; المشاريع الإسلامية بين الانتهازية والعشوائية | مجلة المجتمع

العنوان المشاريع الإسلامية بين الانتهازية والعشوائية

الكاتب عبد السلام الهراس

تاريخ النشر الثلاثاء 17-مارس-1998

مشاهدات 75

نشر في العدد 1292

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 17-مارس-1998

هذا موضوع طالما انتابتني همومه وراودتني أفكاره، وأنا أذودها وأحاول تناولها عسى أن يتناولها من هو أكثر اطلاعًا مني واقترابًا من المشكل، لكن أمام تفاحش ظاهرة– الانتهازية من جانب والغفلة والعشوائية من جانب آخر– الفيتني مدفوعًا لإثارة الموضوع متعمدًا الإثارة والعموم غالبًا، تاركًا لمن يهمه الأمر أن يستقصي الحالات والوقائع والجزئيات والأسماء والعناوين، ولا أدعي أني قد اطلعت على نسبة كبيرة في الموضوع تسمح لي بتقديم دراسة شاملة ولكني عرفت وسمعت حالات متعددة.

 ومازلنا نشاهد إلى اليوم على الرغم من وضوح الحقائق بعض هؤلاء الانتهازيين يعيثون فسادًا باسم الإسلام وليتهم يقنعون بما جازوه من فوائد مادية، بل إنهم يحاولون أن يظهروا أنفسهم علانية بأنهم يمثلون الإسلام وهنا الكارثة المضاعفة !!

 وقد ظهر جليًا أن هذا الصنف المندفع إما أن يكون انتهازيًا ومغامرًا لمصالح مادية سريعة يستخرجها بخدماته وأساليبه أو متحمسًا مغفلًا من ذلك الصنف الذي يورط الإسلام والمسلمين من حيث بريد الدفاع عنه، وقد جلب هذا الصنف على الإسلام من المضار ما لا يعد ولا يحصى، ونفر كثيرًا من الغربيين من الإسلام، لذلك نرى وسائل الإعلام الغربية، وبخاصة الإنجليزية تهتبل مثل: هذه الفرص وتقتنص مثل هذا البطل لتجعل منه الممثل الشرعي والوحيد للإسلام لتنطلق أبواقها بمكر سيئ وخبث لعين لتشويه الإسلام والتعريض به والتنفير منه مستدلة بأقوال وأحوال أمثال هذا الشخص وهو متعاد في عناد بليد وحماس أهوج وتحد أخرق.

 ويتكرر هذا النموذج كثيرًا في الساحة، كذلك الذي أعلن مرارًا في إسبانيًا بوجوب تحرير الأندلس من الاستعمار الإسباني والكنيسة الكاثوليكية، فكانت النتيجة التحريض على الإسلام والمسلمين، ولا سيما المقيمون بإسبانيا، ومثل أولئك الذين يعقدون مؤتمرات في بلاد النصارى من أجل تأسيس الخلافة الإسلامية، ومثل بعض الثائرين المعممين الذين صالوا وجالوا خلال أيام قليلة وأطلقوا التصريحات النارية لتأسيس الدولة الإسلامية، وهم في رقعة من الأرض لا يملكون منها شبرًا واحدًا، وإنما اللعبة القذرة أتاحت للبعض أن يظهر بمظاهر خاصة لتحقق للأعداء ما يريدون من ذلك. 

وكصنف من الناس ظهروا تارة باسم الصوفية وتارة باسم المذهب المالكي يتلونون حسب الجهة التي تدفع، وقد رأينا ندوات تعقد للمذهب المالكي في بعض البلدان العربية والأوروبية، وتصرف عليها أموال طائلة، انتصارًا للمذهبية الفقهية ونكاية في خصومها والانتهازيون يقبضون من هذا الفريق ومن ذاك!

 إن ازدهار الانتهازية باسم الإسلام يستمد وجوده من جهات راغبة في خدمة المسلمين ومندفعة بعاطفة إسلامية جياشة، ونية طيبة، دون أن تدرك مقاصد تلك الانتهازية، وآفة هذه النيات الطيبة أنها تفتقر إلى المستشارين المخلصين المطلعين أو أنها لا تكلف نفسها عناء البحث والاستقصاء ومعرفة حقيقة المشاريع الإسلامية التي تقدم إليها.

