العنوان المسلمون في رواندا والحرب القائمة
الكاتب نجوما عبدالكريم
تاريخ النشر الثلاثاء 24-مايو-1994
مشاهدات 73
نشر في العدد 1101
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 24-مايو-1994
أسهمت الحرب الأهلية المدمرة في رواندا في
بروز اسم هذه الدولة الإفريقية إلى ساحة الأحداث العالمية في فترة قياسية نظرًا
لهول الأحداث التي عصفت بأركانها وفداحة الخسائر التي خلفتها، وبات المسلمون في
أنحاء العالم يتساءلون عن وجود المسلمين في رواندا قبل السؤال عن أوضاعهم.. ذلك أن
أكثرهم لم يكن قد سمع باسم هذه الدولة من قبل، ومن عرف بوجودها لا يدري أيسكن في
ربوعها مسلمون موحدون أم لا؟
وفي هذا التقرير عرض عام لأوضاع مسلمي رواندا
السياسية والاقتصادية والاجتماعية منذ دخل الإسلام تلك الديار في أواخر القرن
الماضي وحتى اليوم.
تقع رواندا ضمن الدول الإفريقية الصغيرة مثل
بروندي ولوسوتو وغيرهما، وتبلغ مساحتها حوالي 26,338 كم مربع، وتحدها من الشمال
جمهورية أوغندا، ومن الجنوب جمهورية بروندي، ومن الشرق تنزانيا، أما في الغرب
فجمهورية زائير، ويبلغ عدد سكان رواندا حوالي (7,600,000) نسمة.
تاريخ الإسلام في رواندا
أول دين طرق هذه الديار هو دين الإسلام وذلك
قبل دخول الديانات الأخرى، أعني بذلك الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية، وكان
ذلك في أواخر القرن التاسع عشر في منتصف عام 1890 – 1914م.
المسلمون الأوائل الذين دخلوا رواندا كانوا
تنزانيين من الذين كانوا يترجمون لزعماء ألمانيا الذين تصدوا لحكم البلاد إبان
الحرب العالمية الأولى، ومسلمو رواندا الأوائل اعتنقوا الإسلام بعد أن أصبحت
كيجالي عاصمة الحكومة الألمانية.
إن أول مسجد في رواندا بني في كيجالي وتم
افتتاحه بتاريخ 2 /11 /1913م، ورغم أن هذا المسجد كان صغيرًا حيث بلغ طوله تسعة
أمتار وعرضه خمسة وكانت مواده الأساسية بدائية لكنه كان بداية طيبة وواجهة مميزة
للإسلام في رواندا لكونه أول بيت وضع لأجل توحيد الخالق عز وجل في تلك البلاد.
أما أول كنيسة كاثوليكية فإنها أسست في سافي SAVE في منطقة بوناري في جنوب كيجالي،
وكنيسة البروتستانت بنيت في قرية تبعد عن رواماجانا
RWAMAGANA بقليل وذلك في منطقة كيبونجو
KIBUNGO شرق كيجالي. ورغم أن حكومة البيض كانت بروتستانتية
لكنها دعمت كنيسة الكاثوليك ببناء الكنيسة في كيجالي على أنقاض المسجد الذي تم
بناؤه ليتم مضايقته؛ هذا الفعل الشنيع إن دل على شيء فإنما يدل على الصراع
المتواصل الذي أوقد نيرانه الروانديون الذين كانوا يؤيدون حكومة الاستعمار وذلك
بعد رسوخ تعاليم الكنيسة في أعماق قلوبهم والولاء الخالص للحكومة الاستعمارية مع
هيئة المنصرين الأفارقة التي ما فتئت وما زالت تعارض المسلمين وتحارب كل من دخل
الإسلام وتعامله معاملة غير إنسانية، وكان من نتائج هذه التصرفات الوحشية ضد المسلمين
حصول التفرقة العنصرية بين المسلمين وغيرهم فيما يتعلق بحقوقهم الذاتية التي
يستحقونها كمواطنين.
لم يكن للمسلمين الأوائل حظ في الحياة، حيث لم
كان يسمح لهم بدخول المدارس الحكومية لاسيما المبنية من قبل الكنيسة الكاثوليكية
أو البروتستانتية، ومثل هذه المضايقات استمرت حتى بداية عام 1960م حينما بدأ
المسلمون يطالبون بحقوقهم من الحكومة المكونة من المستعمرين البلجيكيين الذين
خلفوا الألمان في استعمار البلاد عقب الحرب العالمية الثانية إلى الاستقلال عام
1962م، وكان غرض المسلمين التباحث فيما يتعلق بحياة المسلمين ومستقبلهم بعد
الاستقلال.
المعوقات التي واجهت تقدم الإسلام
في رواندا
1- لعل أبرز المعوقات التي واجهت
تقدم الإسلام في البلاد هو أن دخول الإسلام في رواندا لم يكن بطريقة مرسومة من قبل
المسلمين الأوائل الذين طرقوا هذه الديار حيث كان شرطةً أفارقة يعملون للحكومة
الاستعمارية الألمانية، والآخرون كانوا تجارًا من العرب والهنود، أما الباقون
فكانوا عددًا ضئيلًا من الذين كانوا يعملون في خدمة أولئك التجار، فكان منهم
إداريون وفنيون وغيرهم، والذي يبدو -والله أعلم- هو أن هؤلاء المسلمين أتوا لمهمة
واحدة ألا وهي كسب العيش، ولم يأتوا لدعوة الناس إلى الإسلام وهدايتهم إلى سواء
السبيل، مع أنهم كانوا حريصين غاية الحرص على تلقين الروانديين النطق بالشهادتين.
2- التمسك الشديد بالتقاليد والعادات
الموروثة المحلية فيما يتعلق بالاعتقاد، فلقد عارض ملك رواندا يوهي موسنجا – YOHI MUSINGA دين الإسلام معارضة شديدة حيث جند
كل طاقاته لمحاربة الإسلام وقيمه وعاداته كالختان، وقد طرد من الأمة الرواندية كل
من اعتنق الإسلام واختتن، ومنع زواج المسلمين من الروانديات لأنه كان يعتبرهم
يلوثون البيئة.
3- الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية؛ لقد
ظهرت من هاتين الكنيستين المحاربة المستمرة لدين الإسلام حتى لا يستمر تقدم
الإسلام في رواندا، فالكنيستان بالتعاون مع المستعمرين البيض عملوا قدر الإمكان
ليوقفوا زحف الإسلام إلى كل المداخل وفي جميع المجالات، وأن المسلمين تأثروا من
ناحية التعليم، فالكنيسة الكاثوليكية لم تكن تقبل في مدارسها الثانوية أبناء
المسلمين إلا بعد اعتناقهم المسيحية، ونحن في هذه الأيام بدأنا نذوق مرارة هذه
العداوة حيث لا نستطيع منافسة الكفار ومزاحمتهم في شتى المجالات.
4- المستعمرون الذين استعمروا رواندا ابتداء
من الألمانيين وانتهاء بالبلجيكيين كان لهم دور كبير في تشويه سمعة الإسلام في
نفوس الروانديين، وسبق أن رأينا كيف دعمت الحكومة الكنيسة الكاثوليكية بناء كنيسة
في كيجالي على أنقاض المسجد، وذلك في إطار إيقاف الدعوة الإسلامية، مع أن كاندت KANDT، الذي كان رئيسًا وبروتستانتيًا في نفس الوقت لم يسمح
للبروتستانتيين ببناء كنيستهم في كيجالي وسمح للكاثوليكيين لأنه رأى أن الكنيسة
البروتستانتية لن تستطيع أن تحقق الغاية المقصودة بمفردها.
5- بطلب من ملك رواندا يوهي – مونسجا YOHI MUSINGA وزعماء الكنيستين حصرت حكومة
البلجيك المسلمين في ثكنات ووضعت لهم حدودًا لا يجوز لأحد تجاوزها لأجل تضليل
المسلمين منعوهم من القيام بالأعمال اليدوية التي كانوا يمارسونها الروانديون
الآخرون كالزراعة، وكان هدفهم من ذلك خداعهم بأن المسلمين أناس محترمون لا يليق
لهم المشاركة في الأعمال الحقيرة كالزراعة، وفي نفس الوقت لم يكونوا مطالبين
باحترام أوامر القائم بأعمال الملك في القرية أو المنطقة، بل كان يحكمهم المسلم
الذي وافق أن يكون عميلًا للبيض دون الاهتمام بالعمل لأجل مصالح المسلمين.
6- اللغة السواحلية التي كانت شائعة بين
المسلمين بصفة عامة، ورغم أنها كانت لغة رسمية للمستعمرين في أعمالهم الحكومية لكن
استخدامها في مجال الدعوة أتاح الفرصة لمحاربة المسلمين الذين اعتبروا كفئة أجنبية
أو أتباع ديانة سواحلية، فخلطوا بين اللغة والدين ولم يفرقوا بين الغث والسمين،
فأصبح كل من اعتنق الإسلام من الروانديين كأنه أخذ العلامة التي تخرجه من الأمة
الرواندية.
دور المسلمين في تعميق جذور
الإسلام في رواندا
رغم تلك المعوقات التي ظلت تعمل في تشويه سمعة
الإسلام ومنع انتشاره في أوساط الأمة الرواندية، فإن المسلمين بعد أن رأوا تأخرهم
في جميع النواحي عملوا من أجل تحسين مستواهم ليتمكنوا من مواكبة التطورات الموجودة
في شتى المجالات، ومن هذا المنطلق فكر آباؤنا بحل لعلاج تلك المشاكل فأسسوا جمعية
سموها «جمعية مسلمي رواندا» والمعروفة باسم
A.M.U.R وفي نفس الوقت وضعوا لها القوانين التي تقوم عليها
مع الأهداف الآتية:
1- نشر الدعوة الإسلامية.
2- ضرورة وجود التنسيق في
جميع أعمال دين الإسلام.
3- دعم التعليم في الأمة الرواندية مع الأعمال
التي أساسها الدين والعمل على تحسين الحياة اليومية للمواطنين كما أمرنا بذلك
ديننا الحنيف.
جمعية مسلمي رواندا نالت الاعتراف بها بقرار
وزارة العدل رقم 37 /13 والصادر بتاريخ 11 /5 /1964م، ومنذ ذلك الوقت الذي لن
ننساه في تاريخ الإسلام في رواندا، فإن جمعية مسلمي رواندا تمكنت من تجسيد أهدافها
المذكورة أعلاه رويدًا رويدًا نتيجة تفاني المسلمين ومساعداتهم الدائمة للجمعية من
ناحية، ومساعدات الهيئات والمنظمات الإسلامية من ناحية أخرى. نتيجة لكثرة عدد
المسلمين ونتيجة القيام بمهمة التعليم فإن جمعية مسلمي رواندا بدأت ترسي قواعد
التعليم لتظهر حرصها الشديد لتعليم الشباب الروانديين بصفة عامة وشباب المسلمين
بصفة خاصة ولتدلي بدلوها في بناء مجد بلادها.
وهكذا استطاعت الجمعية بناء مساجدها ومدارسها
لقراءة القرآن في جميع أنحاء البلاد، والذين انتهوا منها واصلوا دراستهم في المعهد
الإسلامي التابع لجمعية مسلمي رواندا، والذين ظهر نبوغهم من أولئك الطلاب استطاعوا
استئناف دراساتهم في بعض الجامعات الإسلامية في السعودية ومصر.
عدد المسلمين في رواندا
التعداد السكاني الذي أجري في البلاد أظهر بأن
عدد المسلمين يبلغ 8%، وهذا يعني بأنهم في حدود 580,000 مسلم، وهذه المعلومات
تفتقر إلى الدقة وهي أقل من الرقم الحقيقي، لأن القائمين بالتعداد السكاني أغلبهم
من رجال الكنيسة، ونتوقع أن يكون عدد المسلمين أكبر من ذلك، ونستطيع القول بأن
هدفهم من تقليل عدد المسلمين أو تكثيرهم لا يخلو من أمرين هما:
1- إظهار كثرة المسلمين وزيادة عددهم يومًا
بعد يوم ليشجعوا الكنيسة الكاثوليكية العالمية على ضرورة زيادة ميزانيتها ليتم
محاربة الإسلام.
2- إظهار قلة المسلمين للدلالة على أنهم في
طريقهم إلى النجاح ليقطعوا الروح المعنوية للذي ينوي دخول الإسلام.
ومن هنا فإن جمعية مسلمي رواندا لا تستطيع أن
تجري مثل هذا التعداد لتظهر المعلومات الصحيحة لأن هذه المهمة تتطلب تكاليف باهظة،
والدولة لكي تقوم بذلك لابد أن تستعين بالهيئة العالمية المسؤولة عن زيادة عدد
سكان العالم، ناهيك عن دور البنك العالمي في ذلك، ورغم أننا لا نستطيع أن نجري
التعداد السكاني لكن عدد المسلمين يزداد يومًا بعد يوم ولكن الحرب الدائرة الآن
سوف تغير معدلات السكان دون شك بعد المجازر البشعة التي يتعرض لها سكان البلاد.
لكننا إذا أخذنا متوسطًا للتقارير التي تتحدث عن عدد المسلمين فإننا نستطيع أن
نقول إن نسبتهم بين 10، 12% من عدد السكان. والجدير بالذكر أن العدد الكبير من
أولئك المسلمين مكون من الشباب والشابات مقارنة بالكبار والعجزة فكان لزامًا علينا
الاهتمام بأمرهم لأنهم حاملو لواء الإسلام في المستقبل.
أخيرًا.. ينبغي أن نعرف أن الأحداث التي تعاني
منها رواندا اليوم وينال المسلمون قسطًا كبيرًا منها في ظل تخاذل دولي وعجز إفريقي
وتخبط إسلامي، ليست سوى نتيجة لسياسة التسلط الاستعماري الذي ألقى بثقله على تلك
البلاد لعقود طويلة ثم أدار لها ظهره بعد أن حقق مصالحه وتركها تسقط في أتون
التناحر القبلي الذي لا يعرف الرحمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل