العنوان المسلمون و«إسرائيل» (٢من٢)
الكاتب علي عزت بيجو فيتش
تاريخ النشر الثلاثاء 06-سبتمبر-1994
مشاهدات 124
نشر في العدد 1115
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 06-سبتمبر-1994
التضامن اليهودي لا بد أن يقابله تضامن إسلامي
يتضح لنا –إذا نظرنا نظرة عامة– أن دولة "إسرائيل" تشكل
نوعًا من الكيان الطفيلي
(Ghetto) في
محيط العالم الإسلامي، وجسمًا دخيلاً على هذا الجسد الإسلامي الضخم. ولكن هذه
المرة صنعت اليهود بأيديهم هذا الجسم الدخيل وهذه العداوة التي تحيط بكل جسم دخيل،
وهنا بالذات تكمن خصوصية الوضع القائم.
إن الأب الروحي لدولة "إسرائيل" "تيودور هيرتزل"
قد صور في رواياته الشهيرة قبل أكثر من 70 عامًا تخيله عن أساليب استيطان اليهود،
وقيام "إسرائيل"، وتطوير الزراعة والصناعة على أسس علمية حديثة، وتنظيم
المجتمع، وأشياء أخرى كثيرة بالدقة المتناهية وتفصيل الجزئيات بطريقة تجعل الإنسان
يتعجب منها، واللافت للنظر هنا أن أمرًا واحدًا قد غاب عنه -عمدًا أو سهوًا- وهو
أمر فاصل في القضية: مقاومة السكان العرب الأصليين. إن دولته اليهودية التي كان
تخيلها سوف تعيش وتتسع كأن ما حولها فراغ، وفي سبيل ذلك هي لا تدوس أحدًا بأقدام
جنودها، ولا تغتصب من أحد، ولا تمارس الظلم على أحد، وهذا السهو من
"هيرتزل" يجعل نظرته التكهنية ساقطة من أساسها، لأن عنصر المقاومة سوف
يؤثر تأثيرًا مصيريًّا، ليس في كيفية نظام دولته فحسب، بل وفي مصيرها النهائي.
مدينة فريدة
إن مدينة القدس ليست مدينة عادية بل هي مدينة فريدة في العالم لكونها
تحتضن مقدسات الأديان السماوية الثلاثة التي لا يمكن التنازل عنها بحال من
الأحوال. إذن من يقدر على جعل مدينة القدس حرة ومفتوحة أمام الجميع بالتساوي؟
نظريًّا وعمليًّا المسلمون وحدهم هم الذين يقدرون على ذلك... نظريًّا لأن الإسلام
وحده يعترف بنبوة موسى وعيسى (عليهما السلام)، كما يعترف بالتوراة والإنجيل، وعلى
نقيض ذلك لا يعترف اليهود ولا النصارى بنبوة محمد (عليه الصلاة والسلام) وبنزول
القرآن الكريم، وهذه الحقيقة هي عنصر وسبب تفوق المسلمين في هذه المسلأة. وعمليًّا
لأن مدينة القدس تقع في قلب العالم الإسلامي، فكل حكم غير إسلامي على مدينة القدس
سيمثل وضعًا غير طبيعي ويمكنها الاستمرار فقط بالاعتماد على وسائل القوة، وذلك
الوضع المتوتر دائمًا لا يمكن تسميته بالحرية، إن الوقائع التاريخية شاهد لما
ذهبنا إليه.
الحكم الإسلامي يحمي الحرية الدينية
فقد كانت مدينة القدس مفتوحة أمام أبناء الأديان الثلاثة، طول مدة
الحكم الإسلامي فيها، وحالة غياب الحرية عنها تتطابق مع غياب الحكم الإسلامي، وقد
وقع مرتين عندما احتل الصليبيون مدينة القدس من سنة 1099 – 1187، والآن في عصرنا
الحاضر بعدما احتلتها "إسرائيل".
وتعالوا بنا إلى "دائرة المعارف البريطانية" لنقرأ هذه
السطور عن احتلال الصليبيين لمدينة القدس في الحرب الصليبية الأولى: "بعد
الحصار الذي دام أكثر من شهر تمت السيطرة على مدينة القدس في 15 يوليو سنة 1099م،
أعقبت ذلك مجزرة مروعة سالت على أثرها دماء المسلمين في الشوارع، وعندما جن الليل
ارتفع بكاء الصليبيين من الفرحة الجنونية، وسارعوا إلى موضع قبر عيسى المقدس
ووقفوا على القبر في خشوع وبكاء. وكانت أيديهم ما زالت تقطر من دماء المسلمين
المهزومين هكذا انتهت الحملة الصليبية الأولى في ذلك اليوم القائظ من شهر يوليو".
