; المسلمون والصهاينة والطريق الطويل | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون والصهاينة والطريق الطويل

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-2000

مشاهدات 63

نشر في العدد 1416

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 05-سبتمبر-2000

تأملت كثيرًا فيما يتوارد من أخبار عن الصهاينة، فرأيتهم شعبًا مجندًا للدفاع عن هواه المسمى عقيدة، وعن تسلطه المسمى دينًا، وعن اغتصابه للديار وظلمه للعباد المسمى هوية ودولة، وعن رعايته للإرهاب الصهيوني وجماعاته المسمى أحزابًا، ورأيت شعبًا من أقصى الأرض إلى أقصاها يتجمع ليساند دولة ليس لها وجود في التاريخ القديم أو الحديث، ويحيي ديانة اندرست ونسخت وتخطاها الزمان والأوان، ثم يتجرأ هذا الشعب بعد ذلك على أمة الإسلام التي كانت أعز أمة، وأرفع مكانة، والتي كثر عددها حتى بلغ ثلث العالم، وعظمت رسالتها حتى نسخت الرسالات وألغت الديانات، وشرف منهجها حتى صلح عليه أمر الدنيا والآخرة، وأمر الناس باتباعه إلى آخر الزمان هدى ونورًا وصراطًا مستقيمًا، ولقد بلغ هؤلاء من الجرأة بحيث تولوا اليوم اللعب في فكر المسلمين وتاريخهم وثقافتهم خدمة للصهيونية، وصاروا يحيون الفرق الضالة وينسبونها إلى الإسلام، ويحيون النزعات والعرقيات؛ ليفرقوا الأمة إلى كيانات ودويلات يسهل استغلالها أو ابتلاعها، وتكون لوبي صهيوني للقيام بهذه المهمة. فمثلًا نعرض لصهيوني واحد وهو المستشرق الصهيوني برنارد لويس باعتباره صهيونيًّا مجندًا لهذه المهمة، قد تخصص في إهالة التراب على تاريخ الشرق الإسلامي، وإبراز الفرق الضالة التي احترفت تمزيق وحدة الأمة التي مثلها تيار أهل السنة والجماعة، والذي لم يعجبه في تاريخنا الحديث إلا الكمالية الأتاتوركية العلمانية، التي بلغت في الانقضاض على الإسلام وتاريخه وقيمه حدًّا غير مسبوق في نماذج المسخ والنسخ والتغريب، ذلك أن برنارد لويس أكثر من هذا بكثير.

 إنه «مدرسة - لوبي» في الفكر الصهيوني، والعامل بكفاءة في خدمة مخططات الاستعمار الغربي ضد نهضة الإسلام وتقدم أمته، وانعتاق شعوبه من أمر التغريب والاستعمار، وعندما أقام الاستعمار الغربي - بزعامة الإمبريالية الأمريكية الكيان الصهيوني ١٩٤٨م - قاعدة استعمارية استيطانية، وامتدادًا غريبًا في المحيط العربي والإسلامي، كان برنارد لويس في مقدمة العقول الصهيونية التي تخطط لدوائر الاستعمار مخططات تفتيت كل عالم الإسلام من شبه القارة الهندية إلى المغرب العربي على أسس عرقية و«إثنية»، ومذهبية وقومية، باعتبار هذا التفتيت الضمان الأول لأمن «إسرائيل»، فالضعف الذاتي للعالم الإسلامي – بالتفتيت- أهم لأمن الكيان الصهيوني ولهيمنة الغرب على الإسلام وأمته وعالمه من أي سلاح آخر يمد به الغرب دولة «إسرائيل».

