; المسلمون في كندا (۳) من (۳): آفاق العمل الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون في كندا (۳) من (۳): آفاق العمل الإسلامي

الكاتب جمال الطاهر

تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1998

مشاهدات 69

نشر في العدد 1310

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 28-يوليو-1998

المتتبع لتطور تجربة المسلمين في هذا البلد يدرك قيمة المكاسب التي حققوها على مستوى العلاقات والمناشط التي ساهمت في تثبيت كيانهم

تأسيسًا على التشريح السابق ونتائجه ، سنحاول في هذا المحور الثالث والأخير تحديد آفاق العمل الإسلامي بكندا من خلال ضبط أهدافه واستراتيجياته ومحاوره الرئيسة التي نرى - والله أعلم - أهمية التركيز عليها في المراحل القادمة، ويمكن إجمال هذه المسائل في النقاط التالية.

1-الاهتمام أكثر بالناشئة :

لأن مستقبل المسلمين في كندا في مستقبل شبابهم كما بينت ذلك الإحصائيات المذكورة سابقًا حول شبابية معدل أعمار المسلمين في هذا البلد، وتدور مقاصد الاهتمام بهذا المجال حول النقاط التالية:

- المحافظة على مستوى تعليمي مرتفع بين صفوف المسلمين الشبان

-  إتقان اللغتين الفرنسية والإنجليزية وامتلاك الخبرة الكندية

- تطوير المعرفة بالإسلام والالتزام بأخلاقه وإتقان اللغة العربية.

ويمكن أن تكون خدمة هذا الهدف من خلال الاستراتيجيات التالية:

- تفعيل المؤسسات الشبابية الموجودة وبناء اللازم منها: مؤسسات التأطير التربوي كدور الحضانة والمدارس والجامعات... ومؤسسات التأطير الاجتماعي كدور رعاية الشباب «الكشافة »

2- الاهتمام بالأسرة من خلال:

-  تثقيف الأولياء وتعليمهم التعليم الشرعي والديني وبخاصة منهم الأمهات، وذلك لكونهن المباشرات أكثر لتربية الأولاد وذلك من خلال تمكينهن من جملة من المعارف والأساليب الناجعة لتربية الأولاد.

- الاهتمام بالأخلاق الإسلامية داخل الأسرة حتى يكون الأولياء قدوة لأبنائهم. - -

- تطوير العمل الاجتماعي العام داخل أوساط المسلمين أو على مستوى المجتمع ككل والتركيز في كل ذلك على جانب الخدمات وذلك لتحقيق المقاصد التالية:

- تحسين صورة الإسلام والمسلمين والدعوة إلى الإسلام بطريقة عملية من خلال تقديم القدوة الحسنة والأمثلة الخيرة

- زيادة احتكاك المسلمين بمجتمعهم الكندي حتى يتعرفوا عليه ويتعرف عليهم أكثر. 

- تقوية روابط المسلمين فيما بينهم.

 - استيعاب العديد من الطاقات البشرية الإسلامية العاطلة عن الحركة. 

ويمكن التركيز في هذا المجال على:

- زيارة دور رعاية المسنين والمستشفيات والسجون ومراكز إعادة تأهيل الشباب.... 

- توجيه المسلمين إلى التطوع في المنظمات الخيرية والإنسانية الكندية مثل الهلال الأحمر ومراكز المستشفيات والمراكز الاجتماعية

-  تقديم الخدمات الطبية مجانًا أو بتكاليف منخفضة للمحتاجين من المسلمين وغيرهم.

- التمركز في السكنى حول المسجد. 

٣- الاهتمام بالعمل النسائي وذلك لأهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به المرأة المسلمة، واعتبارًا لقوة الحركة النسائية في هذا المجتمع واحتمال قيام مساحات احتكاك ساخنة بين المسلمين، وهذه الحركة لا نرى من هو مؤهل للتحرك فيها بنجاعة أحسن من المرأة المسلمة ذاتها، وعلى هذا يمكن أن نتصور لهذا المجال المقاصد التالية:

- تأطير النساء المسلمات وإبراز زعامات لهن ومنهن...

-  استيعاب النساء المسلمات المتعلمات وبخاصة أنهن يحرزن أعلى مستوى تعليمي نسائي في كندا. واستيعابهن في مجالات حركية عامة مفتوحة على المجتمع وقضاياه.

ويستحسن في هذا الإطار تركيز العمل على الاستراتيجيات التالية:

- تكوين الجمعيات النسائية للنساء المسلمات. 

- مشاركة المرأة المسلمة في أنشطة وعضوية المنظمات النسائية الكندية الأخرى.

4 - الاهتمام ببناء سوق إسلامية وذلك لتحقيق المقاصد التالية:

-  المحافظة على الرأسمال الإسلامي وتنميته في أيادٍ إسلامية ... 

- المحافظة على الرأسمال البشري من العمالة والمختصين ضمن فضاءات الاستثمار الإسلامي

- بناء قوة اقتصادية للمسلمين تكون سندًا ماديًّا ومعنويًّا لأنشطتهم ومطالبهم. 

- تمتين اللحمة ورابطة العلاقات بين المسلمين.

- دعم الأنشطة الإسلامية من خلال التبرعات والإعانات المالية والتسهيلات.

 ويمكن أن يكون العمل في هذا المجال من خلال:

- إنشاء مؤسسات استشارية وبنوك إسلامية لإعانة المبتدئين في العمل التجاري أو الصناعي. 

- إنشاء مكاتب لتشغيل العاطلين والشباب الذين يستعدون لدخول سوق الشغل لأول مرة. 

٥. تطوير الإعلام الإسلامي وبخاصة أننا نعيش عصر ثورة المعلومات والأقمار الصناعية وذلك لتحقيق المقاصد التالية:

- تحسين صورة الإسلام والمسلمين لدى الرأي العام الكندي ونخبه العلمية والاجتماعية والسياسية...

- تأطير وإحاطة المسلمين بالمادة الإعلامية المناسبة التي تساعدهم على فهم واقعهم والتحرك فيه على بينة.

- تعزيز العمل بالقوانين والمواثيق الحالية المقرة للتعدد الديني والثقافي، والمعادية للتمييز العنصري  بمختلف أشكاله وصوره وذلك من خلال المنظمات العامة الكندية. 

- تطوير تجربة المسلمين في ربط العلاقات والاحتكاك بالآخرين والتفاعل معهم ومحاورتهم.....

 ويمكن أن يكون العمل في هذا المجال المهم من خلال:

 الاهتمام بنوعية المتحدث من خلال تطوير إمكاناته في المناقشة وحضور الشخصية والقدرة على إيصال المعلومة إلى المستمع. 

- تحديد استراتيجية إعلامية تركز على المبادرة والتفاعل مع الساحة الإعلامية أولًا، ثم الرد على الحملات التشويهية وتنظيم الحملات الاحتجاجية ضد وسائل الإعلام المتحاملة على الإسلام  والمسلمين أو التي تجانب الموضوعية وأخلاق المهنة من جهة أخرى.

- متابعة ما يكتب عن الإسلام والمسلمين وبخاصة من طرف النصارى واليهود وتقييم هذا الإنتاج والمطالبة بسحب ما هو فاسد منه.

- المطالبة بتغيير بعض المناهج والمقررات التعليمية في المدارس الابتدائية والثانوية والمعاهد العلياء التي تحتوي على معلومات غير سليمة عن الإسلام والمسلمين مثل فكرة انتشار الإسلام بحد السيف مقابل قيم الرحمة والتسامح وإدارة الخد الآخر في المسيحية.

- تنظيم المحاضرات والندوات والملتقيات في صفوف التلامذة والطلاب حول العقيدة الإسلامية وكذلك عن الأديان الأخرى «مقارنة الأديان»

- التوجه نحو الإنتاج التلفزيوني الذي يعتبر أكبر مصدر للمعلومة والترويج في كندا وبخاصة في القنوات التي تسمح بتقديم برامج ثقافية ودينية، ومثل هذه القنوات موجودة تحت تصرف أية جماعة ثقافية أو عرقية بمن فيهم المسلمون، كما يمكن للإعلاميين المسلمين أن يقدموا مشاريع عمل ومقترحات برامج أو إنتاج أشرطة فيديو وتقديمها لهذه القنوات، وقد يكون من المفيد أيضًا استخدام الإذاعة لنفس هذا الغرض، كما أن الصحافة المكتوبة يمكن أن تكون هي الأخرى أداة إعلامية  فعالة أيضًا.

- الاهتمام ببرامج وتعليم شعائر الإسلام 

- بناء شبكات لتوزيع الإنتاج الإعلامي الإسلامي حتى يستفيد منه أكثر عدد ممكن من الناس. .

٦- الاهتمام أكثر بالدعوة في صفوف الكنديين «الأصليين»

 نساء ورجالًا وذلك للخروج بالإسلام من دائرة كونه ديانة وافدة مع بعض المهاجرين إلى اعتباره مكونًا من مكونات المجتمع الكندي من جهة، والخروج بالمسلمين من دائرة كونهم مهاجرين إلى كونهم مواطنين كنديين أصحاب حقوق أساسية فيها مع غيرهم من الكنديين من أصحاب الديانات الأخرى من جهة أخرى.

ويمكن تحقيق هذا الهدف من خلال :

- بناء المؤسسات الدعوية التي تعتمد اللغة الإنجليزية أو الفرنسية في خطابها وأنشطتها ومنشوراتها .

- الاقتراب أكثر من تجمعات المسلمين الكنديين «الأصليين» والتفاعل معهم من خلال بعض الأنشطة المشتركة

- فتح المؤسسات الإسلامية وبخاصة منها ذات الطابع العام أمام العنصر الكندي...

٧ -الاهتمام بالدراسات الاستراتيجية

 التي لم يعد من الممكن الإعراض عنها أو التقليل من شأنها وتهميشها، فلا مندوحة للقائمين على العمل الإسلامي بهذا البلد إلا أن يوازنوا بين تغطية المطالب العاجلة والملحة و التفكير الاستراتيجي لمستقبل هذا العمل، ويمكن أن يكون المقصد الرئيس لمثل هذا العمل هو تمليك المسلمين رؤية واضحة لواقعهم، والصور الراجحة لمستقبلهم ومستقبل البلاد التي يعيشون بها، يكون على أساسها تكييف خططهم وبرامج عملهم وأولوياتهم. 

ويمكن خدمة هذا الهدف المهم من خلال

- توجيه بعض الكفاءات المسلمة للتحصيل العلمي في مجال الدراسات الاستراتيجية لكسب فنون هذا العلم.

- بناء المؤسسات اللازمة من مراكز الدراسات  والأبحاث والتوثيق...

- رصد الواقع وتجميع معطياته ثم تحليلها وتحديد الخيارات والاحتمالات الممكنة. 

- فتح المؤسسات الإسلامية أمام الخبراء والمختصين في التخطيط والتنظير لترشيد العمل الإسلامي 

- استيعاب القدرات العلمية للمسلمين ضمن مؤسسات بحثية متكاملة في اهتماماتها ...

- بناء العلاقات مع الجامعيين والخبراء الكنديين وأقسام الدراسات المختصة وذلك

للاستفادة منهم والتفاعل معهم....

ولحسن إنجاز هذه الأهداف والاستراتيجيات يمكن الإشارة إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار السياسات والضوابط التالية عند التحرك في الساحة، وذلك حتى ترشد الممارسة ولا تضيع الجهود ويوضع بذلك حد لمنطق التجربة والخطأ.

