العنوان المسلمون وعلوم المستقبل
الكاتب عادل حسون الخنساء
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1997
مشاهدات 2
نشر في العدد 1268
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 23-سبتمبر-1997
نحو
مزيد من الاهتمام الإسلامي بالدراسات
المستقبلية
لم
تتبق سوى سنتين تقريباً لدخول القرن
الحادي والعشرين الميلادي، ومثله دخل
القرن الخامس عشر الهجري منذ عدة سنين،
وفي كلا الحالين وقف العالم الإسلامي
مكتوف الأيدي تجاه قدوم كليهما، ولم تستطع
«الأجيال الحاضرة»، في العالم الإسلامي
تخطي حاجز التخلف لعوامل عديدة، ولازالت
وبالخصوص في مجال المستقبل ومجال الأمة
عميقة التخلف، سطحية التفكير لا تدرك
قيمة المستقبل، بل وفي كثير من الأحيان
لا تحس بوجوده بحيث إن الآتي من المستقبل
يفاجئها باحتمالاته السلبية حاملاً إليها
مرة ثانية وثالثة التخلف والتأخر والكوارث
والأزمات بدلاً من أن يحمل معه العلم
والتقدم والازدهار، الوحدة والقوة
والابتكار، وغير ذلك من الإيجابيات التي
تتلاءم مع حقيقة الرسالة المكلفة بها في
واقع الحياة.
وبينما
أعلنت أوروبا بدء العد التنازلي لاستقبال
القرن الحادي والعشرين في إطار من البحث
والإدراك.. العلم والتفكير، وكل ما تحمله
هذه الكلمات من معان ومضامين ومحتويات،
ومثلها فعلت أمريكا عندما احتفلت قبل
سنوات بالذكرى المئوية لتأسيس أول مركز
متخصص بالدراسات المستقبلية والاشتغال
بعلم المستقبل، ووضع مقررات عملية في
الجامعات مضمونها علم المستقبلية وتشجيع
كل مؤسسة رسمية وأهلية تشتغل بعلم المستقبل
وغير ذلك من الأمور والمواقف والعلوم
والاستعدادات التي جعلت الإنسان الغربي
يتوقع أشياء إيجابية فيستفيد منها ويتحاشى
أشياء سلبية كثيرة، ويحقق من الإبداع
والابتكار والاختراع في سنوات ما لم تحققه
البشرية في آلاف السنين (دون أن ننسى عطاء
الحضارة الإسلامية ودورها في نهضة أوروبا
المعاصرة)، وهم الآن يستعدون للدخول في
ثورة معلوماتية جديدة وهائلة وخيرة (رأينا
نحن معشر الأحياء بداياتها في العولمة
والإعلام وظهور الإنترنت وغير ذلك)، مما
سيجعل الفجوة بيننا وبينهم تزداد اتساعاً،
قدرها العلماء، بحوالي مائتي عام، وهي
فجوة من الخطورة بمكان إذا علمنا أن
المعلومات تتجدد كل سنتين تقريباً.
من
هذا المنطلق فإنه من الضروري إيلاء أهمية
قصوى للاهتمام بعلوم المستقبل من حيث
إذكاء الحوار المفتوح حول علم المستقبل،
ماهية هذا العلم وآلية عمله، عوامله
وعلاقاته، آثاره وأبعاده، دورنا في تغيير
احتمالاته، ارتباطه الوثيق بالحاضر
والماضي، وغير ذلك من الموضوعات الكلية
والتفصيلية التي ترتبط بهذا العلم والتي
يمكن أن تجعل العالم الإسلامي قادراً
بإذن الله على دراسة مستقبله قبل أن يدرسه
غيره أو أن يجعل غيره حقل تجارب بدلاً من
أن يستمر عالمنا الإسلامي لغيره حقل
تجارب، وهذه نقلة نوعية في التخطيط
للمستقبل وتحديد من سنكون نحن في ذلك
المستقبل! إذا أحسنا التعامل مع واقعنا
وتاريخنا،
ومع
أي موضوعات أخرى ترتبط بالمستقبل من تخطيط
وإدارة وتنظيم وخيال علمي وتأمل وعمق
تفكير وغير ذلك، بحيث يمكن بإذن الله أن
تكون لدينا منظومة راقية ومحتمة وشاملة
حول علوم المستقبل واستشراف الآتي،
والاشتغال بالمستقبليات من وجهة نظر
إسلامية.. منظومة تكون نتاج مشاركة العالم
الإسلامي بمفكريه ومثقفيه، بأفراده
ومؤسساته.
وإن
من أهم ما ينبغي أن نؤكد عليه أن المسلم
مطالب بأن لا يستهين بالشيء الصغير!... وأن
عظائم الأمور هي نتيجة لبداياتها، ولا
يهمنا الناس إن هجروا هذا العلم، فالمسلم
لا يدور حول الأشخاص ولا حول الأشياء،
إنما دائماً يدور حول الأفكار، حول القيم
والمبادئ والعلوم والحقائق الصحيحة، حتى
وإن لم يكن لها أتباع ولا أنصار إلا هو..
