العنوان المسلمون في فرنسا.. القوة الروحية الثانية بعد الكاثوليك
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1987
مشاهدات 147
نشر في العدد 842
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 10-نوفمبر-1987
•
المسلمون في فرنسا أصبحوا قوة انتخابية لا يستهان بها، ولهم تأثير
اجتماعي كبير
يوجد في فرنسا الآن ثلاثة ملايين مسلم من جنسيات وطبقات مختلفة ويشكلون نسبة
12% من مجموع
السكان. لقد وصل عدد المساجد في فرنسا إلى ما يزيد عن الألف مسجد، وبلغ عدد الجمعيات
والمراكز الإسلامية أكثر من ٦٠٠ جمعية إسلامية أنشئت جميعًا بموجب القانون الفرنسي
رقم ۱۹۰۱ لعام ۱۹۰٥ الذي كان يهدف إلى فصل الكنيسة
عن الدولة؛ حيث تمنح المادة الرابعة من هذا القانون الحرية للجاليات الثقافية لإنشاء
جمعيات خاصة بها.
وبفضل هذه الجمعيات الإسلامية التي يلتف حولها المسلمون، وبفضل انتشار تلك المساجد
في جميع المدن الفرنسية أصبح الإسلام في فرنسا اليوم قوة لا يستهان بها في المجتمع
الفرنسي، وأصبح يحتل المرتبة الثانية بعد الكاثوليك في فرنسا.
جنسيات مختلفة
المسلمون في فرنسا ينتمون إلى جنسيات وطبقات اجتماعية مختلفة، ويتوزعون على الشكل
التالي:
المهاجرون المقيمون يبلغ عددهم مليوني نسمة منهم ۸۰۰ ألف جزائري، ٥٠٠ ألف مغربي، ۲۰۰ ألف تونسي، ١٦٥ ألف تركي، ١٠٠ ألف من مواطني
إفريقيا جنوب الصحراء، وعدد قليل من الهنود والباكستانيين.
والمسلمون الفرنسيون عددهم مليون نسمة، منهم ٥٠٠ ألف من أصل جزائري، ٤٠٠ ألف
من الجيل الثاني أي أبناء المسلمين المقيمين الذين يحملون الجنسية الفرنسية، ١٠٠ ألف
فرنسي الأصل من الذين اعتنقوا الإسلام. أما الطبقات التي ينتمي إليها المسلمون في فرنسا
فهي طبقة العمال في الأغلبية، ثم طبقة الطلاب والمدرسين، بالإضافة إلى بعض المفكرين
الذين اعتنقوا الإسلام من الفرنسيين والأطباء المهاجرين.
ويربط بين هؤلاء المسلمين العديد من التجمعات الإسلامية والعمالية والمهنية التي
لا تقبل في عضويتها إلا العمال المسلمين. وقد بدأ المسلمون يضعون بصماتهم على كثير
من التقاليد الاجتماعية في فرنسا بفضل انتشار المحلات الإسلامية في كثير من المناطق،
وكذلك مبيعات اللحم الحلال التي أصبحت توجد في كثير من الأماكن التجارية والمطاعم الإسلامية
التي تمتنع عن بيع المحرمات من الطعام والشراب.
لوبي إسلامي
وكما أن للمسلمين في فرنسا تأثيرهم الاجتماعي، فمن الممكن جدًّا أن يكون لهم
تأثير سياسي لا يستهان به إذا اتحدت جمعياتهم المختلفة ليكونوا نواة تجمع إسلامي متماسك
يمكن أن يصبح يومًا من الأيام قوة الضغط الإسلامية التي بإمكانها أن تستولي على اهتمام
المرشحين في مختلف الانتخابات الفرنسية، وأن يكون وسيلة لإدخال ممثلين مسلمين إلى الجمعية
الوطنية الفرنسية «البرلمان» في يوم من الأيام، وخاصة أن هناك مطالبة شعبية بمنح المهاجرين
المقيمين حق التصويت في الانتخابات، فإذا تم إقرار ذلك المطلب الشعبي فلا شك أن ذلك
سيكون في صالح المسلمين الذين يشكلون نسبة كبيرة من المهاجرين والمقيمين.
عنصرية ضد المسلمين
على الرغم من الثقل الديني والاجتماعي والسياسي للمسلمين في فرنسا فإن مواقف
الحكومات الفرنسية المختلفة من المسلمين ارتبطت دائمًا بمواقفها من ظاهرة الهجرة الأجنبية
إلى فرنسا، كما ارتبطت في أحيان أخرى بظاهرة العنف والإرهاب التي ظلت فرنسا مسرحًا
لها في السنوات الأخيرة، الأمر الذي جعل المسلمين عرضة لأنواع مختلفة من التعصب والعنصرية
من قبل بعض شرائح الشعب الفرنسي وبعض الاتجاهات السياسية، وحتى من قبل بعض العناصر
الحكومية، فقد صرح وزير الثقافة الفرنسي فرانسوا ليونارد في خريف 1986 بأن فرنسا لن
تتعايش مع الإسلام أبدًا، ولا يخفى على أحد كذلك موقف زعيم حزب اليمين المتطرف جان
ماري لوبان العدائي من المهاجرين العرب والمسلمين.. كما أن مشروع القانون الفرنسي الجديد
للهجرة يعتبر تهديدًا شديدًا للوجود الإسلامي في فرنسا؛ حيث ينص أحد بنوده على إلغاء
منح الجنسية الفرنسية تلقائيًّا لمن يولد في فرنسا، وإن كان أحد الوالدين فرنسيًّا،
فهؤلاء الأطفال لن يحصلوا على الجنسية الفرنسية تلقائيًّا كما كان يحدث، ولكن بعد تقديم
طلب ينظر فيه كما هو الحال بالنسبة للآخرين.