 ولأن تخطيط برنارد لويس - ومدرسته في الاستشراق الصهيوني والاستعماري - هو جزء من حرب الجبهة الغربية ضد الشرق الإسلامي، فلقد نشرت مخططه هذا مجلة -  Executive In التي تصدرها telligence researchprojct  وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون، وفي هذا التخطيط التفتيتي اقترح برنارد لويس تمزيق الدولة القطرية العربية والإسلامية على أسس عرقية ومذهبية ودينية ولغوية؛ ليزيد تمزقها وتشرذمها القطري أكثر من اثنين وثلاثين كيانًا عنصريًّا جديدًا، وليكون التطور في عالم الإسلام نحو التشرذم بدلاً من الاتحاد، وليصبح عالم الإسلام - بعبارة برنارد لويس» مجتمعات فسيفسائية أو مجتمعات الموازيك.societyMosaic...

ولم  يكن لدى هذا المستشرق الصهيوني الاستعماري من الحياء حتى ما يساوي ورقة التوت، فأعلن بصراحة وقحة - على حين يفتقدها عملاؤه في بلادنا- أن المقصد من تنفيذ هذا المخطط التفتيتي هو ضمان أمن إسرائيل لنصف قرن قادم، وبعبارته الصريحة: «ويرى الإسرائيليون أن جميع هذه الكيانات لن تكون فقط غير قادرة على أن تتحد، بل سوف تشلها خلافات لا انتهاء لها على مسائل حدود وطرقات ومياه ونفط وزواج ووراثة... إلخ، ونظرًا لأن كل كيان من هذه الكيانات سيكون أضعف من إسرائيل، فإن هذه ستضمن تفوقها لمدة نصف قرن على الأقل». 

هذا هو مخطط برنارد لويس لتفتيت عالم الإسلام منذ أربعينيات القرن العشرين، وفي ضوئه يجب أن نرى مخططات تحريك الأقليات.

 هذا شيء وهناك شيء آخر تعمل المؤسسة الصهيونية على إقراره، وهو ضياع الأخلاق في الأمة الإسلامية، ولما عجزت عن ذلك استخدمت الأمم المتحدة بمؤتمرات السكان، وبالقرارات الملزمة لإباحة الجنس، وقد كشف المنتدى التحضيري لهذا المؤتمر والذي عقد في سان فرانسيسكو عن وجود نية لدى الأمم المتحدة لتجاهل جميع الاعتراضات الدينية التي تمنع الدول الأعضاء من التطبيق الكامل، لتلك التوصيات التي تدعو إلى إباحة الإجهاض والحرية الجنسية للمراهقات، ووضع أنماط جديدة للأسرة تقوم على الزواج المثلي الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وطالب كوفي عنان- الأمين العام للأمم المتحدة - جميع الدول الأعضاء باحترام هذه التوصيات، موضحًا أن الدول التي ستخالف توصيات الأمم المتحدة سيتم توقيع عقوبات اقتصادية دولية عليها. 

من المعروف أن هناك ضغوطا شديدة تمارس ضد الدول العربية والإسلامية؛ للتخلي عن الشرائع والقوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية، وإلزام جميع دول العالم الأعضاء بالأمم المتحدة بتنفيذ توصيات مؤتمري بكين والقاهرة، حتى ولو تعارضت مع دساتيرها أو عقائدها الدينية مع التهديد بوقف المساعدات الفنية والمالية، التي تقدم للدول إذا لم تلتزم بتلك التوصيات.

 قلت بعد هذا: سبحان الله، أين المثقفون في أمتنا يدافعون عن دينهم، ويردون الهجمة عن هويتهم وأمتهم، التي تتعرض للأخطار؟ قال صديقي الذي سمعني أهمس بهذا: يا أخي ليت مثقفينا يقلعون فقط عن مهاجمة دينهم والتعرض لهويتهم وغمزها ولمزها، وتجفيف ينابيعها في قلوب الناس، ووصم العاملين لها بالإرهاب والإجرام، فقلت: من يفقه هؤلاء ويوقظهم من نومهم، ولا شك أن هؤلاء يحتاجون إلى جهد وزمن، وإلى أشياء كثيرة أقلها الطهارة والإخلاص والبصيرة والصبر، فالطريق طويل والعقبة كؤود حتى يبلغ المنزل، وإنها ليسيرة على من يسرها الله – تعالى – عليه، نسأل الله السلامة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

541

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

596

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8