العنوان المسلمون و«إسرائيل» (١من٢)
الكاتب علي عزت بيجوفيتش
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1994
مشاهدات 84
نشر في العدد 1114
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 30-أغسطس-1994
"لم يكن لدولة
صهيون وجود على أرض فلسطين طوال سبعة عشر قرنًا حتى مكن لهم منها الاستعمار
البريطاني"
"جهل الأجيال
المعاصرة بالتاريخ يستدعي الاستغراب وقضية فلسطين أصدق برهان"
لقد أصاب كبد الحقيقة ذلك المفكر الذي لاحظ أن جهل الأجيال المعاصرة
بالتاريخ يستدعي الاستغراب، وقد يظهر صواب هذا الرأي في قضية فلسطين أكثر من
القضايا الأخرى، وكلما شرعنا في الحديث عن فلسطين نصطدم بتشويش غريب حول الحقائق
الثابتة في عقول أولئك الذين يعتبرون أنفسهم مثقفين.
حقائق تاريخية:
لذلك أورد هنا بعض الحقائق الأساسية في هذه المسألة:
- يعود
موسى باليهود من مصر إلى الأرض الموعودة سنة 1270 قبل الميلاد.
- تستمر
المملكة العبرانية أربعة قرون من القرن العاشر حتى القرن السابع قبل الميلاد،
وكانت بلغت أوجها أيام الملك داود (حوالي سنة 960 ق.م) والملك سليمان (حوالي
سنة 900 ق.م).
- في
القرن التاسع قبل الميلاد تنقسم المملكة العبرانية إلى دولتين: مملكة
"إسرائيل" ومملكة يهوذا، واستولى الآشوريون على مملكة إسرائيل سنة
721 ق.م ثم على مملكة يهوذا سنة 604 ق.م، ولكن تظل الدولة العبرانية قائمة
حتى سنة 70 بعد الميلاد، عندما سقطت في يد الإمبراطور "تيطس" بعد
استيلائه وتخريبه مدينة القدس.
- سنة
578 قبل الميلاد سيطر "بختنصر" على الدولة وسبى اليهود وأخذهم أسرى
إلى بابل ولم ينجُ من الأسر إلا عدد قليل من يهود الطبقات الدنيا الذين لجأوا
إلى مصر، وعاد اليهود من أسر بابل سنة 540 ق.م وأقاموا هيكل أورشليم من جديد.
هجر الإمبراطور "هادريان" أغلب اليهود سنة 142 بعد الميلاد وأرسل
بعضهم للعمل على السفن، بينما أرسل الآخرين إلى نهر الراين في ألمانيا لحماية
الإمبراطورية من القبائل البربرية، وينحدر اليهود "الإشكناز" من
هؤلاء الأخيرين.
ومن هذا العرض التاريخي الموجز نرى بوضوح أن قيام الدولة العبرانية
ينحصر بكامله في المراحل قبل الميلاد، ومن سنة 70 حتى يوم 14 مايو 1948م –أي سبعة
عشر قرنًا متواصلًا– لا وجود لدولة اليهود على أرض فلسطين البتة؛ حكم القرون الستة
الأولى منها كل من الرومان والفرس والبيزنطيين، وسنة 638م فتح المسلمون القدس ورحل
إليها الخليفة عمر بن الخطاب واستلمها بنفسه من البطريرك "صفرونيوس"،
وأعلن أن القدس ستتمتع بوضع مدينة الحريات الكاملة للأديان الثلاثة، ومن تلك
الحادثة وحتى سنة 1918م –على مدى ثلاثة عشر قرنًا– حكم المسلمون مدينة القدس
وفلسطين، وهذا الحكم الإسلامي المتواصل لم ينقطع إلا مرتين؛ عندما احتل الصليبيون
مدينة القدس بقيادة "غودفري دي بويون" مدة 88 سنة من (1099 – 1187م)،
وفي المرة الثانية عندما حكمها الملك "فريدريك الثاني" مدة 16 عامًا (من
1228 – 1244م) بناءً على الاتفاقية مع الحاكم الأيوبي في مصر.
واستنادًا إلى هذه الحقائق التاريخية الموجزة يمكننا أن نرى بكل وضوح
عدم صحة ادعاء الحقوق التاريخية لليهود على أرض فلسطين.
مراحل تنفيذ فكرة الاغتصاب الصهيوني: وبناءً على هذه
الاعتبارات تمثل "إسرائيل" ظاهرة فريدة من نوعها في التاريخ السياسي؛
ففي لحظة تأسيس هذه الدولة لم يكن لها أرض ولا سكان، وحصلت إسرائيل على أرض للدولة
بشرائها أو باغتصابها من السكان العرب، كما تكون شعبها بجلب اليهود من جميع أنحاء
العالم.
إن الفكرة الأولى واضحة المعالم عن الدولة اليهودية على أرض فلسطين
تظهر في كتاب "الدولة اليهودية" لثيودور هيرتزل -مؤسس المنظمة الصهيونية
سنة 1895م- وإليكم أهم مراحل تنفيذ هذه الفكرة لإقامة دولة إسرائيل:
1.
