العنوان المشاركة الفعالة.. والاختلافات المتنوعة
الكاتب منال أبو الحسن
تاريخ النشر السبت 21-مايو-2011
مشاهدات 63
نشر في العدد 1953
نشر في الصفحة 44
السبت 21-مايو-2011
(*) أستاذ الإعلام بجامعة 6أكتوبر -مصر
● الثقافة ... المرآة العاكسة لهوية المجتمع وقيمه وارثه الحضاري
● منطلقات حزب الحرية والعدالة تسمح للأطراف بالتجمع وبحرية العمل المسؤول في ظل التعددية السياسية والثقافية
قد يظن بعض الناس أن الاختلاف لا يثمر عملا مشتركا، وخاصة إذا كان فكريا أو مذهبيا ، وقد يظن آخرون أن بث الخلاف والفرقة باللعب على العقول يمكن أن يبني أمما أو يثمر خيرا، حتى لو استخدم عقودا من الزمان، فله نهاية بائسة يائسة على أصحابه.. عاشوا أو ماتوا .. عرفهم الناس أحياء، أو ذكرهم التاريخ وهم أموات عار عليهم ومن تبعهم. وإذا تحول الاختلاف إلى تنازع فمصيره الفشل لجميع الأطراف وهو ما يؤكد عليه القرآن الكريم في العديد من السور القرآنية، فقد ورد لفظ التنازع في القرآن الكريم في سبعة مواضع ، وورد لفظ الفشل في أربعة مواضع.
وجاء الربط بين اللفظين في ثلاثة مواضع، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ (آل عمران : ١٥٢) في غزوة أحد ... ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) ﴾ (الأنفال) وذلك في غزوة «بدر»: ثم قوله : ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) ﴾ (الانفال).
الآن، وبعد ثورات الشعوب العربية على الظالمين من حكامهم، نجد الأمة الإسلامية أحوج ما تكون إلى التوحد والاتفاق في هذه الأزمنة العصيبة التي يعمل فيها أعداء الإسلام على تفرقة المسلمين، وزرع بذور النزاعات والخلافات والعداوات بينهم لتذهب ريحهم، ويسهل كسر شوكتهم وتشتتهم وإخضاعهم.
إن الاختلاف في المسائل الفرعية أمر طبيعي يجب أن ننظر إليه في إطار تنوع الفكر والعطاء، ولا يجوز بحال أن يكون عقبة مانعة أمام توحيد الأمة والتعاون فيما بينها في ظل الأسس المشتركة المتفق عليها، ولا أن يؤثر في الأخوة الإسلامية. إلا أن الاختلاف في الفرق والمذاهب الدينية يؤكد ضرورة اتباع فقه أصيل يخرجها من التنازع والتشتت، ويؤلف بين المختلفين المصلحة الأمة، ويمنع استغلال أصحاب النفوس الضعيفة والأعداء من اختراق الصف الإسلامي وزعزعته، وهو ما تستخدمه الإستراتيجيات العدائية والإعلام المعادي للدين وللأمة.
ويذكر التاريخ أنه في القرن التاسع عشر كان جمال الدين الأفغاني داعية للوحدة الإسلامية التي تتجاوز الانتماءات جميعا وتبعه في منهجه التوحيدي التقريبي تلميذه الإمام محمد عبده، وقد تحولت أفكار التقريب بين المذاهب إلى عمل مؤسسي منظم، عندما أنشئت دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة، وفي طهران أنشئت مؤسسة التقريب بين المذاهب الإسلامية، وذلك تحت اسم المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية.. وعملت الجماعات الدينية الوسطية في القرن العشرين - وعلى رأسها الإخوان المسلمون - على وضع أصول ثابتة مانعة للاختلاف، ومنها الأصل الثامن من الأصول العشرين لحسن البنا والذي ينص على: أن الخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببا للتفرق في الدين، ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء، ولكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة، من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب.
وكان لفقه الاختلاف دور في تحديد أسباب الخلاف المذموم منها والمشروع ومن الأسباب المذمومة مؤامرات الأعداء وأهل النفاق، وعدم التثبت في نقل الأخبار وسماعها وروايتها، وقلة العلم في صفوف كثير من المتصدرين، والتعصب الأعمى، وسوء الظن بالآخرين، والغرور بالنفس، والحرص على الزعامة والصدارة والرياسة والقيادة والمنصب والجاه.. كما حدد الفقه أسباب الخلاف المشروع، ومنها تفاوت العقول والأفهام وطبيعة اللغة العربية، والخلاف في حجية بعض الأدلة، واختلافهم في تقدير المصالح والمفاسد في أمر من الأمور، كما وضع فقه الاختلاف آدابا تحكمه وتسير به نحو التالف وتحقيق المنفعة والإصلاح، ومنها الإخلاص والتجرد من الهوى، ورد الأمر عند الاختلاف لكتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم ، وإحسان الظن بالمخالف، وعدم اتهام نيته أو الطعن والتجريح في شخصه، والتزام الحوار بالتي هي أحسن والبعد عن المراء واللدد والخصومة، والابتعاد عن الجزئية في التعامل مع النصوص، والتفريق بين مواضع الإجماع ومواضع الخلاف، والتفريق بين الخلاف السائغ والخلاف الذي لا يسوغ ومراعاة عوارض الجهل والإكراه والتأويل أحياناً .
وكانت جميع هذه الجهود تدعو إلى التقريب بين الأفكار والرؤى وكانت خطوة نحو توحيد الأطر والجهود وتكاملها، وتقوية أسباب التعارف والتآلف بينهم، واستثمار ما بلغته الأفكار في الوصول إلى انطلاقة تنموية للأمة.
أما الاختلاف في المجالات السياسية والثقافية فيأتي على قمة الأولويات بعد ثورات. الشعوب حيث يحدد مسارات العمل والنظم الجديدة وأطر التنمية والإصلاح، وهنا يأتي أهمية الدور الحزبي الذي يستطيع التقريب والتألف بين التيارات الفكرية المختلفة، فلا تبدو متصارعة بقدر ظهورها وعملها على الساحتين السياسية والثقافية بشكل تكاملي تنموي، وهو ما تؤكد عليه أدبيات ومنطلقات حزب الحرية والعدالة، وأفكاره الوسطية التي تسمح للأطراف بالتجمع لا بالتشتت أو الانقسام وبحرية العمل المسؤول في ظل التعددية السياسية والثقافية.
فغالبا ما تعكس التعددية السياسية اختلاف المصالح والاهتمامات والأولويات في المجتمع، وهذا الاختلاف يحقق الدفاع عن مصالح الأطراف المتنوعة، ولتحقيق هذه التعددية يتطلب إطلاق حرية تكوين الأحزاب دون تدخل من السلطة التنفيذية، وتتيح التعددية السياسية والحزبية توسيع قاعدة المشاركة السياسية لكل القوى وإشراك كل الفئات وجميع الراغبين في المشاركة، وذلك من خلال إستراتيجية الدمج والإدخال بديلاً عن الإقصاء والاستبعاد، واحترام قواعد المنافسة التي تتم من خلال آلية الانتخابات الدورية النزيهة لضمان استقرار العمل السياسي السلمي.
كما تمثل الثقافة أحد أهم أولويات المرحلة بعد الثورة في فكر حزب الحرية والعدالة، فالثقافة تتسم بالوحدة والتنوع في آن معا ، فهناك نمط ثقافي عام ينتظم البشرية هو الثقافة الإنسانية التي تعنى بالحق والجمال والفضيلة والمساواة.. وهناك في الوقت نفسه ثقافة محلية تميز إقليما من آخر، وبيئة من أخرى، ويكتسب النمط الثقافي العام المجتمع ما ثراءه بمدى مساهمة الأنماط الثقافية المختلفة فيه، والأمر هنا ليس حاصل جمع، بل هو نتاج تداخل وتمازج أشبه بالمزج العضوي الملتحم. ويتسع مفهوم الثقافة بحيث يعني طريقة الحياة. فالثقافة هي المرأة العاكسة الهوية المجتمع وقيمه وإرثه الحضاري، وترتبط الثقافة بالدين على نحو لا يمكن إنكاره فالثقافة المصرية تتشكل في مجملها تأسيسا على الهوية الإسلامية دون إقصاء أو إهمال الثقافات أسهمت في مرحلة تاريخية - وما زالت - في تشكيل المجتمع بملامحها المميزة كالمصرية القديمة والمسيحية.. ولقد مثلث الحضارة الإسلامية إطارا لوحدة الأمة يسمح بالتعددية، ويحافظ على التنوع الداخلي وتعدد العقائد .. وعليه، فلا مجال للصراع الثقافي وإنما هو تلاقح الثقافات، وتفاعلها، وتمازجها .
وتمثل الثقافة المصرية بملامحها السابقة حائط صد منيعا ضد أساليب الغزو الفكري المدمر، والاعيب التذويب الماكر من ثقافات غريبة تفسد ولا تصلح، وتسهم في تمييع الانتماء الوطني المصري والقومي العربي، وتستطيع ثقافتنا بأصالتها ومرونتها أن تستخلص من الثقافات الوافدة ما يتوافق معها ويسهم في نهضة الأمة، كما يمكنها أن تطور تراث الأسلاف بإعادة قراءته وعصرنته. وإذا كان التوحد والاختلاف من سنن الطبيعة والخلق فإن معيار الاختيار بينهما يجب أن يكون على قدر تحمل مسؤولية الأمانة التي وكلنا بها رب العزة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) (هود(
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل