; المسلمون في الهند | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون في الهند

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1976

مشاهدات 72

نشر في العدد 310

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 27-يوليو-1976

المسلمون في الهند يعيشون أسوأ أيام التاريخ..

معلومات نقلها إلينا الثقات المشهود لهم بالخير عن كثب..

اليوم السادس والعشرون من شهر يونيو عام ١٩٧٥م هو يوم أسود في تاريخ الهند السياسي، إذ أعلنت فيه حكومة الهند حالة طوارئ في البلاد، بحجة أن الأمن الداخلي مهدد بالأخطار الجسيمة. وكان هذا الإعلان بمثابة إلغاء الحياة الديمقراطية، والبدء بالنظام الدكتاتوري خلال حكم الحزب الواحد. واتخذت حالة الطوارئ ستارًا لتحقيق هذه الغاية، وكذلك ذرًّا للرماد في عيون العالم. 

ومضي اليوم على إعلان الطوارئ عام كامل. وأصدرت الحكومة بعد إعلان الطوارئ الكثير من إجراءات الدكتاتورية باسم القرارات الجمهورية، ولكي تكسب هذه الإجراءات التعسفية صبغة شرعية مررتها في البرلمان «وفيه الأغلبية الساحقة لمؤيدي الحكومة والمصفقين للمسز أنديرا غاندي»، وانتزعت منه المصادقة عليها. هكذا وباتخاذ الطوارئ مسوّغًا للإجراءات الدكتاتورية سلب المواطنون، وعلى الأخص المسلمون، الحريات الأساسية، وكممت أفواه الصحافة. وكم من خطوة كانت الحكومة تود اتخاذها تحت شعار «الإصلاح» ولكن الرأي العام وأحزاب المعارضة كانت عقبة كأداء في سبيلها تمكنت الحكومة من اتخاذها باستخدام السلطات المطلقة التي نالتها تحت ستار الطوارئ. ومع ذلك تؤكد الحكومة للمواطنين وللرأي العالمي، تضليلًا وخداعًا، أن جميع تلك «الإصلاحات» والإجراءات لم تتخذها إلا لكونها ضرورية لتطوير البلاد وتنميتها. وعدم تمكن الحكومة من تطبيقها فيما قبل يرجع إلى أن الأحزاب المعارضة الخائنة لم تسمح لها بها. والحاصل أن الهند أصبحت اليوم مرتعًا لغوائل الدكتاتورية تتظاهر بلباس الديمقراطية. والطغمة الحاكمة تريد أن لا يسود البلاد إلا نظام الحزب الواحد، وأن لا تروج فيها إلا نظرية واحدة تتفق مع هواها، وأن لا تطبق فيها إلا مشاريع تحقق مصالحها. كما لا تريد أن يبقى للمعارضة صوت ولا متنفس.

ونظرًا لتحقيق تلك الغايات المشؤومة تبذل الحكومة محاولات مرسومة لتصفية جميع الطوائف والفئات والأحزاب التي تراها الحكومة عقبة في سبيلها، والتي لا تقبل مطاوعتها بصورة عمياء. واتخذت الحكومة عدة إجراءات في هذا الصدد من شأنها أن تلفظ الفئات المعارضة أنفاسها تلقائيًا، أو تنصهر في بوتقة الحزب الحاكم بالتدريج. 

والأحزاب التي تستهدفها الحكومة بصفة خاصة على رأسها الجماعة الإسلامية. وصرح حكام الهند أكثر من مرة: «إن الجماعة الإسلامية إذا أرادت بقاءها في الهند فليس لها إلا سبيل واحد. وهو أن تجعل من نفسها طائفة دينية بالمعنى المحدود. أما من الناحية السياسية فعليها أن تتبع الحكومة في جميع أهدافها. ثم عليها أن تندمج، في خاتمة المطاف، في المؤتمر الوطني الهندي «الحزب الحاكم» اندماجًا كليًّا. وعلى هذا لا يريد أرباب الحكم أن تكون الجماعة الإسلامية حرة في إبداء رأيها، وممارسة نشاطها، واهتمامها بالقضايا الوطنية والمالية، والإنهاض بالكيان الإسلامي في البلاد.

وكما لا يخفى على الملمين بالأوضاع أن الحكومة لما أعلنت حالة الطوارئ في الهند أصدرت على فورها أوامر حل الأحزاب الأربعة الكبيرة. كما أن هناك أحزابًا إقليمية عديدة نالت نفس المصير، وبلغ عدد جميع الأحزاب المصادرة ٧٦ حزبًا. 

والأحزاب الأربعة الكبيرة التي حلتها الحكومة في طليعتها الجماعة الإسلامية. والاتهام المباشر الذي وجه إليها من قبل السلطات هو أن الجماعة الإسلامية حاولت الإخلال بالأمن الداخلي وتعريض البلاد للفوضى. كما أنها دبرت مؤامرة ضد النظام القائم. ثم اتهمت الحكومة الجماعة الإسلامية- كذبًا وزورًا- بأنها ضالعة في الحركة التي قامت بها الأحزاب الهندية ضد حكومة المسز أنديرا غاندي «كالحزب الهندوسي المتطرف جان سنغ، والحزب الاشتراكي، والجناح المنفصل من الحزب الحاكم المسمى بمنظمي المؤتمر الوطني الهندي». وكانت تنادي بإقصاء المسز أنديرا غاندي من الحكم. وهناك اتهامات أخرى وجهت إلى الجماعة كإثارة القلاقل واستخدام العنف، وتدبير المؤامرة. ولا تستطيع الحكومة إثبات أي تهمة منها أمام جهة من الجهات القانونية.

وقد ألقي القبض على الشيخ محمد يوسف أمير الجماعة الإسلامية وزملائه بالهند بمجرد إعلان الطوارئ، وما إن دخل الشيخ محمد يوسف السجن وجه من السجن نداءه إلى سكان الهند بصفة عامة، وإلى الأمة الإسلامية فيها بصفة خاصة، حذرهم من الأوضاع السياسية المضطربة، ومن الاشتراك في المظاهرات التي كانت الأحزاب المعارضة تنظمها، لأن العنف والفوضى لا يؤديان إلا إلى التخريب والتدمير وإيقاع البلاد في حلقة مفرغة من الاضطراب والتناحر. 

وسبق أن أكد أمير الجماعة الإسلامية أكثر من مرة أن الجماعة الإسلامية لا تؤمن أبدًا بسياسة العنف. وهي لا تستهدف إلا البناء ولا تسلك لأجله إلا الطريق الديمقراطي.

وقد نشرت جريدة الدعوة الناطقة بلسان الجماعة النداء الذي أصدره أمير الجماعة من السجن في عددها الصادر في ۲۸ يونيو ١٩٧٥م أي بعد اعتقاله بيومين. وبعد صدور هذا النداء بأسبوع أصدرت الحكومة الأوامر بحل الجماعة الإسلامية ومصادرة جريدة الدعوة. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل دلالة واضحة على أن الجماعة ظلت تستنكر سياسة العنف وإثارة القلاقل إلى آخر اللحظات. وعلى الرغم من ذلك اتهمت الجماعة نفسها بأنها كانت تدبر المؤامرة ضد الحكومة وكانت ضالعة في إثارة القلاقل. وبالتالي كانت تنوي قلب النظام بطريقة سرية.

ومن الجدير بالذكر أن أمير الجماعة الإسلامية كتب من السجن عدة رسائل إلى المسز أنديرا غاندي؛ شرح فيها موقف الجماعة، وسياستها وأساليبها للعمل. كما أن جريدة «الدعوة» اليومية الناطقة بلسان الجماعة تحتوي على ما لا يعد ولا يحصى من الدلائل على أن الجماعة الإسلامية ظلت تصدر التصريحات تلو التصريحات تشجب فيها سياسة العنف والفوضى، وتلفت أنظار الحكومة إلى تدهور الأوضاع واكفهرار الجو، وتطلب منها الإجراءات اللازمة لتحسين الأوضاع بدون ما تأخير.

وبعد أن حلت الجماعة الإسلامية بدأت سلسلة الاعتقالات. وساد البلاد الهرج والمرج. وقد اعتقل من رجال الجماعة أكثر من ألف وخمسمائة شخص من أنحاء البلاد. وكان كل فرد منهم متهمًا بأنه أخل بأمن البلاد، وتسبب في دفع البلاد إلى الفوضى واللا قانونية. وبجانب هذا الاتهام المباشر الذي شمل جميع أفراد الجماعة وجهت إليهم تهم أخرى، كإلقاء الخطب المثيرة، وتدبير المؤامرات لقلب النظام وما إلى ذلك. وكما ذكرنا آنفا أن الحكومة لم تتمكن من إثبات ولا تهمة واحدة من تلك التهم العديدة الخطيرة في المحاكم. 

وبعد أن فشلت الحكومة في إثبات التهم قانونيًا لجأت إلى أساليب الظلم والتعسف ومددت مدة اعتقالهم بقانون آخر من قوانين الغابات. وهذا القانون يوصف بـ«قانون حفظ الأمن العام».

وبموجب القانون لا تحتاج الحكومة إلى بيان مبررات اعتقال أحد، بل لها أن تعتقله بدون توجيه التهم. وتبقيه في السجن لسنة واحدة. وهناك عدة أمثلة من أن الحكومة اعتقلت شخصًا بموجب التهم المختلفة. وإذا لجأ ذلك الشخص إلى المحكمة، وحقق فيها برأته من تلك التهم الكاذبة وأطلقت المحكمة سراحه بادرت الحكومة إلى اعتقاله تحت القانون المشار إليه عقب خروجه من السجن بدون ما تأخير.

وفيما يتعلق بأمير الجماعة الإسلامية وزملائه من أعضاء مجلس الشورى المركزي للجماعة فاعتقلوا جميعًا بموجب قانون يسمى بقانون الدفاع الهندي «مادة رقم ۱۰۸» «علمًا بأن هذه المادة لا تطبق إلا على جرائم المشاغبة، وقطع الطرق، واستخدام العنف، والزنا الإجباري». ولم تقصر الحكومة في انتهاك حرمات هؤلاء الأطهار. وقد أطلقت المحاكم سراحهم تحت الكفالة في شهر مارس في العام الجاري.

ولكن الحكومة عاودت اعتقالهم بتوجيه تهم أخرى وبموجب نفس قانون الدفاع الهندي. وهل هناك من أمر أكثر غرابة وأكثر سفاهة من أن الحكومة بينما تعتقل الجميع بموجب «قانون حفظ الأمن العام» تعتقل أمير الجماعة وزملاءه الكرام بموجب قانون يختص بالمشاغبين وقطاع الطرق. وقد كتب أمير الجماعة عدة رسائل إلى رئيسة الوزراء والحكام الآخرين يستنكر فيها هذا الإجراء ولكن ما كان استنكاره إلا صرخة في واد ونفخة في رماد. وصادرت الحكومة جميع أملاك الجماعة، وختمت مكاتبها بالشمع الأحمر، وجمدت أموالها. ولم يقف الأمر عند حد حل الجماعة الإسلامية والزج برجالها في السجون والمعتقلات، بل تعدى إلى مصادرة «المكتبة الإسلامية». التي هي مؤسسة تجارية مستقلة لا علاقة لها بالجماعة الإسلامية ومهمتها إصدار الكتب الإسلامية ونشر تراجم معاني القرآن الكريم باللغات المحلية.

صودرت تلك المكتبة أيضا، وختمت بالشمع الأحمر، وجمدت أموالها. وكانت عند المكتبة بعض الأموال التي تبرع بها بعض الأثرياء المسلمين لإصدار ترجمة معاني القرآن الكريم صادرتها الحكومة أيضا بدون خجل وحياء. ومنذ أن صودرت تلك المكتبة العظيمة توقفت حركة الدعوة الإسلامية. وهناك عدد كبير من الكتب في المستودعات أصبحت تأكلها الأرضة وليس مصيرها إلا الضياع.

وزد على ذلك قصة جريدة «رديانس» الإنكليزية. وهي جريدة وحيدة تصدر بالهند باللغة الإنكليزية، وتتبنى قضايا المسلمين ونشر الوعي الإسلامي بينهم. 

فصادرتها الحكومة، واعتقلت جميع أفراد أسرتها. مع أن هذه الجريدة تصدر من مؤسسة مستقلة حرة تشرف عليها «لجنة المطبوعات الإسلامية».

تعاني الجماعة الإسلامية من سنة كاملة الاضطهاد والتنكيل والعسف والجور. وقابل العديد من ممثلي الجماعة السلطات الهندية، وناقشوا معها هذه القضية. ولكن بدون جدوى. كما أن رئيسة الوزراء لم تجب عن إحدى الرسائل التي كتبها أمير الجماعة. أما ولاية كيرالا وولاية مهاراشتر فقد أفرج فيهما عن رجال الجماعة تحت الكفالات المالية. 

هذا، وقد شوهد أن العناصر المعادية للإسلام أصبحت تستغل هذه الفرصة وتزحف على صدر الأرض، وتستنفد أغراضها للقضاء على الكيان الإسلامي في الهند. وهذه هي الفترة التي صدر فيها قانون التعقيم الإجباري. ويستهدف هذا القانون المسلمين بصفة خاصة وعانى المسلمون في دلهي العاصمة من هذا القانون المشؤوم ألوانًا عديدة من الظلم. كما يلي:

يؤخذ الشباب المسلمون من السذج والأميين. وتجرى عليهم عملية التعقيم إجباريًا. وقد ثارت في دلهي القلاقل في صفوف المسلمين ضد هذا الإجراء. ولا تزال المظاهرات تقام استنكارًا عليه. 

ويتخذ البوليس أساليب العنف لقمع هذه المظاهرات. وأطلق البوليس على العديد من المظاهرات النيران؛ سقط على إثرها الكثير من الشباب المسلم جثثًا هامدة. كما حدث في المظاهرة التي خرجت في جوار الجامع الكبير المعروف بـ«بادشاهي مسجد» واستشهد فيها العديد من المتظاهرين المسلمين نتيجة وابل من الرصاص التي أطلقها البوليس. ومن الغريب أن الحكومة اتهمت الجماعة الإسلامية بتنظيم تلك المظاهرة. والبيان الصحفي الذي أصدرته السلطات بخصوص هذا الحادث يقول:

«إن هذه المظاهرة خرجت بإيعاز من زعماء الجماعة الإسلامية». ومع أن الحكومة تعرف- كما يعرف الناس كافة- أن الجماعة الإسلامية منحلة وزعماءها رهن السجون والمعتقلات منذ مدة طويلة. 

حادث باب التركمان: وأكبر دليل على جهود الحكومة الهندية في إبادة المسلمين في الهند، السياسة التي اختارها سانجي غاندي: نجل المسز أنديرا غاندي علمًا بأن سانجي غاندي برز هذه الأيام كزعيم كبير في الهند، ونال صيتًا ذائعًا ومكانة مرموقة بعد الطوارئ بصفة خاصة ولا تزال المحاولات مبذولة في جعله في طليعة الزعامات السياسية. ونقول: إن السياسة. التي اختارها سانجي غاندي تتضمن أربع نقاط موجهة إلى الشباب الهندي. منها التعقيم الإجباري.

والنقطة الثانية هي تصفية الأحياء الإسلامية في دلهي القديمة تحت شعار تجميل العاصمة ومن المعروف أن المنطقة المعروفة بباب التركمان في دلهي القديمة هي منطقة أغلبية سكانها المسلمون. فبموجب مخطط سانجي غاندي المشهور بمخطط تجميل العاصمة قد أبيدت تلك المنطقة بأثرها. والأسلوب الذي اختاره سانجي غاندي لهدم هذه المنطقة بالغ في الغرابة والظلم. وذلك، أنه بمجرد أن أصدر أوامر لهدم المنطقة تحرك رتل من القلابات والتركتورات هجمت على باب التركمان. وفي جانب كان البوليس يشيل الأهالي من البيوت قسرًا، وفي الجانب الآخر كانت القلابات تعمل عملها في الهدم والتدمير. ومن الجدير بالذكر أن هذه المنطقة كانت تحتضن أكثر من مائة ألف نفر من المسلمين. فطرد هؤلاء من بيوتهم التي كانوا يملكونها كابرًا عن كابر منذ القرون. وسيقوا إلى العراء بعيدًا عن دلهي نحو خمسة وعشرين كيلو مترًا. وأثناء الهجوم لما حاول بعض الأهالي استنكار هذا الإجراء الغاشم المباغت، أطلق البوليس النيران نال المئات منهم مصرعهم. أما البيان الحكومي فلم يذكر إلا سبعة أشخاص قتلوا في هذا الحادث. وحدث أن رفض بعض المسلمين الخروج من بيوتهم فهجمت عليهم القلابات وأتت عليها بما فيها من البشر رجالًا ونساء وأطفالًا. الأمر الذي أدى إلى هلاك المئات من الأهالي.

أما الميدان الذي نقل إليه هذا العدد الهائل من أهالي منطقة باب التركمان، هو عبارة عن أرض خالية لا يجد المقيمون فيها شيئًا من ضرورات الحياة اليومية. وزاد الطين بلة المطر الذي نزل في تلك الأيام بغزارة في دلهي. وتفجر إثره ما تفجر من الأمراض مثل الكوليرا. ذهب ضحيتها أعداد كبيرة من المسلمين البائسين. 

ومنطقة باب التركمان مساحتها لا تقل عن ثمانية هكتارات صفيت بأكملها. وكان فيها ستة جوامع كانت تغص بالمسلمين هدمت. وبلغ عدد البيوت المتهدمة فيها ثلاثمائة بيت لم يبق منها عين ولا أثر. ومن الأسف الشديد أن صرخات المسلمين لا تجد أذنًا صاغية في الأوساط الحكومية. وإذا استمر الوضع كما هو فلا ندري ماذا سيكون مصير الوجود الإسلامي في الهند.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .. 

حرر في ٢٦-٦-١٩٧٦م 

إعداد:

دار العروبة الدعوة

الإسلامية المنصورة 

- لاهور ۱۸ باکستان

الرابط المختصر :