فالمؤمن قوي بالله، ثم هو قوي بإخوانه
الذين يرتبطون معه بالمبدأ وبالفكر
وبالحقيقة.. رؤيتهم دائماً بعيدة، ونظرهم
دائماً إلى العلا.. وغايتهم دائماً مرضاة
الله، وإيمانهم المطلق بأن الإنسان خليفة
في أرض الله، وإنه سبحانه ما اختار الإنسان
إلا لعلمه وحكمته سبحانه بأن الإنسان
قادر على هذه الخلافة، قادر على القيام
بهذا التشريف الكبير والمنصب العظيم.
وفق
هذه المعاني الكبيرة التي ترتفع بالإنسان
عن الوقوف فقط عند حدود التاريخ والحاضر،
ينبغي الانطلاق بالإنسان المسلم نحو آفاق
رحبة من الحقائق والأفكار.. والقيم والمبادئ
محلقاً في خياله العلمي نحو المستقبل،
مستوحياً منه مضامينه سواء لخمس سنوات
أو لعشر، أو لعشرين، أو لخمسين أو لمائة،
بل قل لأمتين، فهو الخليفة في الأرض،
والخليفة كما يرى الماضي ويمسك بالحاضر
فإن عليه بإذن الله أن يسيطر بعلمه على
حقيقة المستقبل المعقول (ولا نقصد بذلك
الغيب الذي هو من اختصاص الله سبحانه)،
بحيث إذا قدر الإنسان على امتلاك الأزمنة
الثلاثة، أو الأبعاد الثلاثة، الماضي
والحاضر والمستقبل
المعقول،
استحق لقب خليفة في الأرض وكان جديراً
بهذا المنصب العظيم والتشريف الكبير،
بشرط أن يستغل كل هذه العلوم والمعارف في
خدمة دين الله، خدمة الحقيقة والخير
للإنسانية ضمن مبدأ «لا ضرر ولا ضرار».
إن
الحوار المفتوح حول حقائق علم المستقبل
وما يمتلكه كل فرد مسلم أو مؤسسة إسلامية
من تأمل ومن خيال خصب ومن تفكير عميق، ومن
هاجس مستقبلي يشغلهم في معظم أوقاتهم،
سوف يضمن لنا بإذن الله نهراً عظيماً
يتدفق بعلم المستقبل ويصب كله في محيط
الفكر الإنساني العظيم في كتاب الله
المشهود... هذا الكون العجيب والعلوم
المستمدة منه بما فيها قوانينه وسننه
والتي أكدتها آيات الله العجيبات في كتابه
المقروء الذي أمرنا بالتدبر والقراءة
والتفكير في تاريخنا ومستقبلنا، مما نحقق
معه بإذن الله مرضاته أولاً ثم سعادة
الدارين.
واستكمالاً
للحقيقة التي نحن بصدد دراستها والاهتمام
بها وإيجاد نوع من النظرية العلمية
الإسلامية حولها، فإننا ننقر أن علينا
ألا نتصور بأننا قادربون بواسطة هذه
الدعوة وبتأسيس مراكز للاشتغال بعلوم
المستقبل على الإلمام بجميع حيثيات نظرية
المستقبل فهذا ضرب من الغرور، ولكن يمكن
القول إنه باستطاعتنا بإذن الله ودون
إفراط أو تفريط ولا تهوين أو تهويل، إيجاد
وتوضيح الإطار العام للدراسات المستقبلية
وتغذية نظرية المستقبل من حيث استشراف
آثارها، ونتاجها بعدد من الحقائق العلمية
التي غابت عن واقعنا العربي والإسلامي،
ولم يتقدم أحد بشجاعة نظرية وتطبيقية إلى
التأكيد على أهميتها والدعوة إليها بشكل
حثيث، فإذا حدث أن تقدم أحد للدعوة إلى
الاهتمام بالمستقبل أو ظهرت كتابات متفرقة
بين الحين والآخر تدرس علم المستقبل أو
غير ذلك فإن دورنا يتمثل في الاستفادة
مما ظهر على صعيد الواقع، والإضافة على
ما بدأه الآخرون كي نستكمل هذه النظرية.
وما
الدعوة التي نقترحها إلا الخطوة الأولى
التي تتبعها بإذن الله خطوات لاستكمال
هذا العلم وللدخول إلى التاريخ للمشاركة
في تدويره إلى الأمام، إذ كفى أمتنا بقاؤها
متفرجة على التاريخ! التاريخ الذي يقوم
غيرنا بتدوير عجلاته، أو بمعنى آخر كفى
أمتنا تخلفاً وسكوناً وهي تقوم بتدوير
عجلة تاريخها إلى الوراء حتى لكان حاسة
النظر البعيد أو البصيرة قد تبخرت، ولكأن
فكرة البعد الثالث «المستقبل» محذوفة من
ذاكرتها، على الرغم من أنها تمتلك مقدرات
مثلما يمتلك غيرها أو أكثر، وعلى الرغم
من أنها مسؤولة أمام الله، ثم أمام التاريخ
عن كل تصرف من تصرفاتها، وصدق الله سبحانه
وتعالى القائل في محكم تنزيله: ﴿ونكتب
ما قدموا وآثارهم..﴾، ﴿ينبأ الإنسان
يومئذ بما قدم وأخر..﴾، ﴿وفقهم إنهم
مسؤولون﴾.
وأخيراً...
صدق من قال إن المجتمعات العاقلة هي تلك
التي تفكر بمستقبلها قبل أن يصير حاضراً،
وتدرس حاضرها قبل أن يصير تاريخاً!■