تصريحات انتخابية
ورغم هذه المواقف الحزبية والحكومية العدائية تجاه الإسلام والمسلمين المهاجرين
في فرنسا، فإن الخطاب التاريخي الذي ألقاه رئيس الوزراء الفرنسي جاك شيراك في يونيو
١٩٨٧ في ندوة المسلمين الفرنسيين من أصل جزائري في بيت الكيمياء بالعاصمة الفرنسية
أدخل الطمأنينة في نفوس هؤلاء المسلمين وغيرهم في فرنسا.. ففي صالة المؤتمرات في بيت
الكيمياء حيث اجتمع أكثر من ألف شخص لسماع كلمة جاك شيراك؛ وذلك لأنه لأول مرة يأتي
رئيس وزراء فرنسي للتحدث إلى المسلمين الفرنسيين. وقد استهل شيراك كلمته بقوله: «إذا
أردت هذا اللقاء اليوم فلأنني أود التوصل إلى هدف معين، نحن في بلد ديمقراطي يحق فيه
لكل شخص منكم أن يدلي برأيه بكل صراحة، وأنا هنا اليوم لأستمع إليه». وأضاف شيراك قائلًا:
«مشكلة المسلمين الفرنسيين.. من أين أنت؟ تهم من؟ ومن الذي يشعر بتعاطف تجاهها؟ أريد
أن أعالج هذه المشكلة التي أتفهمها جيدًا، ولكن قبل ذلك اسمحوا لي أن أعبر عن سعادتي
بلقاء جالية عاشت آلامًا كثيرة في الماضي. إن واجبنا الأول هو شرح وضعكم للفرنسيين،
فبالنسبة للشعب الفرنسي هو الإنسان الذي يدفع ضريبة لبلاده، وأنتم دفعتم أغلى الضرائب
لفرنسا؛ دفعتم ضريبة الدم، وإننا نكن لكم أشد الاحترام، فتاريخنا يشهد على ما قدمتم
لفرنسا».
واستطرد شيراك قائلًا: «أؤكد لكم أنكم فرنسيون كأي فرنسي آخر لا أقل ولا أكثر،
وهذا شيء لا شك فيه، ومشاكل فرنسا تعنيكم كما تعني أي فرنسي آخر. لقد قررنا فتح مجال
العمل للمسلمين الفرنسيين في المؤسسات الحكومية الإدارية، وهذا أحد مطالب الجالية،
فعدد العاطلين عن العمل من بينكم يجبرنا على إعطائكم الأولوية في تأمين الوظائف لشبابكم
وتأمين إعادة تأهيلهم في المجالات المتخصصة، ثم إننا ندرس إمكانية إعطاء منح دراسية
من قبل وزارة التربية لهؤلاء الشباب».
هذا أهم ما جاء في كلمة رئيس الوزراء جاك شيراك أمام الجالية الجزائرية المسلمة،
وقد نالت من الجالية كل ارتياح وطمأنينة، إلا أن بعض المراقبين يرون أن خطاب شيراك
الطموح ليس إلا مقدمة للحملة الانتخابية الفرنسية القادمة، بدليل أن ميشيل روكار مرشح
الحزب الاشتراكي للانتخابات الرئاسية هو الآخر بعث برسالة إلى الندوة ذاتها أشار فيها
إلى ضرورة فتح مجالات وفرص عمل أمام أبناء الجالية المهاجرة لبناء فرنسا مثالية، وأكد
فيها أن كل أمر يعرقل الحصول على الجنسية الفرنسية هو خطأ ضد الفكر وجريمة ضد المنطق.
فهل هي بداية السباق بين حزب رئيس الوزراء وحزب رئيس الجمهورية على أصوات المسلمين؟
دروس مستفادة
إن ما يجب أن يستوعبه المسلمون في فرنسا من هذه التصريحات الرسمية هو أنهم أصبحوا
قوة انتخابية لا يستهان بها، فإذا اجتمعوا على كلمة واحدة ووقفوا وقفة رجل واحد وخططوا
للإدلاء بأصواتهم الحزب واحد فسوف يكون لهم مستقبل سياسي باهر في يوم من الأيام قد
يشق الطريق نحو ظهور مرشحين مسلمين في انتخابات الجمعية الوطنية أو انتخابات البلديات،
وفي ذلك ضمان كبير للحفاظ عليهم ككتلة سياسية متماسكة لا يمكن أن تذوب في خضم المعركة
الانتخابية التي تخوضها أحزاب عديدة، فهم يشكلون ثاني أكبر تجمع روحي في البلاد بعد
الكاثوليك، وأكثر عددًا من البروتستانت واليهود رغم التأثير الكبير الذي يحظى به اللوبي
اليهودي في المجتمع الفرنسي سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، وذلك بفضل ترابط أفرادها
ووقوفها صفًّا واحدًا في كل معركة انتخابية.