; المسلمون ومأساة الصومال | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون ومأساة الصومال

الكاتب دكتور عبد الجليل شلبي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1975

مشاهدات 94

نشر في العدد 241

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 18-مارس-1975

دُهش العالم كله- مسلمون وغير مسلمين- للمجزرة البَشِعة التي ارتكبتها حكومة الصومال، وروَّع الناس في كل مكان أن يعيش في القرن العشرين حاكم يتصف بكل هذه القسوة وتقوم حكومته على مثل هذه الوحشية النكراء، ولقد فزع الكثيرون بآمالهم إلى أن يكون ما ذكر عنها من قبيل المبالغة والتهويل، لكن تواتر الأنباء وتوالي الأحاديث عنها لم يدع للشك فيها مجالًا؛ فهي إذً وقائع لا ريب فيها. وللناس عذرهم إذا ارتابوا، لأنها من أشنع وأبشع صور التعذيب في تاريخ الإنسانية الطويل، آدميون تشعل في أجسامهم النار وهم أحياء، ويشهد الناس إحراقهم كأنهم بقايا من الهشيم!!! آدميون تنال منهم النار وهم يصطرخون من هول العذاب، واللهب يشوي أجسامهم فلا أحد يكف النار عنهم ولا هي تني عن إحراقهم!! كل هذا والحاكم المستبد قرير العين وثَلُوج الصدر لما يرى من حريق ويسمع من أنين، إنه «نيرون» القرن العشرين يعيد صور الوحشية بأبشع مما فعل نيرون، حاكم يلبس جلد النمور لقومه، وتتقمصه غرائز الذئاب التي لا يطيب لها إلا أن تلغ في الدماء. وليسوا مجرد آدميين، ولكنهم الصفوة المثقفة في بلد تعز فيه الثقافة ويندر فيه المثقفون وليس هذا فقط، بل هناك وراء القضبان وفي ظلمات السجون عشرات من علماء المسلمين ورجال الدين الإسلامي تنالهم المهانة ويسامون سوء العذاب. لِمَ هذا كله؟ لأنهم قالوا ربنا الله وإمامنا القرآن، وبهذا حقت عليهم كلمة العذاب. أنزل الله الإسلام دينًا متكاملًا، والقرآن كلام الله -تعالى- ومعجزة نبيه محمد، فمن أنكر منه آية أو كلمة فقد أنكر رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- وهو بذلك من الكافرين، وقد قال الله لنبيه: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ (المائدة: 49) كما جاء فيه: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: 85)، وإيمانًا بهذه المبادئ قام علماء الصومال يعلنون كلمة الله، وينكرون تبديل ما تواضعت عليه أمتهم واطمأن إليه شعبهم منذ عرف الإسلام: للمرأة في مجتمعها عملها ومكانتها وللرجل عمله ومكانته ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ( النساء: 7) ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء: 34) ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ﴾ (النساء: 11) ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ( النساء: 3) ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (البقرة: 229) وهكذا وضح القرآن نصيب كل من الميراث، وأباح تعدد الزوجات وشرَّع الطلاق، ووكَّل ذلك لمن بيده عقدة النكاح، وهو الزوج أو الولي، وتغيير أي شيء من هذه الأحكام تشريع يعارض شرع الله -تعالى- وتحريم لما أحله وإباحة لما حرمه، ولكن «نيرون» الصومال يضع قانونه فوق قانون الله، ويرفع رأيه «ماركس» فوق تعاليم القرآن، ثم يقدم مخالفيه للمحارق قربانًا لسادة استولى تفكيرهم على روحه وعقله، فراح يترضَّاهم بإهدار دماء الأبرياء وإزهاق أرواح العلماء المسلمين في تثور العذاب. نسى الحاكم الذي استهواه صولجان الحكم وأطغاه سلطانه أنه يقدم للمستعمرين برهانًا على أن بلاده لا تستحق الاستقلال، وإنها كان يجب أن تظل تحت نير المستعمر ويجب أن يعود إليها المستعمرون، لم يفعل المستعمرون الغاشمون ما