"عمر" في
القدس
ولنقارن هذا الاحتلال بفتح المسلمين مدينة القدس سنة 638م، ويقول ي.
ج. ويلز في كتابه تاريخ العالم، واصفًا هذه الواقعة: "في أثناء المفاوضات حول
تسليم مدينة القدس وضع شرط غير عادي يتم تسليم المدينة إلى الخليفة عمر شخصيًّا،
وقطع الخليفة مسافة 600 ميل من المدينة إلى القدس برفقة رجل واحد وراكبًا الجمل،
وكانت عدة السفر جراب الشعير وجراب التمر وقربة الماء وإناء للأكل... وهكذا –دون
المرافقين والحراس– اجتمع عمر ببطريرك القدس، الذي كان تسلم إدارة المدينة من أيدي
الأمراء البيزنطيين، واتفقا على تسليم المدينة دون أدنى مشكلة، وأخذ البطريرك ضيفه
الخليفة في جولة في الأماكن المقدسة داخل المدينة، وكان عمر في حالة السرور
العميق، وكان يلوح بشيء من الازدراء إلى أزياء وزينة الرجال من رفقة البطريرك".
وهكذا تسلم المسلمون مدينة القدس سلمًا من غير أن يؤذوا أحدًا، كما
يليق ذلك بأصحاب القدس الشرعيين، وكأن المدينة كانت تراثهم الروحي عبر القرون،
وتسلم مدينة القدس من قبل المسلمين لم يكن فتحًا وتحريرًا، بل كان رسالة.
وأثناء احتلال الصليبيين للمدينة مدة 88 سنة لم تطأ قدم مسلم أو يهودي
تربة القدس، بينما كان منظم الحملة الصليبية الأولى بيتر الصحراوي قد زار المدينة
عدة مرات قبل سقوطها من أيدي المسلمين.
وعندما استعادها صلاح الدين الأيوبي من أيدي الصليبيين سنة 1187م، مكن
اليهود من العودة إليها، وأقام حفل التآخي بين أطفال المسلمين واليهود المشهور في
التاريخ، ولا مثيل في التاريخ لصنيع السلطان المنتصر هذا في العلاقة بين الشعبين
المختلفين.
الاحتلال اليهودي دمر المقدسات
وقد احتل اليهود كامل مدينة القدس بعد الحرب عام 1967، فكيف كانت
حينئذ "الحريات الدينية" في مدينة "الأديان السماوية
الثلاثة"؟
وأعلن كبار الكنيسة الكاثوليكية والرومية- الأرثوذكسية والأنجليكانية
في فلسطين بعض نتائج ذلك أمام اللجنة المختصة في الأمم المتحدة، وتؤكد هذه
المعلومات ما كان يمكن أن نتوقعه من نتائج سيطرة اليهود على المدينة.
وأخبر رئيس الكنيسة الكاثوليكية المطران سمعان أعضاء اللجنة بأن
اليهود دمّروا كليًّا الكنيسة الكاثوليكية السورية، التي تلاصق سور مدينة القدس
القديمة، وقد دُمر جانب من كنيسة القديسة "أنا" من أجل فتح الطريق أمام
السيارات "الإسرائيلية" العسكرية كي يمكنها الدخول من القدس الشرقية إلى
الغربية، وتم تدمير كنيسة المخلص القديس الأرمينية بشكل شبه كامل، وتحولت نوافذ
الكنيسة إلى أعشاش الأسلحة الرشاشة للجيش الإسرائيلي، وقد سُرقت منها الأشياء
البيزنطية القديمة التي يعود تاريخها إلى القرن 4 الميلادي.
وقال ديودوروس –رئيس أساقفة الكنيسة الرومية– الأرثوذكسية-: "إن
الجنود اليهود داهموا كنيسة يوحنا الصابغ "المعمداني" في عين القرين،
ونهبوا كل شيء وجدوه في الكنيسة، ثم كتبوا على جدرانها "مرحاض"
واستعملوها لهذا الغرض فعلاً، كما نهبوا كنيسة القديس إلياس الواقعة في طريق بيت
لحم، وأخذوا الأيقونات والزهريات والأثاث وفي زاغة نهب الجنود جميع المخطوطات
القديمة من المسجد، كما نهبوا كامل ممتلكات الكنيسة القبطية هناك.
حرق الأقصى
وأخيرًا تم إحراق المسجد الأقصى، أكبر بقعة إسلامية مقدسة في العالم،
بعد الحرمين المكي والمدني، وهذا الأمر نتيجة طبيعية للجو الذي كونته اليهود حول
كل الأماكن المقدسة غير اليهودية في القدس.
