العنوان المسلمون في شرق أوكرانيا.. قصة شعب "تتار الدونباص"
الكاتب سالم صالح القرمي
تاريخ النشر الأربعاء 01-يوليو-2015
مشاهدات 87
نشر في العدد 2085
نشر في الصفحة 30
الأربعاء 01-يوليو-2015
يقع إقليم الدونباص في شرق أوكرانيا، تاريخياً يوجد الدونباص الصغير؛ وهو مناطق شمال مقاطعة دونتسك وجنوب مقاطعة لوهانسك، والدونباص الكبير يشمل إضافة إلى المنطقتين المذكورتين آنفاً القسم الشرقي من مقاطعة دنيبروبتروفسك الأوكرانية ومنطقة روستوف في روسيا.
يطل إقليم الدونباص على بحر آزوف، وهو غني بالفحم الحجري والحديد والمعادن.
دخول الإسلام:
دخل الإسلام إقليم الدونباص مع دخول قبائل البيتشنيك القادمة من وسط آسيا مع نهاية القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الميلاديين، وقد دلّ على ذلك الآثار والحفريات والمقتنيات المكتشفة من الأسلحة والنقود العربية والحلي والمقابر الإسلامية.
في عام 1220م دخل المغول الإقليم وبرفقتهم التتار، وبدأ خانات المنطقة باعتناق الإسلام، واستوطن التتار هذه المناطق منذ القرن الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين.
وكان قد زار المنطقة الرحالة العربي ابن فضلان عام 922م مبعوثاً من الخليفة العباسي المقتدر بالله؛ لتعليم أهل المنطقة الإسلام وتعاليمه.
من هم تتار الدونباص؟
تتار الدونباص أو تتار قازان (نسبة إلى مدينة قازان عاصمة تتارستان) أو تتار نهر الفولجا الذين يقطنون في شرق أوكرانيا: مجموعة عرقية تعود أصولها لقبائل تركية هاجرت من وسط آسيا ومعظمها من المسلمين السُّنة الذين يتبعون المذهب الحنفي، لغتهم التترية القازانية وهي فرع من اللغات التركية كانت تكتب بالأحرف العربية حتى نهاية العشرينيات من القرن الماضي، يعيشون في المقاطعات الأوكرانية: دونتسك ولوجانسك وزبروجيه وخاركوف، ومجموعات قليلة تعيش في مدن دنيبروبتروفسك وبلتافا.
الكثير من تتار الدونباص وخلال قرون طويلة ذابوا في المجتمع الروسي، وتغيرت عاداتهم وتقاليدهم حتى إن عدداً منهم اعتنق المسيحية.
في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي ومع ظهور الفحم الحجري والحديد وصل المنطقة الآلاف من تتار حوض الفولجا وسيبيريا؛ وذلك للعمل في مناجمها، ثم تلتهم موجة هجرة ثانية بعد الثورة البلشفية عام 1917م.
خلال الحكم الشيوعي تعرض مسلمو الدونباص للتهميش ومنعوا من أداء شعائرهم، وأغلقت مساجدهم، وأعدم أئمتهم، واضطروا لتغيير أسمائهم الإسلامية؛ مما أفقدهم مع الزمن الكثير من شعاراتهم وهويتهم الإسلامية، وبقيت طقوس الختان والاحتفال بالمولد النبوي واللباس التقليدي المحتشم والاحتفاظ بالقرآن الكريم في البيوت وبعض التقاليد.
أما إذا تحدثنا عن مسلمي شرق أوكرانيا بشكل عام اليوم فهم من تتار قازان، وكذلك تتار القرم الذين كانوا يعملون في الدونباص ولم يسمح لهم بالعودة للقرم بعد تهجيرهم عام 1944م، ومن مسلمي القوقاز وآسيا الوسطى الذين جاؤوا إلى أوكرانيا طلباً للأمان والرزق وهرباً من الحروب.
أهم أماكن تمركزهم مدن: دونتسك، ماكييفكا، كراسنا لوتشي، إنتراتسيت، كوستانتينوفكا، لوجانسك، شاختيورسك وغيرها.
بعد استقلال أوكرانيا
مع مطلع التسعينيات من القرن الماضي وسقوط الشيوعية واستقلال أوكرانيا؛ بدأت الصحوة الإسلامية تنتشر في المنطقة، وقد تجلت بظهور المدارس الأسبوعية لتعليم القرآن الكريم وأركان الإسلام، وكذلك المخيمات والنوادي الصيفية الدعوية ودورات إعداد الأئمة والدعاة.
يوجد في الدونباص حالياً حوالي 20 مسجداً بنى معظمها اتحاد المنظمات الاجتماعية (الرائد) بتبرع كريم من عدد من الجمعيات والمؤسسات العربية، إضافة إلى مركزين إسلاميين كبيرين في مدينتي لوجانسك ودونتسك.
عدد المسلمين في الدونباص
قبل عام 1774م كان عدد التتار المسلمين أكثر من عدد الروس في المنطقة، ولكن زاد عدد الروس بعد سقوط خانية القرم عام 1783م بيد روسيا القيصرية.
وحسب الإحصائيات الروسية الرسمية لعام 1897م، فإن عدد تتار الدونباص حوالي 16 ألف نسمة، يشكلون ما نسبته 1.5% من سكان الدونباص، ويعتقد عدد كبير من المؤرخين أن هذا العدد متواضع جداً وغير حقيقي.
يقول الشيخ سعيد إسماعيلوف مفتي الإدارة الدينية لمسلمي أوكرانيا: إنّ عدد المسلمين في الدونباص اليوم يصل إلى 85 ألف نسمة، وبعض الإحصائيات تصل بالعدد إلى 140 ألف نسمة، وقد كانت مناطقهم في أوائل القرن العشرين عامرة بالمساجد والمدارس والمكتبات والنوادي الثقافية.
الحرب وتأثيرها على المسلمين
مع بداية الحرب في شرق أوكرانيا بين الانفصاليين المدعومين من روسيا والحكومة المركزية عام 2014م، وقع المسلمون ضحايا هذا الصراع.
فقد تعرضت مساجدهم للقصف ونزح آلاف المسلمين إلى روسيا وإلى وسط أوكرانيا.
وقد كان لاتحاد المنظمات الاجتماعية (الرائد)، أكبر مؤسسة إسلامية في أوكرانيا، اليد العليا في تقديم العون والمساعدة لتتار الدونباص المسلمين؛ من خلال توزيع المواد العينية والغذائية على المتضررين وحماية مساجد المنطقة من الإهمال والدّمار.
إن مستقبل مسلمي تتار الدونباص مرهون بتطبيق اتفاق "مينسك" للسلام الذي وقّع بين الحكومة الأوكرانية والانفصاليين المسلحين الموالين لروسيا في فبراير الماضي، والذي سيسمح في حال تنفيذه للمسلمين بالعودة إلى وطنهم وأماكن عملهم.
المصادر:
1- كتاب "التاريخ المخفي لإقليم الدونباص" - باللغة الروسية - جريجوري لوجوفسكي طبعة عام 2015م.
2- لقاء مع المفتي سعيد إسماعيلوف في جريدة "أمة"، العدد 19 لعام 2014م باللغة الأوكرانية.