فعلت الحكومة الوطنية، ولقد كان من حججهم في كل بلد دخلوه أنهم إنما يهيئون للحكم بلادًا لم تتهيأ له، ويدربون على المدنية قومًا لم يعرفوا سبل العدالة ولا نظم الديمقراطية والحكم السليم، وكنا نعد ذلك من تعلاتهم، حتى قام «نيرون» الصومال يقدم الدليل العملي على صحة ما كانوا يقولون، ليست الصومال إذًا حكومة متخلفة فقط، بل هي حكومة تعيش على غرائزها الوحشية، ولم تسم بعد على همجية الغابة وطباع الوحوش. نسى الحاكم الذي استعبده كرسي الحكم أنه يغرس لنفسه حقدًا يؤرث عداوة في نفوس أبناء الصومال، الأسر التي فقدت عائليها والأبناء الذين فقدوا آباءهم، والمسلمون الذين فجعوا في أئمتهم، هيهات أن ينسى هؤلاء ما فعل بهم «نیرون»؛ إنها جراح لا تندمل في قلوب الغرباء فكيف بها في نفوس الأقربين؟! هل أصلح «نيرون» الصومال كل شيء في بلده فلم يبق إلا مشكلة المرأة ومساواتها بالرجل في الميراث؟ أَمَا كان أولى أن يبذل كل هذا الجهد أو بعضه في تعليم الناشئين أو محو الأمية الفاشية بين الأهلين؟ أَمَا كان أولى أن يشغل الناس والحكومة في إقامة نهضة زراعية أو صناعية؟ أَمَا كان أولى أن يشغلوا بإقامة ندوات دينية نبث فيهم وسائل التهذيب النفسي وقواعد السلوك الحميد؟ كم في الصومال من مشاكل تحتاج إلى حلول وكل في الصومال من مظاهر تخلف يعوزها العلاج، ولكن الطاغية «الماركسي» لم ير غير مساواة المرأة والرجل في الميراث أما ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: 46) لم ير «نيرون» من فارق بين الغرب والشرق إلا هذه المساواة، فَخُيِّل إليه أنه بإجبار الشعب عليها يلحقه بشعوب أوروبا، وهو في الحق لا رجع إلى الغرب الديمقراطي ولا إلى الشرق المسلم، ولحق فقط بـــــ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف: 104)، لو اتجه إلى الغرب الديمقراطي لعلم أن لديه منذ عهد الثورة الفرنسية نظامًا وضحه «روسو» في كتابه «العقد الاجتماعي» يوضح أن الحكومة موظفة لدى شعبها تقوم بإرادته وتسقط بخروجها عليه، وأن القوانين التي تشرعها إنما تكون من الشعب الذي أقامها وأنابها عنه، فإذا خرجت عن رغباته وجب أن تتخلى عن كراسي الحكم. وبهذا لم تعد حكومة الصومال حكومة شرعية، بل يجب أن تنحى وتزول. ولو اتجه «نيرون» إلى الشرق المسلم لعلم أن أول خليفة للمسلمين وهو أبو بكر الصديق أعلن في أول خطبة له: «إن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فقوِّموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم» وبهذا أيضًا لم تعد حكومة الصومال صالحة للبقاء، لأن «نيرون» لم يقبل تقويم العلماء؛ إذ شرع باطلًا وهو قد عصى الله في شعبه فلا طاعة له عليهم. إن للأحداث مفارقاتها وسخرياتها ففي الوقت الذي يقذف فيه علماء المسلمين في النار لأنهم أنكروا مخالفة القرآن يطوف ببلاد المسلمين وزير صومالي ليجمع معونة مالية لبلاده كبلد إسلامي وكحكومة تنتمي للإسلام!! وفي الوقت الذي تقرر فيه «نيرون» الصومال مقاطعة اللغة العربية ويحرم تعليمها ينضم الصومال إلى جامعة الدول العربية!! ما هذا أيها المسلمون؟ وما هذا أيها العرب؟ أنكى ما في الأمر أن الدول الإسلامية وجامعة الدول العربية سكتت سكوتَ مَن لا يعلم بما حدث، وصمتت صمتَ مَن ليس له من الأمر شيء!! ماذا يعني هذا؟ إما أنهم رضوا ما حدث، وتقبَّلوا ما عمله ويعمله «نيرون» وإما أنهم أنكروه، ولكنهم آثروا مرضاة «نيرون» على مرضاة الله!! أيها القوم أبشروا بعذاب من الله قريب؛ فإن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشكوا أن يعمهم الله بعذاب من عنده ولا يرحم الله مَن لا يرحم الناس ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال: 25) لا ينبغي أن تنسى جامعة الدول العربية، ولا أن ينسى المسلمون والعرب جميعًا أن ما فعله ويفعله «نيرون» الصومال حجة ومستند لعدوهم الإسرائيلي أن يثبت فيما احتله من أراضيهم، لأنه يعطي إسرائيل المستند الذي كان من قبل ذريعة للمستعمرين. سكوت الجامعة عن هذا الحادث الشنيع، طاعة ومشاركة فيه، فماذا تقول عنها إسرائيل وماذا يقول عنها الناس؟ وإذًا فلتفعل إسرائيل مثل هذا بالعرب الذين يعارضونها ولا حق للعرب في الاعتراض عليها! وهناك بلاد عربية أخرى عرضة لمثل هذا العمل الشاذ والفتك الرهيب، إن الساكت عن الحق شيطان أخرس، وجامعة الدول العربية التي تستطيع أن تكبح «نيرون» وترده سكتت عن عمله، فلماذا نضع نفسها في صفوف الشياطين؟ ما هذه المعونة السخية التي تقررها لبلد يحرم اللغة العربية والخط العربي، ولا يعبأ بكرامة الإنسان ولا مشاعر المسلمين؟ أول وأقل ما تعمله الجامعة أن تقطع هذه المعونة، وأن تتبرأ من أعمال هذا الجلاد، وأن تقطع علاقتها نهائيًّا بالصومال ما دام على رأسها نيرون. أي جامعة الدول العربية وحكام المسلمين، رفقًا بالإنسانية وإحسانًا إلى إخوانكم المسلمين، إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وقد كتب علينا الإحسان في كل شيء. أليس من العار أن تقام جمعيات للرفق بالحيوان ولا يطالب أحد بالرفق بالإنسان؟! بأي وجه تواجه حكومة الصومال الناس، بأي وجه تتعامل مع الأمم والحكومات؟ ألا تعلم أن الناس في كل مكان يتحدثون عما تتصف به من وحشية وإجرام؟ ألا تعلم جامعة الدول العربية أن رزازًا من هذه السمعة السيئة ينال سمعتها ويلوث كرامتها بين الناس؟ ألا يعلم المسلمون في كل مكان أن عليهم مسؤولية إزاء ما يفعله «نيرون» الصومال؟ - إن سكوت الحكام لا يعني سكوت الأفراد. - علينا أن نعرف العالم كله بحقيقة هذا الطاغوث. - علينا أن نُعلن سخطنا على فعله وغضبنا عليه. - علينا أن نطالب بقطع المعونة التي قررت لهذا الجلاد، لأننا نمده بما يمتهن به الإنسانية ويقتل به المسلمين والإسلام. - اختتم هذا الحديث بشيء رأيته في أكثر من عاصمة أوروبية، وسمعته وتحدث فيه معي الكثيرون من الأوربيين، وأقدمه عظة وتبصرة لـ«نيرون» وأنصار «نيرون» في حكومة الصومال. في أكثر من بلد أوربي وأمريكي طالب النساء برفع قيود الطلاق، لأنه كثيرًا ما اختلف الزوجان وافترقا فعاش كل في مكان ومع رفيقة غير شرعية أو رفيق ولا يزالان يرتبطان برباط الزواج. وفي أكثر من بلد أوروبي وأمريكي طالب النساء بإباحة تعدد الزوجات رفقًا بالعوانس والأيامي المترملات. وقامت في البرازيل مجموعة من الفتيات تدعو لهذا التشريع، ووصفتهن الصحف بأنهن من العفيفات الطاهرات، لأنهن لو رضين عيشة المخالة واتخاذ الأخدان ما طالبن بتعدد الزوجات، أما الميراث لا يتساوى فيه الذكور والإناث. أستطرد فأذكر أنني شخصًا حاضرت في هذا الموضوع في إحدى المدارس الإنجليزية وكانت رئيسة الحفل عانسًا عجوزًا، فقلت: أَمَا كان من الأفضل لها في هذه السن أن يكون لها ولد أو بنت يرعى شيخوختها بعد أن حُرمت الزواج في شبابها؟ فما زادت على أن قالت- وصوتها يختنق وعينها تندي بالدموع: اتخذ غيري مثلًا ودعني. لو كان هذا في المركز الإسلامي لقلنا إنها امرأة مسلمة أو تحب الإسلام، لكن الذي عاب هذا التشريع هم المستشرقون والملحدون خاصة «كارل ماركس وصديقه فريدريك أنجلز» ثم «باكونيه» داعية الشيوعية الفوضوية، ثم نادى به وفرضه الآن رئيس تونس و«نيرون» الصومال، وأخيرًا أذكر أن دماء الشهداء كانت دائمًا لعنة ونذير نورة على الظالمين.
الرابط المختصر :