إن فقط من يرى في الحقائق التاريخية المذكورة سنة جارية، وليس محض
صدفة ليدرك أهميتها الحقيقية. فمحور القضية، كما رأينا سابقًا، يتعلق بالنظرة
الإسلامية المختلفة تمامًا حول الأديان السماوية؛ لأن الإسلام لا ينظر إلى
اليهودية والنصرانية نظرة التسامح الديني، بل نظرة الاعتراف بهما، فأماكن عبادتهم
تحتفظ بقدسيتها وحرية ممارسة العبادة والطقوس.
وعلى عكس ذلك، إن أقصى وأكثر ما يمكن أن نتوقعه من اليهود والنصارى في
القدس وغيرها هو التسامح، ويظل التسامح دائمًا وضعًا مؤقتًا وغير ملزم، لأنه في
أساسه وضع سلبي.
قوة اليهود وسبب ضعف المسلمين
وفي نهاية هذا العرض الموجز أود لفت الانتباه إلى الحقيقة التي تغيب
عن ذاكرة كثير من المسلمين، إن قوة اليهود في مواجهة العرب نتيجة للدعم المتواصل
والتضامن الحقيقي من اليهود خارج "إسرائيل" من شتى أنحاء العالم بينما
ضعفنا نحن المسلمين نتيجة مباشرة للفرقة والتخاذل، وفي بعض الحالات الخصام العلني،
إذن، فالمسألة مجابهة الوحدة بالفرقة.
وليس هناك شيء طبيعي أكثر من مواجهة الصهيونية الدولية الهجومية
بالإسلام الدولي المدافع.
وإذا كان قد اتحد يهود العالم كلهم لدعم الحرب العدوانية الظالمة؛
فالأولى بالمسلمين أن يستعيدوا حقهم المشروع في الاتحاد من أجل الحرب الدفاعية
العادلة ليقيموا السلام العادل.
وليس تضامن اليهود تضامنًا لفظيًّا، بل هو تضامن حقيقي، كما تشهد لذلك
المعلومات التالية:
لقد تم استثمار أكثر من 900 مليون دولار في الصناعة اليهودية من سنة
1950م - 1963م، وجمعت من أغنياء اليهود في الدول الغربية، وبعد ذلك تجاوزت
استثمارات اليهود من كندا نصف مليار دولار.
توفر الهبات اليهودية المختلفة لدولة "إسرائيل" أكثر من 15
مليار دولار سنويًا. وقدمت عائلة "روتشيلد" وحدها 100 مليون دولار
بمناسبة عيد ميلاد أبي العائلة، وتوفر "وكالة اليهود المتحدة" من 150-
200 مليون دولار سنويًّا، وتقدر الأموال التي استقبلتها "إسرائيل" في
شكل الهبات والهدايا على مدى 20 سنة بأكثر من 7.5 مليارات دولار، أو ما يعادل 3100
دولار لكل يهودي من سكان دولة "إسرائيل".
وفي شهر أغسطس سنة 1967م، عقد مؤتمر رجال أعمال اليهود من كافة أنحاء
العالم، وحضره أكثر من 60 مليارديرًا من 15 دولة، ووضعوا برامج تطوير الاقتصاد
اليهودي... إلخ.
ولا ينبغي لنا أن نكره اليهود من أجل هذا التضامن الرائع بل علينا
استقاء العبر من ذلك، لأننا يجب أن نكون أقوياء ومتحدين مثلهم، عندئذ لن تقتصر
فوائد قوتنا علينا فقط لأن الضعفاء هم ظالمون لأنفسهم ولجيرانهم، إذ قد يجعلونهم
أمام امتحان الهجوم عليهم.
ولم تأت فكرة إقامة دولة "إسرائيل" في عهد ضعف الإسلام
السياسي الذي بلغ نقطة الصفر صدفة، ولو لم يكن وضع المسلمين في نهاية القرن الماضي
وبداية القرن 20 على تلك الحال لما تجرأت اليهود والبريطانيون على مجرد تخيل إقامة
دولتهم في قلب الجسد الإسلامي الحي، إننا دفعناهم إلى سلوك هذه الطريق الخاطئة
بضعفنا، وأعطيناهم فرصة للمغامرة والجشع، وسمحنا لأفكار جنونية أن تعشش في عقولهم،
ليس فقط مثل تلك عن دولة "إسرائيل" الصغرى أو الكبرى، بل وعن احتلال
مساحات شاسعة من أراضي العالم الإسلامي، كنا خرفانًا فتحولوا إلى ذئاب فلنعد أقوياء
صامدين من أجلنا، ومن أجلهم ومن أجل السلام في هذه المنطقة من العالم.
ويجب أن أنبه: ليست الدعوة إلى ذلك عودة مدينة القدس إلى أيدي
المسلمين بل من أجل أن تعود مفتوحة أمام جميع الأديان ولتتفجر منها ينابيع البشرية
الثلاثة الكبيرة الصافية من جديد!!