بيان
"بلفور": من سنة 1917م الذي يعتمد على مساعدة بريطانيا
لإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين.
2.
الاستيطان: استيطان
اليهود في فلسطين بناءً على البيان نفسه، وتم بالفعل استيطان أكثر من 400 ألف يهودي بين الحربين العالميتين الأولى
والثانية.
3.
إعلان الدولة: في 14
مايو سنة 1948م تعلن "الإدارة العليا للمنظمة الصهيونية العالمية" قيام
دولة إسرائيل، وهذا يسبب نشوب الحرب بين "إسرائيل" والدول العربية
المجاورة.
4.
الهدنة
والتقسيم: تلي ذلك الهدنة المبرمة في 18 يوليو 1948م، ثم
تقسيم فلسطين؛ حصل بموجبه اليهود على 6400 ميل مربع، والفلسطينيون على 3600 ميل
مربع.
5.
التوسع: توسيع
أراضي "إسرائيل" مرتين: أولًا في حرب سنة 1956م، ثم في حرب سنة 1967م،
ويصاحب ذلك اغتصاب أراضي العرب وطردهم إلى الخارج.
ويقدر عدد اليهود الموجودين على أرض فلسطين في لحظة إعلان دولة
"إسرائيل" بنحو 750 ألف شخص، وكانت المعادلة بين العرب واليهود 1:3
لصالح العرب، وبعد قيام "إسرائيل" سنة 1948م حتى سنة 1967م تم استيطان
مليون وثلاثمائة وخمسين ألف يهودي، وبناءً على المعلومات الرسمية كان عدد سكان
"إسرائيل" مليونين وثلاثمائة ألف يهودي، وقد جمعت الأموال اللازمة عن
طريق الصندوق اليهودي الشعبي "كيرين كايميت" الذي أسس في بداية القرن
العشرين، ويجمع هذا الصندوق تبرعات اليهود من كافة أنحاء العالم.
يشكل اليهود الأوروبيون "الإشكناز" أغلبية سكان
"إسرائيل"، ليس هذا فقط، فهم يتولون أغلب المناصب في الحكومة والجيش
والإدارات المختلفة، وأما اليهود من الشرق الأوسط فهم يكونون عادة طبقة العمال. إن
اليهود الإشكناز لم يحتكوا بالعرب قبل استيطانهم وهم زعماء التوجه السياسي المتطرف
نحو العرب، وينحدر هؤلاء من فرنسا وروسيا وألمانيا، ولا يفارقون السلاح، وفوق ذلك
هم متعلمون ومدرسون أوكلت إليهم مهمة طرد السكان العرب الأصليين لكي يؤمنوا مجال
الحياة للدولة الجديدة.
العنصرية الصهيونية:
وما الذي يمكننا أن نتوقع من هذه الدولة الجديدة التي ولدت من الظلم
والجور؟ وهناك بعض الأمور التي تعتبر الأسس الاعتقادية والتي تجعل العاقل لا ينقطع
عجبًا من تناقضاتها، ونذكر هنا فقط نماذج من ذلك:
- لقد
صبت الصهيونية -التي نشأت ردة فعل على مطاردة وملاحقة اليهود في أوروبا- كامل
مخزونها التاريخي من السم والغضب والثأر على العرب في المنطقة التي عاش فيها
اليهود عبر تاريخهم بسلام وأمان وحماية، وتعلن إسرائيل اليوم عداوتها للعرب،
وإن كان من المفترض أن يكون الأمر على عكس ذلك استنادًا إلى كل الاعتبارات.
- إن
اليهود أبرز مثال على النزعة القومية السوداء في صورة التطرف الأشد، وإن
كانوا مصرين على إعلان انتمائهم إلى الآفاق العالمية والمبادئ الدولية أو
كانوا يحاولون إقناع الآخرين بأنهم يجب أن يكونوا كذلك.
- أصبح
اليهود الذين كانوا من أكبر ضحايا العنصرية والإبادة الجماعية أقطاب هذه
الأساليب، بل أصبحوا الذراع الممدودة من أساليب هتلر المعتمدة على حل الأمور
بالقوة دون التفات إلى النتائج، والتشريد والتصرف مثل الوحوش الكاسرة مع
المهزومين، وحتى استخدام المناورات العسكرية بالهجوم المباغت والانتقام
بمنتهى القسوة والحقد.
- كان
اليهود من منظري الحركات العالمية التي رفعت شعارات "الحرية"
و"الأخوة" و"الشرعية" و"الحريات السياسية"،
ونحن نرى بأم أعيننا أن تربية النشء في "إسرائيل" هي التربية
العسكرية، وأن المتطلبات العسكرية تهيمن على النظام الاجتماعي، وتبني سياستها
على مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، ونظريات "نيتشه" القائلة "الحق
للأقوى" و"أخلاق القوة"، ولا تطبق فلسفة القوة هذه في أي مكان
من العالم بهذه الصورة ملقية مبادئ القانون الدولي تحت أقدامها، ومستهترة
بالمؤسسات الدولية والرأي العام العالمي.
الصهاينة يدوسون قرارات الأمم المتحدة:
فعلى سبيل المثال، قد أصدرت الأمم المتحدة في 11 ديسمبر عام 1948م
قرارها بوجوب إعادة اللاجئين العرب إلى ديارهم وإعادة ممتلكاتهم إليهم مع دفع
التعويضات للمتضررين، وبدلاً من تنفيذ القرار تغتصب إسرائيل مزيدًا من أراضي العرب
وتصادر ممتلكاتهم وتهدم بيوتهم لتقيم مكانها مستوطنات لليهود القادمين من أوروبا.
وفي 9 ديسمبر عام 1949م يصدر مجلس الأمن قراره بوضع مدينة القدس تحت
الإشراف الدولي، ولم يكتفِ اليهود بضرب هذا القرار عرض الحائط، بل في صيف سنة
1967م أصدرت إسرائيل قرارها بضم القدس كاملة إليها.
وتطالب الأمم المتحدة في شهر يوليو سنة 1967م دولة
"إسرائيل" بالانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة، وأثناء مناقشة
القرار يقول أبا إيبان -وزير خارجية إسرائيل آنذاك- بكل صفاقة: "لن تنسحب
إسرائيل إلى مواقعها قبل الحرب، ولو صوتت الجمعية العمومية لصالح القرار بـ 121
صوتًا مقابل صوت واحد".
وخلاصة الأمر أن منظمة الأمم المتحدة أصدرت سبعين (70) قرارًا حول
القضية الفلسطينية حتى سنة 1970م، وضربت "إسرائيل" بجميعها عرض الحائط.
وعند توضيح العلاقات بين اليهود والمسلمين لا بد أن تكون الحقيقة
التاريخية الواحدة ماثلة أمام أعيننا؛ لقد عاش اليهود في الدول والمجتمعات التي
كانت السلطة فيها في أيدي المسلمين، وكان الأمر على ذلك قرونًا طويلة، وعلى عكس
ذلك لم يعش المسلمون لحظة واحدة من تاريخهم تحت حكم اليهود، غير هذه المدة الوجيزة
من بعد قيام دولة "إسرائيل".
إننا جميعًا نعلم جيدًا معاملة اليهود للمسلمين في فلسطين اليوم؛
لأنها أصبحت واقعنا اليومي الأليم، ولكن قليلًا منا يعلم كيفية معاملة المسلمين
لليهود في الدول الإسلامية؛ لأن هذا الأمر أصبح جزءًا من التاريخ، وقد يظن ظان أن
ما نشاهده من العنف الذي يمارسه اليهود ضد المسلمين عبارة عن تصفية الحسابات
القديمة ورد المكيال بالمكيالين؟
إن التاريخ شاهد لحقيقتين مهمتين:
1.
لقد تمتع
اليهود بكامل الحريات الدينية وعاشوا في سلام واطمئنان.
2.
وإن كان قد وقع
شيء من إيذائهم، فلا يعدو أن يكون من قبيل التصرفات الفردية التي تصبح مغمورة
كليًّا في طول هذه المدة التي حكم المسلمون فيها، ولم تنشأ هناك أي حركة منظمة
معادية لليهود على امتداد العالم الإسلامي كله، مثل تلك المعاداة السامية التي
نشأت على أرض أوروبا.
وعندما سقطت غرناطة -آخر معقل للمسلمين في الأندلس- في أيدي الإسبان
سنة 1492م، واجه المسلمون واليهود مصيرًا واحدًا، وتعرضوا للمطاردة والإبادة، ولجأ
أكثر من ثلاثمائة ألف يهودي إلى الخارج، ودخل مائتا ألف من هؤلاء اللاجئين اليهود
البلاد التي كانت تحت حكم الخلافة العثمانية، وتم استقبالهم برحابة الصدر وهيئت
لهم الظروف الملائمة للحياة والعمل تحت رعاية الخلافة.
إن دائرة المعارف اليهودية تعترف صراحة بأن اليهود في الأندلس أيام
الحكم الإسلامي وصلوا إلى مستوى عالٍ من التطور خاصة في المجال الثقافي، ومن هنا
نشأت ظاهرة التعايش العربي اليهودي الثقافي الذي استمر قرونًا من الزمان.
ولنا حق في طرح السؤال: لمصلحة من يجري هذا الصدام بين العرب واليهود،
وكيف وصل الأمر إلى ذلك؟ وتظهر وجاهة هذا السؤال أكثر إذا تجاوزنا الظروف الراهنة
ونظرنا إليها من زاوية بعدها التاريخي، عندئذ يظهر لنا أن الأمر لا يتعلق
بالمواجهة بين اليهود والفلسطينيين، أو بين اليهود والعرب، ونظرًا إلى الوضع الخاص
لمدينة القدس لا بد أن يتحول هذا الصراع عاجلًا أو آجلًا إلى صراع بين اليهود
وعامة المسلمين، وما الذي سوف يحدث إذا تحولت مسألة القدس إلى قضية كافة المسلمين
مثلما هي كذلك في أصل الأمر؟