; المشاهد الخطيرة.. في مسرح المفاوضات بين السلطة و«إسرائيل» | مجلة المجتمع

العنوان المشاهد الخطيرة.. في مسرح المفاوضات بين السلطة و«إسرائيل»

الكاتب د. عبد الله الأشعل

تاريخ النشر السبت 02-أكتوبر-2010

مشاهدات 71

نشر في العدد 1921

نشر في الصفحة 66

السبت 02-أكتوبر-2010

المسرح الراهن للمفاوضات المباشرة يتطلب وقفة طويلة لتحليله وتظهر أمامنا على الفور ثمانية مشاهد، وقد توزعت الأدوار المسرحية حفظ الممثلون أدوارهم مع البطولة المطلقة لـ بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الكيان الصهيوني، الذي يجاهد لارتقاء المجد الصهيوني، والحصول على جائزة نوبل في الوقت نفسه ما دام تاريخ الجائزة قد ارتبط بشكل أو بآخر بتطور وازدهار هذا المشروع، ومن المحقق أن المفاوضات المباشرة التي بدأت في الثاني من سبتمبر في واشنطن تيمنًا بأوسلو. لا مفاجأة فيها، ويستطيع أي مراقب يمتلك حواسه أن يقطع بنتائجها ولذلك تقدم المشاهد الثمانية في هذا المسرح.
المشهد الأول: أن الكيان الصهيوني هو من طلب المفاوضات، وابتدع تقسيم المفاوضات إلى مباشرة وغير مباشرة، فكانت المفاوضات غير المباشرة تتصل نظريا بالمسائل التكتيكية أو المعيشية للفلسطينيين ولم يتحقق منها شيء. ولم تحرر إلا على الورق ولم يفهمها أحد، كما أن الجميع (الكيان الصهيوني وأمريكا والعرب) متفاهمون على السير في هذه المسرحية، واستسلم الجميع لانطباع مفتعل مفاده أن المفاوضات المباشرة هي استئناف للمفاوضات المنتظمة التي تمت بين الجانبين منذ ما قبل أنابوليس التي حضرها الجميع أيضًا وبشروا بعدها بعصر جديد من السلام الوارف لتظهر إحصاءات الاستيطان حصيلة نجاح الكيان الصهيوني، ودفع مشروعه بهمة بعد أنابوليس. 
تم تظاهر الجميع بأن المفاوضات المباشرة مخصصة لبحث الوضع النهائي، وأنه نظرا لصعوبة هذه الموضوعات يتم الاتفاق على مبادئ عامة مثل أوسلو.. ثم ينخرط المفاوضون في استيفاء فراغات العناوين. 
المشهد الثاني: تظاهر الجميع بتصديق أن قرار تجميد الاستيطان صحيح، وأنه تضحية كبيرة من جانب نتنياهو وأنه بذلك يقبض على الشوك لأن شركاءه في الحكم يصرون على العودة إلى الاستيطان الذي لم يتوقف يوما، وأن فكرة تجميده مؤقتا هي مؤشر امتثال الكيان الصهيوني للضغط الأمريكي.
المشهد الثالث: تمنع أبي مازن عن الدخول في أي مفاوضات قبل وضوح المرجعية والموقف الكامل للاستيطان، وتكراره للثوابت الفلسطينية حتى يبيع الوهم لشعبه، ثم تفوضه لجنة المبادرة العربية، وتترك له الوقت المناسب لاستخدام التفويض حتى لا يتهمه أحد من العرب مثلما اتهموا عرفات بأنه يفرط في حقوق الشعب وحتى يظهر معارضة المقاومة بكل أسلحتها على أنه صراع سياسي معه على السلطة، وبأنه هو الأدرى بمصالح شعبه، وضرورات المرحلة حتى لا تفلت الفرصة من يديه. 
المشهد الرابع: أن الجميع عربًا ويهودًا وأمريكيين يتحدثون لغة متشابهة، ولكن مضمونها مختلف لأن لكل حساباته ومفاهيمه الخاصة، ويسعى الكيان الصهيوني مع واشنطن إلى تعديل المعادلة بحيث يكون الصراع ضد مصدر الخطر على الجميع وهو المقاومة ومن يساعدها، ومن يتحدى الإرادة الصهيونية حتى لو ليسوا لباس شهداء أسطول الحرية.
المشهد الخامس: عرض الرئيس مبارك، لاستضافة جولات المفاوضات الشاقة، في منتجع شرم الشيخ لعل سحر الطبيعة يلهم المتفاوضين بما يرضي ذويهم، ولا ندري هل كان العرض من مصر تعلقًا بالسلام وتعطشًا إليه وأملا في أن ينعم الفلسطينيون بالسلام الذي ينعم به الشعب المصري والأردني مما ينهي العدوان ويفتح باب الأخوة بين اليهود والعرب بعد زوال العقدة النفسية التي لا يزال الرئيس يعتقد أنها سبب المشكلة؟ أم كان العرض استجابة لرغبة كريمة من أصدقائنا اليهود أو الأمريكيين حتى لا يتعطل الدور المصري النشط في المنطقة بعد أن سدت حماس، منفذ المصالحة، وهو الملف الوحيد الذي بقي لدى مصر من ذيول هذا الصراع.
المشهد السادس: أن الجميع يرددون أن مفاوضات الوضع النهائي تتناول نفس القضايا الخمس الكبرى المحجوزة مع اتفاق أوسلو حتى يتوهم الأغيار أن الدولة الفلسطينية والقدس قادمة لا محالة، رغم أن الكيان الصهيوني تحدث طويلا عن موقفه من كل هذه القضايا.
المشهد السابع: أن الكيان الصهيوني تمكن بالحديث عن الاستيطان والمستوطنات من الحصول على قبول مجاني بأن قرار الاستيطان بيدها، وانه جوهري لصيانة التحالف الحكومي، ولم تصرح بأنه جوهري باعتباره أداة سياسية للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية من أهلها، بعد أن انتهت مرحلة إرهابهم وتهجيرهم وطردهم لتخلي منازل الفلسطينيين بكل الذرائع حتى يحل محلهم اليهود.
وما دام القرار بتأجيل الاستيطان واستئنافه بيد الصهاينة فإنهم بذلك يحققون نجاحًا عبقريًا، وهو ألا يصبح الاستيطان عملا غير مشروع في القانون الدولي مادام الصهاينة لا يعترفون بأن الأراضي الفلسطينية أراض محتلة يحظر تغيير طبيعتها أو نقل سكانها إليها، فاستبعد الصهاينة تماما القانون الدولي الذي يجب أن يحكم وضع الأراضي الفلسطينية بموافقة فلسطينية وعربية وأمريكية وأوروبية ومادام تأجيل الاستيطان قرارًا مؤلمًا: فإن استئناف القرار يكون باتفاق الطرفين فيكتسب الشرعية الكاملة.
وفي الوقت نفسه تكون المستوطنات القائمة على الأراضي الفلسطينية كيانات شرعية، كما يصبح طرد الفلسطينيين لإقامتها عملا مشروعًا لا يمكن تحديه، وأقصى ما يمكن أن تحققه العدالة اليهودية للضحايا هو تقديم تعويض أي شراء أرض الفلسطينيين بمقابل، أو دفع خلو لاسترداد الأراضي اليهودية وفق نظرية إسرائيل. 
لمشهد الثامن: انشغال الجميع بالمفاوضات، ويصبح لها الأولوية بزعم أن أي تداخل بينها وبين غيرها يعطل السلام الواعد، ويصبح تلكو الجانب الفلسطيني في عدم الاعتراف بيهودية الدولة تعنتا ونقصا في أهلية الطرف الفلسطيني، كما تجوز الرشاوى والمكافآت للطرف الفلسطيني لتسهيل تعاونه مع إسرائيل على إنهاء الملف، بحجة إعداد البنية التحتية للدولة الفلسطينية المزعومة.
واتصالًا بهذا المشهد يفلت الصهاينة من المساءلة عن جرائمهم في محرقة غزة و أسطول الحرية.. ليس فقط لأن الضحايا يستحقون ما نالهم بسبب تجرتهم على تحدي الكيان الصهيوني بأسطول الحرية، ولا لأن أهالي غزة يستحقون الموت - في نظرها لاختيارهم حماس في انتخابات حرة، ولكن لسبب آخر مصطنع مألوف، وهو أن السلام هنا مقدم على العدالة، وذلك على عكس الشعار الذي تم قلبه في حالة دافور. فأصبحت العدالة ضد البشير مقدمة على مساعي السلام التي يقوم بها مع المتمردين أصدقاء أمريكا وإسرائيل.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل