; المسلمون في شرق أوروبا (2).. انتهازية تيتو | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون في شرق أوروبا (2).. انتهازية تيتو

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يوليو-1984

مشاهدات 86

نشر في العدد 680

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 24-يوليو-1984

إن يوغسلافيا أكثر الدول الشيوعية تدخلًا مع العرب، ولها سمعة طيبة في الدول العربية والإسلامية، ولها تمثيل دبلوماسي مع معظم الدول العربية والإسلامية، وقد استطاعت يوغسلافيا أن تخترق دول الخليج العربي، وأقامت تمثيلًا دبلوماسيًا مع دولة الكويت، وتجاريًّا مع كل دول المنطقة بما فيها السعودية، كما لصداقة تيتو وعبد الناصر ولأخذ مصر هياكل السلطة التنفيذية في يوغسلافيا وتطبيقها في مصر أثر واضح في توطيد العلاقات بين يوغسلافيا ودول العالم العربي والإسلامي، ولذا سنفرد يوغسلافيا ببحثٍ- دون سواها من الدول الشيوعية الأخرى- كما أن أكبر جالية إسلامية في أوروبا تعيش في يوغسلافيا، ولذا سنهتم بأمرها أكثر من غيرها.

تناولت كثير من الأقلام موقف يوغسلافيا ومصيرها بعد موت المارشال جوزيف بروز تيتو، وفي الحقيقة لم يقبل إلا بركوب الصعب، فيوغسلافيا بنيت على متناقضات يصعب فهمها لأول وهلة.

فيوغسلافيا دولة شيوعية، يحكمها الحزب الشيوعي، وفي نفس الوقت تتزعم كتلة الحياد الإيجابي، وفى يوغسلافيا يطبق الحزب الحاكم مبادئ الاقتصاد الاشتراكي الشيوعي الذي يعارض النظام الرأسمالي، وفي نفس الوقت تعتمد في تمويل كبار مشاريع التنمية فيها على رأس مال من الدول الغربية وأمريكا، كما تقوم يوغسلافيا بإنتاج سلع المعسكر الغربي- وعلى رأسها الأدوية- ثم تصدرها للدول الشيوعية بما فيها روسيا، التي لا ترى أن هناك بأسًا في استيراد السلع الغربية بعد أن تقوم دولة شيوعية بمباركتها.

ويوغسلافيا تنتهج الديالكتيلك المادي واللينينية الماركسية، ومع ذلك فهي في خلاف مع روسيا والصين، وهما رائدتا الشيوعية العالمية، ويوغسلافيا هي الدولة الشيوعية الوحيدة التي تسمي المسؤول الأول في الحزب الشيوعي رئيسًا، وليس سكرتيرًا، وهي أيضًا الدولة الشيوعية الوحيدة المحاطة بعدد كبير من الدول الرأسمالية، وهي الدولة الشيوعية الوحيدة خارج الستار الحديدي، وحدودها مفتوحة لمعظم دول العالم، وهي أيضًا الدولة الشيوعية الوحيدة التي يخرج رعاياها بدون تأشيرة خروج إلا لإسرائيل والمملكة العربية السعودية، كما أن يوغسلافيا أول دولة شيوعية تدين الاحتلال الروسي لتشيكوسلوفاكيا، وتمنح رعايا تشيكوسلوفاكيا- الذين تواجدوا في وقت الاحتلال بيوغسلافيا- منحتهم السكن والأكل والوقود ومصاريف نثرية على حساب الحزب الشيوعي اليوغسلافي.

لا شك أن هذا الوضع متناقض، وهذا التناقض يشعر به أعضاء الحزب الشيوعي أنفسهم، ففي الوقت الذي ينادي الحزب الشيوعي اليوغسلافي بالمساواة والعمل على رفع المستوى الاقتصادي للبلاد، نجد أن المسؤولين في الحزب هم الوحيدون الذين يركبون سيارات المرسيدس الفارهة، مع العلم بأن هذه السيارات تنتجها ألمانية هتلر التي حاربت يوغسلافيا، واحتلتها في ثلاث عشرة ساعة فقط.

وتكملة لموضوع التناقض في المبادئ، نجد نكات رجل الشارع حول هذا الموضوع، حدث أن كان في سوق بلغراد نوع من «بالطوهات» الشتاء يمكن لبسها بالجهتين، فكان يسأل في شكل انتقاد: أتدري لمن تنفع هذه البالطوهات؟ ويرد أنها تنفع للشيوعيين؛ لأنهم ذوو وجهين.

التاريخ السياسي للحزب الشيوعي اليوغسلافي ووصوله للحكم

ولد تيتو من أبوين غير متعلمين، وهو الابن السابع لأبيه فرانكو بروز من قرية تابعة للنمسا، أما تاريخ ميلاده فلا يعرف بالضبط، وقد اختار له الحزب الشيوعي اليوغسلافي بعد مجيئه للسلطة يوم ‎٢٥‏ مايو ليكون يوم ميلاده عيدًا رسميًّا في البلاد، وسمي بيوم الشباب «دان ملادوست» وقد ولد تقريبا في عام ‎١٨٩٠‏ ميلادية.

بدأ تيتو العمل الشاق في قريته منذ نعومة أظافره؛ فكان يعاون في حراثة الحقل، وحمل المحصول إلى المنزل، ويقضي الساعات الطويلة في رعي الماشية والجياد في سهل قريب تنمو فيه الحشائش، كما كان يساعد أمه في الطبخ، ويحضر الماء من البئر، ويدير عجلة الطاحونة لطحن الحبوب، ويسير حافي القدمين مرتديًا ثيابًا ممزقة، وملابس الأطفال الأكبر منه، وقد تعلم من جده ركوب الخيل ورواية القصص القصيرة المضحكة، والفكاهات التي ظل يرويها طوال حياته، ويبدو أن أم تيتو كانت ذكية وذات شخصية أقوى من زوجها، وكان من الواضح أنه يحب أمه، ومتعلق بها أكثر من والده، وتعلم منها أول دروسه الدينية، وظل متدينًا إلى أن تزوج من زوجته الأولى.

لم يكمل تيتو دراسته الثانوية، وقطعها عندما بلغ سن الثانية عشرة من عمره، ولم يسمح له والده بمتابعة الدراسة، وعمل في الزراعة حتى سن الخامسة عشرة في حقل عمه، الذي وعده بشراء حذاء جديد مكافأة له، بعد ذلك انتقل تيتو إلى مدينة سيساك، وهي مدينة تقع عند ملتقى ثلاثة أنهر، ويمر بها خط حديدي، وكانت أول مدينة كبيرة يشاهدها جوزيف، وبدأ يتعلم الميكانيكا، وعمل بتلك المدينة لمدة ثلاث سنوات، وتم هناك أول اتصال له بالنواحي السياسية العمالية، وعلم أن بعد انتهائه من التدريب سيحتاج إلى حماية إحدى اتحادات العمال التي كانت قد اكتسبت صفة قانونية في ذلك الوقت، في عام ١٩٢٢م‏ أخذ يتنقل من عمل لآخر، وكان عمره آنذاك ثلاثةً وعشرين عامًا، عمل كمصلح للدراجات، ثم كعامل في مصانع النمسا وبوهيميا، ثم لفترة صغيرة في أحواض السفن في ألمانيا.

رجع تيتو إلى قريته ليؤدي الخدمة العسكرية الإجبارية لمدة سنتين، وقد وصفه مسؤول المجندين الجدد بأنه قروي نشط قدم لتوه من الريف، لا يحسن القراءة ولا الكتابة، وفي أثناء مدة التجنيد الإجباري أرسل ليقاتل ضد روسيا في جبهة جبال الكربات؛ حيث أصيب بطعنة نافذة في صدره، نقل بعدها إلى مدينة على نهر الفولجا ضمن جرحى الحرب؛ حيث ساءت حالته وأصيب بحمى التيفوئيد، ولكنه شفي بالرغم من كل ذلك، وأرسل إلى معسكر أسرى الحرب في جبال الأورال؛ حيث كان في اصطدام مع سلطات المعسكر وشكوى دائمًا من أن طرود الصليب الأحمر لا تصل إلى أيدي الجنود، وفي أوائل ١٩١٧م‏ بدأت تتسرب إليهم أخبار ثورة البلاشفة في مدينة بتروقراد التي بعد استلام الشيوعيين للسلطة غيرت لمدينة لينين قراد حيث تعرف حتى اليوم بهذا الاسم.

 هرب تيتو من معسكره عدة مرات، وفي إحدى المرات هرب إلى مدينة يحتلها الشيوعيون، ولكنها استعيدت منها، فاختبأ تيتو في منزل أسرة من المتعاطفين مع الشيوعيين؛ حيث تعرف على ابنتهم الجميلة، والتي تزوجها داخل الكنيسة عام ١٩١٩م،‏ وأنجبت منه خمسة أطفال ماتوا جميعًا إلا واحدًا يدعى زاركو، ويشاع أنه متخلف عقليًا، وأنه كان لا يحبه في آخر أيامه.

رجع تيتو إلى موطنه عام ١٩٢٠م،‏ وظل عاطلًا لمدة خمس سنوات، وكانت السلطات تعتبر العائدين من روسيا بأن لهم ميولًا شيوعية، وانتسب تيتو لأحد الأحزاب الذي انضم بدوره للحزب الشيوعي اليوغسلافي، وهكذا وجد تيتو نفسه شيوعيًا دون أن يتخذ خطوة إيجابية في ذلك.

تعلم تيتو من روسيا كيف يصارع من أجل البقاء، كما أصبح ماهرًا في الهروب وتخطي العقبات، وأجاد اللغة الروسية والألمانية، بعد ذلك عمل تيتو كصانع أقفال في مدينة زغرب، ثم وجد عملًا في ماكينة طاحونة مدة خمس سنوات؛ حيث زاره في مقر عمله الرفيق الشيوعي ستيفان سابيك، الذي انضم للحزب الشيوعي في روسيا، وأصبح أحد المنظمين للحركة الشيوعية الدولية خارج روسيا، والتي أطلق عليها اسم الكومنترن، وكان هو أحد عملائها في يوغسلافيا، وبدأ جوزيف يشارك في أعمال الحزب الشيوعي غير المشروعة، وكان قد طرد من عمله، والتحق بأحد مصانع الصلب بالقرب من بلغراد، ثم في أحواض السفن؛ حيث اعتقل بتهمة الترويج للشيوعية، وحوكم بسبعة أشهر، ولكنه هرب، ولم يستطيع البوليس العثور عليه.

وجد جوزيف أن الحزب الشيوعي اليوغسلافي ضعيف جدًا، ومنقسم على نفسه، وخاضع خضوعًا تامًا لرؤساء الشيوعية الدولية من الروس، ولذا حاول كسب ودهم، وإثبات جدارته؛ فنظم مسيرة عمالية ضخمة عام ١٩٢٨م‏ حيث حوكم بخمس سنوات، أطالها هو متعمدًا إلى سبع سنوات، وتعمد أن يلعب دور الخطيب أثناء المحاكمة، وأثار المحكمة، وقد أتاحت له فرص السجن التفرغ لدراسة المشكلات السياسية، والاطلاع على أفكار ماركس وإنجلز التي لم تمكنه ظروفه خارج السجن من التفرغ لدراستها، كما التقى ببعض الشيوعيين القدامى مثل اليهودي موشي بيادا الذي أصدر أول عدد من جريدة الحزب المسماة بالشيوعي، وكانت ظروفه داخل السجن أفضل من ظروف كل رفاقه في الخارج.

وأخيرًا غادر السجن عام 1934م‏- وقد أصبح محط الأنظار- لتولي منصبٍ هامٍ في الحزب الشيوعي اليوغسلافي، وتعرف جوزيف على «جوريك» السكرتير العام للحزب الشيوعي اليوغسلافي ذي الشخصية القوية، والذي استدعاه الروس فيما بعد في صيف عام ١٩٣٧م‏ إلى موسكو حيث تم تدبير تهمة باطلة له، وأعدم، وراح ضحية حركة تطهير زائفة.

أرسل تيتو إلى موسكو للتدريب على العمل التنظيمي؛ حيث التحق بسكرتارية البلكان، وفي قسم من أقسام الكومنترن، وكانت مدة الكورس ستة أشهر، ولكن تيتو ظل هنا لمدة واحد وعشرين شهرًا، حيث أمكنه التعرف على كبار الشيوعيين العالميين أمثال: جورج ديوتروف الذي أصبح رئيسًا لدولة بلغاريا فيما بعد، والذي اغتاله ستالين حين بدأ يصلح من أمر الحكم الشيوعي في بلغاريا، كما تعرف على تولياتي سكرتير الحزب الشيوعي الإيطالي، ولا بسوناريا الشيوعية الإسبانية، ووليم بيك الشيوعي الألماني، وقد استفاد تيتو من معرفتهم كثيرًا فيما بعد.

 وقد لاحظ جوزيف بعد وصوله أن الكمنترن تمزقه الخلافات والصراعات، وأن الجواسيس منتشرون في كل مكان، وعلى استعداد لكتابة التقارير إلى الرؤساء الروس الذين كانوا يسيطرون على أمور الكمنترن، ويشعرون بالاحتقار لهؤلاء الأعضاء من الدول الصغرى، ويرون أنهم في حاجة لتعليمهم النظام، ورأى أنه بكل سهولة يمكن تدبير مؤامرة ضد أي شخص غير مرغوب فيه، ويتم التخلص منه بكل يسر وسهولة.

وقد عرف أيضًا أن كل الغرف في الفندق الذي يقيمون فيه مراقبة بأجهزة سمعية مخفية، وكذلك مبنى الكمنترن، وشعر بالحاجة إلى صداقة رجل قوي من رجال الحزب، فكان أن تعرف على جورج ديمتروف بطل محاكمة حريق- الرشستاغ- البرلمان الألماني في برلين، والذي نجح في دحض الاتهامات الموجهة له، وخرج بريئًا من التهمة الملفقة له، وذاعت شهرته في العالم بسبب ذلك، وفي حقيقة الأمر أن الحريق دبره هتلر ليلصق به التهمة؛ وفي آخر فترة التدريب شاهد تيتو حركة التطهير الكبرى التي قام بها ستالين، وتخلص بها من كل منافسيه من زملاء الحزب القدامى من الروس، وشملت غير الروسيين كذلك، وأخيرًا سمح له بالسفر في أكتوبر ١٩٣٦م‏ إلى فيينا، ثم باريس؛ لتنظيم حركة نقل المتطوعين اليوغسلاف في الحرب الأهلية الإسبانية الذين بلغ عددهم ‎١٢4٠‏ متطوعًا، انضموا إلى اللواء الدولي الإسباني «إنترناشونال بريفادا» وكان الشيوعيون يرون أنه لا بد من مساندة الشيوعيين الأسبان في الحرب ضد فرانكو والفاشست.‏

رجع تيتو من موسكو بعد أن زود بالمال والرجال ومحطة إذاعة سرية، أقامها تيتو بنفسه، وفي هذه المرة تعلم تيتو من موسكو كثيرًا؛ فقد تعلم حقيقة شعور القادة السوفييت تجاه الشيوعيين من البلاد الأخرى، فهم في نظرهم مجرد مخالب قطط لتنفيذ سياسات معينة، وتعلم أنهم ينظرون إلى الأفراد كشيء مهمل سوف يقضى عليه فيما بعد، وأنهم قساة غير آدميين في معاملاتهم مع الأفراد، فهم يطلبون منهم الطاعة العمياء لتنفيذ سياسات ليس عليهم أن يشرحوها لهم ومع ذلك أيضًا تعلم قبول الحقيقة، وهي أن صداقة دولة قوية كالاتحاد السوفييتي ضرورة لازمة وسط عالم معاد، ولكنه أي تيتو لم يصل إلى درجة عدم الإيمان بالشيوعية أو رفضها.

تأكد تيتو أن سلاحه الوحيد للوصول لغايته في السلطة هو وجود حزب قوي متحد ومنظم، وأن يكون ذلك الحزب مطيعًا له طاعة عمياء، وعليه أن يتأكد من وجود لجان قوية في كل المقاطعات تدين له بالولاء والطاعة، وقد اهتم تيتو بشؤون الاتصال؛ حيث أقام شبكة قوية دقيقة ومعقدة من العملاء والوكلاء، وبدأ في تحصيل الاشتراكات من الأعضاء القادرين، ومن العائلات الغنية التي منها بعض الأعضاء، وبدأ يظهر في المجتمع بشخصية أخرى، وهي شخصية مهندس ناجح يسافر كثيرًا بين أنحاء يوغسلافيا، وأحيانًا للخارج، وكان يلبس خاتم ألماس للدلالة على ثرائه، ويلبس ملابس جيدة عين لها ترزيًّا خاصًّا من أعضاء الحزب، وامتلك سيارة فورد، وعين لها سائقًا خاصًّا، واتخذ له مسكنًا في حي راق من أحياء المدينة، ووثق صلته بجيرانه، وفي نفس الوقت تحاشى تدخلهم في حياته الخاصة، وبذلك أتيحت له الفرصة بعيدًا عن الشرطة لتوحيد صفوف الحزب وتصفية الأعضاء المشاغبين، ولكن للأسف أن المظهر الذي ادعى أنه اتخذه ذريعة لخداع الشرطة للظهور في المجتمع لازمه طول حياته حتى في فترة الحرب..

الرابط المختصر :