مع الأنظمة المتطرفة وذات التوجهات الماركسية، كما أنها تضمن أجواء دعوية أكثر رحابة للتحرك في الدول ذات الأنشطة الحزبية الطاغية للشيوعيين والذين يشكلون باستمرار طبقة لصيقة بالإعلام العربي. فانحسار العقيدة الماركسية وحالة الزوال التي تعيشها حاليًا تفتح الأبواب الحركية واسعة أمام التوجه الإسلامي.. وهي مكتسبات بالغة الأثر لا سيما وأن الأفكار الماركسية كانت باستمرار تمثل رافدًا تنمويًّا للحركات القومية واليسارية العربية كما تقتضي الاستجابة تواصل الجهود بين العاملين في إطار العمل الإسلامي من أجل تنسيق الجهود وترشيد أساليب العمل وبناء حوار واسع لإبراز الإمكانيات العظيمة في الدين لبناء دولة الكفاية والعدل وصياغة المجتمع الراشد والفاضل والمبرأ من أسباب الانهيار لا سيما وأن انهيار العقائد الماركسية يفسح المجال أمام إبراز الصوت الإسلامي في أجواء مبرأة من تعكير التشويش العقائدي المضاد. والحركة الإسلامية لها أن تستبشر خيرًا بالآثار الناتجة عن التطورات الدولية ولكن عليها أن تعي أن عالم اليوم يستخدم الإمكانيات استخدامًا أمثل، وهو ما يحتم عليها بناء استراتيجيات علمية تأخذ فيها بأساليب ثورة المعلومات وإنشاء المراكز للبحوث من أجل التبصر بأدواء الأمة وتشخيص العلاج الناجع، وبذلك يمكن أن تلعب دورها المشهود في صياغة الغد المأمول بإذن الله.