 وهنا أود أن أثير نقطة مهمة وهي أن ثمة مشاريع إسلامية كثيرة وهمية قدمت لها أموال طائلة دون أن يتحقق منها شيء وأن بعض هؤلاء النصابين يلجؤون إلى وساطات سامية لتحقيق مآربهم المادية الرخيصة. 

وقد يكون بعض أصحاب هذه المشاريع من أصحاب الخير والاستقامة ولكن المشاريع التي يتولون الدعوة إليها ليس لها حظوظ من النجاح أو المردودية، لذلك نرى أن الإخفاق سرعان ما يتطرق إليها لأسباب عدة.

 ولهذا حبذا لو اضطلع بعض المتطوعين المخلصين أو الدارسين الجامعيين الأكفاء بدراسة للمشاريع الإسلامية التي كان وراءها أهل الاستقامة والدين والنية الطيبة لكنها أخفقت ولم تؤت أكلها مثل: مشاريع تربوية وجامعية وصحية وتجارية وفلاحية يعرف بعضنا أخبارها. 

أما ما يتصل بالنصب والاحتيال، فاقترح أن تدون عنه وعن أصحابه معلومات وتتداول بين المنظمات والجهات الإسلامية، ويتولى جهاز تنسيقي العمل بين تلك الجهات حتى لا تبقى أموال المسلمين تصرف في غير وجوهها المشروعة، ويقطع الطريق على النصابين والانتهازيين الذين أنهكوا الخير وأشاعوا سوء الظن بين المحسنين إن الدعوة الإسلامية أن لها أن تتخلى عن العواطف الجياشة والأعمال العشوائية والثقة فيمن ليس أهلًا لها، أو في مجرد النوايا الطيبة، والجهات الملتزمة والمنتسبة للإسلام التي تتحمس للمشاريع دون أن تكون واقعية وعملية، فتضيع على المسلمين المال والجهد وتنشر اليأس والإحباط ويجب أن تعيش عصرها وتستفيد من الإدارة الحديثة وتقنياتها حتى تصبح المشاريع الإسلامية ذات مردودية تتناسب وما يبذل لها من مال وجهد وإني لمعجب ببعض المنظمات الإسلامية التي تحرص على أن تتولى الأمور بنفسها، فتقوم بدراسة المشاريع وجدواها وتأسيسها وإدارتها ومباشرة حساباتها ومتابعتها والسهر على شؤونها بدءًا وانتهاء.

 وتبرم الاتفاقيات القانونية مع السلطات المحلية لتحمي وجودها ومشاريعها، مما يجعلها تصادف كثيرًا من التوفيق والنجاح، ويبدو لي أن في بعض بلاد الخليج بداية طيبة يمكن أن تبشر بالخير في هذا المضمار، ففي الكويت مثلًا تكونت لجنة عليا مشتركة للتنسيق من جهة، والاشتراك في أعمال خيرية معينة من جهة أخرى. 

إن الانتهازية لا تعشش ولا تنمو إلا في جو العشوائية والاندفاع نحو التكاثر والتحزب واكتساب الانصار، ولكن ضرر الانتهازية لا يقل عن ضرر النيات الطيبة التي لا ترتكز على أسس علمية إدارية، وعلى وضوح الرؤية وواقعيتها وصدقها.

 وعسى أن تكون هذه الكلمة في مستوى لفت أنظار من يملكون القرار حتى لا تضيع جهود المسلمين وأموالهم فيما لا يعود عليهم بالنفع عاجلًا وآجلًا .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 42

166

الثلاثاء 05-يناير-1971

رد على إسفاف المشبوه

نشر في العدد 74

235

الثلاثاء 24-أغسطس-1971

عداء اليهود للأمة الإسلامية

نشر في العدد 216

138

الثلاثاء 03-سبتمبر-1974

بريد المجتمع (216)