ومن هذه الأمور تذكر :

- إصلاح الأمور بين المسلمين وبخاصة العاملين في المؤسسات الإسلامية وذلك من خلال إذابة الخلافات والنزاعات بينهم وبلورة المشترك الذي يمكن أن يكون أرضية للعمل المشترك والتعاون من أجل خدمة المصالح العامة للمسلمين. 

- عدم التعامل مع المجتمع على أنه خطر كله تجب مقاطعته والانعزال عنه في تجمعات خاصة وذلك حتى لا يُتعامل مع المسلمين على أنهم مجتمع مغلق وأناني.

- الإعراض عن أسلوب الاعتذار والخجل من الإسلام لأن الناس «غير المسلمين» لا ينجذبون إلى شيء يعتذر عنه أصحابه كل حين وباستمرار

- التدرج والمرونة في إنجاز الخطط والرفق بالساحة وأطرافها، وتجنب الاستعراض في النشاطات وتضخيم الذات وإمكاناتها أو تقزيم الآخر سواء كان هذا الآخر تيارًا أو فكرة أو غير ذلك.

- تجنب الوقوع في الاستدراج والانجرار إلى الخوض في القضايا الهامشية، دون أن يعني ذلك الإعراض عن التفاعل مع المستجدات بحسب قيمتها من الخطة والواقع وبحسب الظروف المحيطة.

أخيرًا

يظهر من خلال هذه الدراسة أن تشكل المسلمين الكنديين باعتبارهم تجمعًا متحركًا لا يزال حديثًا، ويمكن قياس عمر التجربة الاجتماعية للمسلمين في كندا بعمر المؤسسات الإسلامية العاملة في الساحة، التي لا يعود تاريخ تأسيس أقدمها إلى أكثر من ٢٥ سنة، وهو الاتحاد الإسلامي لشمال أمريكا ١٩٦٩م، ورغم ما يبدو من ضعف ظاهر في واقع هذه الشريحة من المجتمع الكندي، فإن المتتبع لتطور تجربة المسلمين في هذا البلد يدرك جيدًا قيمة المكاسب التي تم تحقيقها. سواء على مستوى المؤسسات والعلاقات والأنشطة أو غيرها التي ساهمت جيدًا في تثبيت كيانهم وبناء نسيج علاقاتهم وفضاءاتهم، والآن مع تبدل العديد من المعطيات الذاتية والموضوعية، فإن المسلمين مدعوون إلى تقويم تجربتهم وتحديد اتجاهات واضحة لعملهم في المستقبل، من شأنها أن تؤمن لهم ولأجيالهم القادمة مستقبلا أفضل وبخاصة أن الساحة الكندية تتجه بشكل عام إلى تكريس نوع من الأحادية أو النمطية الثقافية قاعدتها اللائكية واللادينية كبديل عن التعددية المفتوحة التي تلاقي في الفترة الأخيرة الكثير من النقد.. هذه الأحادية ستعمل قوى عديدة منها اللائكيون واليمينيون المتطرفون وأصحاب النزعات الوطنية والحركة النسائية - على تجذيرها ودفع الدولة إلى تبنيها والالتزام بها من خلال الحملات الانتخابية واللوبيات، ثم استصدار كل القوانين الكفيلة بإذابة الهوية الثقافية المميزة لكل الأقليات الظاهرة في المجتمع ثم صهر الجميع المتعدد. ضمن إطار هذه الثقافة الواحدة، وإذا ما كان الأقوياء في مأمن نسبي من هذا الخطر نظرًا لامتلاكهم أسباب القوة والمقاومة والدفاع عن الذات فإن المجموعات الضعيفة سوف تكون فريسة سهلة لهذا التوجه... فهل سيعي المسلمون الكنديون حجم هذه التحولات المرتقبة واتجاهاتها؟ وهل سيكونون قادرين على أخذ المبادرة من الآن بتكييف واقعهم ومسك خيوط مستقبلهم ..

 

الرابط المختصر :